الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الجمعة، 27 يناير، 2012

كُتُبٌ مفقودة من زمن فأيّها ينبغي تجديد نشرها - غفران مصطفى (صحيفة السفير)


اللوحة للفنان المصريّ جورج بهجوري (مواليد 1935)

صحيفة السفير - الجمعة 27 كانون الثاني 2012

السؤال الأهم: لماذا تتقاعس دور النشر عن إعادة طبع كتب أدبائنا الكبار؟ هل يعود ذلك إلى أسباب تتعلق بالربح المادي؟ وهل باتت هذه الكتب «متحفيّة» وأعلى من القدرة على تداولها؟ وهل تسعى دور النشر اليوم إلى إعادة طبع الكتب الأدبية القديمة والمهمّة التي قد تدرّ أرباحاً مادية إذا تم الترويج لها؟ وذلك من خلال الصحافة ووسائل الإعلام، التي بدورها تستطيع الإشادة بالكتب المميّزة. وأين دور وزارة الثقافة من هذه القضية؟ التي يُضاف إلى كاهلها مسؤولية نشر مختارات لكبار الأدباء العرب، في الوقت الذي لا تجني، بعضها الربح المادي المرجو لدور النشر. ولماذا لا تحتفي دور النشر العربية بكتبها القديمة ذات الطبعة الأولى لرواد الأدب في معارضها التي تقام في مختلف البلدان العربية؟ حين يعاد طبع العديد من الكتب التي لا تحتوي على مضامين نافعة، أو تحمل عناوين أكبر من فحواها. فأين كتب أديب مظهر مؤسس الشعر الرمزي؟ وأحمد زكي مؤسس مدرسة أبولو الشعرية التي ضمت شعراء الوجدان في مصر والعالم العربي، ومن روادها: إبراهيم ناجي، وعلي محمود طه، وعلي العناني، وكامل كيلاني، ومحمود عماد، وجميلة العلايلى. أين كتب إيليا أبو ماضي؟ يوسف غصوب؟ صلاح لبكي؟ إلياس أبو شبكة؟ أحمد شوقي؟ يوسف حبشي الأشقر؟ طه حسين؟ عمر أبو ريشة؟ أبو الطيّب المتنبّي؟ سعيد عقل وشعراء حقبته؟ وغيرهم الكثير.. عدا أرشيف الفن، كالمسرح الحديث مثالاً، لرواده: منير أبو دبس وشكيب خوري وريمون جبارة.. والموسيقى والرسم والنحت والرقص... والكتب التي أرّخت هذه الحقبة. فبتنا اليوم، أمام جيل جديد يقف أمام رفوف مكتبة عامّة أو تجارية، لا تريد أن تثقّفهم عن الأدب والفن اللبناني إلا من خلال الخمسين سنة الماضية.
وكان بذلك سؤالنا لنخبة من المثقفين اللبنانيين عن أبرز الكتب الأدبية والفنية القديمة التي، برأيهم، تستحق إعادة الطبع والسبب لذلك.
تتفق بالرأي كل من الناقدة خالدة سعيد والأديبة يمنى العيد بأن أبرز الكتب التي يجب أن يعاد طبعها هي الكتب المتعلقة بالدولة المدنية، وتضم الأديبة والروائية ماري القصيفي رأيها إلى تلك التي تناصر حقوق المرأة، وتطالب بتحريرها والتي ظهرت مع بداية عصر النهضة تقريباً. فتعتبر سعيد أن تجربة مصطفى عبد الرازق (1885 - 1947) مثال يحتذى به على صعيد مؤلفاته عن الدولة المدنية، وهو شيخ الجامع الأزهر، ومجدد للفلسفة الإسلامية في العصر الحديث، وصاحب أول تاريخ لها بالعربية، ومؤسس المدرسة الفلسفية العربية التي أقامها على الإسلام. وتشير العيد إلى بعض الكتب التي تستحق إعادة الطبع، مثل «الكتب التي تتناول السير الذاتية المتعلقة بسيدات لبنانيات كتبن عن نضالهن في المجتمعات السابقة، وكانت حينها بمثابة مساهمة قيّمة من قبل هؤلاء النساء الرائدات في مجال الأدب، كالأديبة مي زيادة، وعنبرة سلام، ووداد قرطاس وزينب فواز، وكانت علامة فارقة من أجل إحلال الحق وتبيان الظلم الذي تعرضن إليه من قبل مجتمعاتهن. و«هناك روايتان لمنى جبور تستوقفاننا، إذ تعبّران عن العنف الداخلي الذي كانت تعيشه الكاتبة جراء ترسبات عميقة من خلال علاقتها بوالدها وبمحيطها». وتضيف بعض الكتب التي تحبّذ كذلك إعادة طبعها مثل: «رواية «حي اللجى» لبلقيس حوماني، التي تحاكي الأحياء الشعبية اللبنانية التي لا يميّزها سوى العتمة، فكانت بمثابة إضاءة على هذه الأحياء وما يجري فيها. وكذلك كتب محمد عيتاني عن رأس بيروت عندما كانت عبارة عن مجرد رمول، بهدف التعرف على جذور هذه المدينة. والكتب التي تسلّط الضوء على الأدب الشعبي والنثر العربي لأمين نخلة ومارون عبود وأنيس فريحة، الذين دخلوا إلى أجواء لم تعد موجودة اليوم، «فمن المهم جداً التعرف على تراثنا الشعبي القديم، كالشعر والترانيم أيضاً».
ويقدّم الشاعر محمد علي شمس الدين كتباً على نحو مختلف مما سبق، كتلك المتعلقة بالنقد الأدبي، مثل: «المعري ذلك المجهول» للعلامة الشيخ عبد الله العلايلي، لأنه «أعاد خلق المعري من جديد». و«الغربال» لميخائيل نعيمة، و«أنتم الشعراء» لأمين الريحاني، و«في اللغة» لأمين نخلة. أما على صعيد الشعر: «أنشودة المطر» لبدر شاكر السياب، و«أغاني مهيار الدمشقي» لأدونيس، و«رحلة الحرف الصفر» لبلند الحيدري، و«أحلام الفارس القديم» لصلاح عبد الصبور، لاعتباره أن هذه الدواوين أسست للحداثة الشعرية العربية. ومن جهة الرواية: رواية «زينب» لمحمد حسين هيكل و«خالد» لأمين الريحاني، ورواية «لا تنبت جذور في السماء» ليوسف حبشي الأشقر. ويتفق شمس الدين والشاعر شوقي بزيع على إعادة طبع رواية «أنا أحيا» لليلى البعلبكي، لأنها «أول رواية عربية حديثة تغوص حثيثاً في الجسد الأنثوي وتكشف عن خفاياه» برأي شمس الدين، ولفت بزيع إلى أنها تشكل منعطفاً ونقلة نوعية في عصرها.
ربما نسي الشاعران أن رواية «أنا أحيا» لليلى بعلبكي الصادرة بطبعتها الأولى عام 1958 بالإضافة إلى سائر أعمالها: ‘’الآلهة الممسوخة’’، ‘’نحن بلا أقنعة’’، وأخيراً ‘’سفينة حنان إلى القمر’’، قد أعيد طبعها جميعاً بعد ما يزيد على خمسين سنة لعملها الأول ‘’أنا أحيا’’، في طبعة حصرية لدار الآداب في بيروت عام 2009.
أما في ما يتعلق بدور النشر في لبنان، المسؤولة مباشرة عن إنقاذ تراث الأدب العربي، قديمه وحديثه، فمن أولى المهام الملقاة على عاتقها أن تعيد نشر المؤلفات المهمّة والتي تقدم مردوداً مادياً لها، وإخضاع إعادة نشرها للجنة من كبار الأدباء ومؤرخيه. فعليها البدء من العصر القديم أي فجر الجاهلية، إلى العصر الحديث. وتلك مسؤولية حضارية. فدور النشر الفرنسية تتكفل الكتّاب المبدعين وتؤمّن لهم حياتهم مدى العمر، من خلال إعادة طبع كتبهم كلّما نفدت، فتحتضن الكاتب، على خلاف ما يجري في عالمنا العربي.

ترجمات ومجلات
ويبدي الأديب والروائي حسن داود أسفه لإقفال غالبية دور النشر التي كانت تنشر كتباً قديمة، المترجمة خاصة، ويتمنى على جميع الدور اليوم أن تجري جردة على جميع كتبها القديمة لإعادة طبعها وإحيائها من جديد. ويتفق بزيع وداود على إعادة طبع سلسلة حكايات «ألف ليلة وليلة» بنسختها الكاملة الأصلية، فيشير داود إلى أنها «مجتزأة اليوم لما فيها من قصص إباحية لا ترضى بعض الدول العربية بوجودها». ويضيف بعض الكتب المهمّة كي يعاد طبعها مثل: «ترجمات إحسان عباس الأدبية، ورواية «عوليس» لجيمس جويس ترجمة: طه محمود طه».
ويثير انزعاج الروائية علوية صبح غياب العديد من الكتب القديمة التي نحتاج إليها اليوم ككتب الجمال عند العرب، والتي ظهرت ضمن دراسة في الستينيات، وأبرزت هذا الجمال من خلال الشعر. بالإضافة إلى كتاب «سيف بن ذي يزن» و«تغريبة بني هلال». والتراث الجنسي الذي فرضت عليه رقابة الدول العربية فلم يعد موجوداً. والتراث الأندلسي، الشاعرات الأندلسيات خاصّة «اللواتي لديهن إنجازات شعرية هائلة».
بينما يكتفي الشاعر والناقد عقل العويط بنموذج واحد من النصوص والمنشورات القديمة لاعتباره أنه قد يكون من المفيد إلقاء الضوء عليها، من طريق إعادة نشرها، وهي «مجلة «المكشوف» لصاحبها الشيخ فؤاد حبيش». لأنها «تضع تأريخ مسألة الحداثة اللبنانية في نصابه الحقيقي. فتلك المجلة اضطلعت بدور أدبي وثقافي وإنساني بالغ الأهمية، قد يخفى على الكثيرين، ممن هم اليوم ورثة هذه الحداثة. فمن الطبيعي أن يعاد طبع ملخصات من أعداد هذه المجلة، ومقالاتها ونصوصها وترجماتها».
ويشدد الشاعر شوقي بزيع على مسألة إعادة طبع أمهات الكتب والمصادر الأساسية للتراث بدءاً من الجاهلية إلى نصف القرن الحالي، معتبراً أنها مسألة أعقد وأكثر حساسية من أن تترك في عهدة الناشرين الذين لا يأبهون إلا إلى حجم الأرباح من طباعة هذه الكتب، كما يجري بالنسبة إلى الكثير من المؤسسات الثقافية في بيروت ولبنان بشكل عام. ويلفت إلى أن هناك أكثر من مؤسسة ثقافية تغلق من دون أن يأبه أحد لذلك، ومن دون أن يتم إدراجها ضمن لائحة التراث، كمسرح بيروت، وهذه مسؤولية وزارة الثقافة بالدرجة الأولى. ويضيف «هناك هيئة عامة للكتّاب في مصر تتولى إعادة طبع كل الكتب المهمة، كالأدب والفكر والفلسفة العربية، لذا، على وزارة الثقافة أن تأخذ على عاتقها إنشاء مثل هذه الهيئة أو أن تتكفل بإعادة طبع هذه الكتب، التي بمعظمها إن وجدت لا تكاد ترى بالعين جراء الطباعة الرديئة وخطها الصغير». وأكد أهمية إعادة طبع بعض الكتب حتى لو كانت موجودة اليوم وذلك لإظهار أهميتها الكبيرة، ويُعهد إلى بعض الأدباء بإعادة قراءتها وتحقيقها وإجراء شروح عليها، ككتب سعيد عقل، الأخطل الصغير، صلاح لبكي، فؤاد سليمان، الياس أبو شبكة. بالإضافة إلى «طوق الحمامة» لإبن حزم الأندلسي و«مصارع العشاق»، وكتب الصوفيين كإبن عربي. أما عن كتّاب العصر الحديث، فلا يمكن الحديث عن الثقافة العربية من دون التنويه بكتب الأفغاني، الكواكبي، محمد عبده، وشكيب إرسلان، الذين استيقظوا مبكراً وتنبهوا إلى مسألة التنوير، وطرحوا في كل ثورة مسألة الحرية والعقل، وقدّموا قراءة جديدة للإسلام، ومعظم هذه الكتب غير متوفرة اليوم. ويؤكد بزيع والأديبة ماري القصيفي على أهمية إعادة طبع مجلة «شعر»، العائدة إلى الستينيات، والتي ساهمت في التعريف بالقصيدة الشعرية الحديثة من خلال نشر مؤلفات يوسف الخال وأدونيس وأنسي الحاج، وسائر الكتب التي أشرفت المجلّة على نشرها، منشورات دار المكشوف، كما برز في تلك الحقبة توفيق يوسف عواد وأمين نخله ومارون عبود وعمر فاخوري، الذين أدّوا مساهمة جلّى للأدب العربي. أما الخطوة الأساسية التي يجب العمل عليها، برأيه، هي تفعيل دور لجنة القراء في كل دار لانتقاء الكتب المهمة والسعي إلى إعادة طبعها.

كلمات، كلمات
أما عن مؤلفات الشاعر أنسي الحاج إضافة إلى الشعر والتي تستحق كذلك إعادة الطبع: كتاب مقالات في ثلاثة أجزاء هو «كلمات كلمات كلمات» 1978، الذي أرّخ لتلك الحقبة في مختلف مجالاتها، كالسياسة والفكر والأدب والفن. وكتاب في التأمل الفلسفي والوجداني هو «خواتم» في جزءين 1991 و1997.
انبثق إلى النور منذ بضع سنوات وسط هذا الخواء مشروع «الكتاب للجميع»، مجاناً مع جريدة «السفير»، الذي أطلقته دار المدى للثقافة والفنون مطلع عام 2002 بالتعاون مع ثلاث مؤسسات صحافية عربية، قبل أن تنضم إليه مؤسسات أخرى، ليشكّل استثناءً يكرّس واقع أن (الاستثناء) هو القاعدة العامة للثقافة العربية في وجهها الإيجابي. ويهدف المشروع إلى إعادة نشر أُمهات الكتب التي أسست حركة النهضة والتنوير في العالم العربي في القرن العشرين ولا تزال تكتسب الأهمية ذاتها في التأثير في وجدان القارئ العربي اليوم، بالإضافة إلى نشر عناوين حديثة. وقد سبق هذه التجربة مشروع «كتاب في جريدة» وشاركت فيه الكثير من الصحف العربية ومنها جريدتا «النهار» و«السفير» اللبنانيتان.
أما على صعيد الفن، فقد تأسف العديد ممن سألناهم لعدم وجود جواهر الكتب الفنية القديمة، فيشير الفنان التشكيلي حسن جوني إلى أن «المكتبات اليوم تخلو من الكتب الفنية ذات القيمة الجمالية والإبداعية التي يمكن أن يرتكز عليها الفن اليوم، كالتي تتعلق بفلسفة الفن وعلم الجمال، كي يستطيع المتلقي إيجاد حاجاته الجمالية، ككتب الموسيقى والرسم أيضاً. وهناك كتاب تجب إعادة طباعته ليصبح كالخبز بين أيدي الناس ويوزع مجاناً على الجميع يدعى «تاريخ الحضارة» عن دار المعرفة الكويت، للباحث والمؤرخ الدكتور حسين مؤنس، والذي يحمل كنوزاً من المعرفة بدءاً من تربية الإنسان كمخلوق مبدع، وعن تنويعات السلوك البشري. وهذه مسؤولية وزارة الثقافة كي تموّل مشروع إعادة طبع هذه الكتب. بالإضافة إلى ضرورة طبع كتب التاريخ كافة للمؤرخ فيليب حتّي، خصوصاً ما يتعلق بتاريخ لبنان والعالم العربي، ويعتبر حتّي مرجعاً مهماً، تخطّى عروبته إلى العالمية». وكذلك شدد على إعادة طبع ديوان المتنبي، حيث تختلج العاطفة والزمان والمكان وتتغلغل في النفس البشرية.
بينما يعتبر الناقد السينمائي إبراهيم العريس أنه تجب إعادة طبع كتب كل من تولستوي وديستوفسكي - ترجمة سامي الدروبي، وروايات المصري فتحي غانم.

التراث
وبلهفة المثقّف العربي على كنوز تراثه، تقدّم الشاعرة والأديبة صباح زوين بعضاً من الكتب التي تحتضنها مكتبتها، والتي أبدت فخراً كبيراً أنها تمتلكها مثل: «كتاب الأغاني» للأصفهاني، و«الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة» لإبن بسام و«الإمتاع والمؤانسة» لأبي حيان التوحيدي، و«عيون الأخبار» لإبن قطيبة، و«الجنس عند العرب» للشيخ النفزاوي، و«كتاب الحيوان» للجاحظ.. إذ «كانت عناوين الكتب قديماً جذابة وموسيقية كأنها نظمت على القافية، وكانت لغتهم منسوجة بطريقة ترنيميّة، إضافة إلى المعلومة العلمية التي كانوا يقدّمونها بطريقة عميقة وممتعة». وأبدت أسفها على الجيل الجديد الذي لا يعرف، بمعظمه، ما خطّه أدباؤنا القدامى، خصوصاً جيل الحرب الأهلية، إذ «تراجع القطاع التعليمي حينها، فانتشرت الفوضى وأنقصت من جدّية الثقافة، لأن كل شيء بات رخيصاً حينها أمام الحرب والدماء». وأشادت بالغنى الوفير الذي كانت تختزنه كتب التراث لرواد الأدب، الذين تناولوا في كتبهم مختلف المجالات، كالأدب والفلسفة والشعر وعلم الاجتماع والترجمة والفنون والرياضيات والطب التي لم تعد متوفرة اليوم، لأننا دخلنا إلى عصر التخصص، فالشعراء لا يكتبون سوى الشعر، والفلاسفة والروائيون كذلك. و«للأسف دور النشر في الغرب تبحث دائماً عن الكتب القديمة كي تعيد طبعها، وعن الكتّاب المبدعين كي تنشر كتبهم، على عكس ما يجري في دور النشر العربية».
وفي هذا الإطار، تجدر الإشارة إلى أن دور النشر في أميركا تعيد، اليوم، طبع كتب الأديب اللبناني أمين الريحاني، الأمر الذي يجعلنا نشعر بالخجل لما وصلت إليه مؤسساتنا الثقافية ودور النشر العربية تحديداً.
أما دور النشر في لبنان فيصل عددها إلى 700 دار حازت على ترخيص وزارة الإعلام.. أي أن لبنان يمتاز، عن غيره من الدول العربية، بوجود أكبر عدد من دور النشر. لكن الدور التي تعمل فعلياً، والظاهرة بشكل أكبر على ساحة النشر في لبنان لا تزيد على 20 داراً. بعض الدور أغلق، والبعض الآخر غير فاعل كما يجب. وهذا ما يلقي مسؤولية أكبر على الدور الفاعلة، كي لا تصبح المشكلة مرتبطة بشكل أكبر مما هي عليه اليوم بالهوية الثقافية التي تلاقي تهديدات من أطراف متعددة كالعولمة، والتي تطارد الهوية وتلاحقها وتحاصرها وتُجْهز عليها ثم تتغذّى بها. وفي دائرة هذه المطاردة تعاند الهوية أسباب الذوبان والفناء وتحتدّ في طلب الأمن والأمان، وتتشبث بالوجود والديمومة والاستمرار.
والكلام على النتاج الإبداعي القديم لا يُنقص بالطبع من قيمة المبدعين الذي فرضوا أنفسهم بما أنتجوا من كتب مؤثرة، منذ ستينيات القرن الماضي حتى اليوم.
وتطرح الأديبة والروائية ماري القصيفي قضيّة تراجع نسبة القرّاء المهتمّين بكتب هذا التراث فتعتبر أنه «لا يكفي أن يعاد طبع أيّ كتاب إن لم يوجد من يشتريه، لذلك فالسؤال المطروح هو كيف نعمل على جعل الكتاب مغرياً ليشتريه قارئ لم يعد على صلة بعصر بعُد عنه في الزمن؟ فهل ما كتب لعصر النهضة مثلاً يلائم هذه المرحلة المشدودة اليوم بين قطبين: وسائل الاتصالات السريعة والثورات العربيّة؟ لذلك تبدو الكتب التي تطرح مسائل فكريّة وتؤسّس لمرحلة شعرية ونثريّة هي المطلوب التذكير بها، علما أنّ لبنان ومصر كانا البلدين اللذين يمكن الحديث فيهما عن إنتاج مهمّ في تلك المرحلة التي يصعب تحديد بداياتها ونهايتها».
وتضيف «أنا مقتنعة بأنّ القارئ العربيّ لا تعنيه كثيراً كتب تلك المرحلة إن لم يكن من أهل الاختصاص أي من دارسي الأدب والنقّاد، عدا هؤلاء لا أظنّ أنّ هواة المطالعة يعنيهم أمر كتب أثارت جدلاً أو أنشأت تيّاراً كتلك التي دعت إلى تحرير القصيدة أو تحرير الوطن. والدليل أنّ معرض الكتاب الأخير أتاح فرصة الحصول على كتب في طبعتها الأولى من بدايات القرن الماضي وكان سعر الواحد منها ألف ليرة لبنانيّة فقط لا غير ولم تجد تلك الكتب من يشتريها، فعاد أكثرها إلى المستودعات في انتظار معرض آخر. ومع ذلك تخطر لي أسماء كتب من مراحل زمنيّة مختلفة تستحقّ إعادة طبعها إن كانت قد نفدت، أو التذكير بها في الصفحات الثقافيّة والمجلاّت. فتتفق والشاعر محمد علي شمس الدين على كتاب «في الشعر الجاهليّ» لطه حسين الصادر عام 1926، لاعتبارها أنه «يطرح تساؤلات حول تاريخ المرحلة السابقة للإسلام من خلال الشعر»، بينما يلفت شمس الدين إلى أنه «كان أول من استخدم منهج الشك الديكارتي بهدف الوصول إلى اليقين». وتابعت «كتاب «أين الخطأ» للعلاّمة عبد الله العلايلي (1978) الذي يطرح قضيّة الجمود الذي أصاب المسلمين في فهمهم دينهم. ولكنّ إعادة الاعتبار للذاكرة والتاريخ تتطلّب أكثر من مجرّد أسماء لبعض الكتب، فالمطلوب نفض الغبار عن إصدارات تحمل نبض الحياة في تلك المرحلة كمنشورات الأديار المسيحيّة التي صدرت مع بداية الطباعة في لبنان في كونها تعرّف على مسيرة اللغة العربيّة، وترجمات الأدب العالميّ في كونها تشي بالتأثيرات التي تركتها على شعراء مرحلة ما بين الحربين العالميّتين وروائيّيها، ومذكّرات صحافيّين وسياسيّين واكبوا عن كثب النكبة الفلسطينيّة والحركات الاستقلاليّة في الدول العربيّة، والحكايات الشعبيّة التي كان الناس يتناقلونها وتؤرّخ للمدن والبلدات والقرى. ولكن ما أرغب فعلاً في أن ينشر هو أرشيف الصحف في مصر ولبنان تحديدًا، فالصحافة كانت ملتقى الكتّاب والشعراء والروائيّين، ومن مكاتبها التي كانت متواضعة وبسيطة برزت أسماء كبيرة لا تزال آثار إبداعاتها تتفاعل إلى اليوم».
وأخيراً، تطرح القصيفي سؤالاً يبقى في عهدة القرّاء الغيورين على تراث الأدب العربي، ودور النشر العربية المسؤولة عن إعادة الطبع، ووزارة الثقافة لدعم هذا المشروع: «هل هناك نسبة قرّاء تغري أيّ ناشر بإعادة إصدار هذه الكتب؟
».


ليست هناك تعليقات: