الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الاثنين، 23 يناير 2012

الرواية اللبنانيّة في موسم هجرتها إلى الشمال



وادي قاديشا

ليالي الشمال ليست حزينة هذه الأيّام، فالرواية اللبنانيّة بعدما كادت بمجملها تغرق في رمال الجنوب المتحرّكة، التفتت إلى شمال البلاد، لتضعنا، خلال موسم أدبيّ واحد، أمام ثلاث روايات تتّخذ من جغرافية تلك المنطقة مسرحًا لأحداثها: "سينالكول" للياس خوري اختارت طرابلس، و"قاديشا" لأكسندر نجّار اختارت الوادي المقدّس كما يدلّ العنوان (صدرت بالفرنسيّة)، و"ملكوت هذه الأرض" لهدى بركات التي يصول شخوصها ويجولون بين زغرتا وإهدن (لنا وقفة مطوّلة معها في مقالة لاحقة). فما هي أسباب هذه الالتفاتة الشماليّة؟ وما هي خطوطها العريضة؟ وبمَ تختلف عن رواياتِ اثنين من أبناء تلك المنطقة طبعت أعمالهما المرحلة المعاصرة للرواية اللبنانيّة، وهما جبّور الدويهي ورشيد الضعيف اللذان ورد اسماهما في اللائحة الطويلة لجائزة الرواية العربيّة لعام 2011، وتدور أكثر أعمالهما في رحاب تلك المنطقة أو استنادًا إلى تاريخها الشفويّ؟
ألكسندر نجّار

لا يمكن، في هذا العجالة، الاستفاضة في الإجابة على هذه التساؤلات، غير أنّه في الإمكان التوقّف سريعًا عند بعض الأفكار:
-         الواقع المسيحيّ المشرذم: لا يخفى أنّ الشعوب في مرحلة الخوف على مصيرها وكيانها تعود إلى التاريخ لتنبش سِير الأبطال وتستعيد صفحات مجيدة قد تحمل الأمل للأجيال الشابّة. ولعلّ الروائيّين المسيحيّين المشار إليهم، أكانت جذورهم من تلك المنطقة الشماليّة أم جعلوها مسرحًا لشخوصهم الروائيّة، أرادوا، عن وعي وتصميم، أو عن غير قصد، أن يؤكّدوا على الوجود المسيحيّ الفاعل في لبنان، والمنتشر عربيًّا وعالميًّا، كأنّي بهم يسعون إلى استدراك الوقت قبل أن يفوت أوان تأريخ المساهمة الحضاريّة المسيحيّة في هذا البلد. ولا تفوتني الإشارة إلى أنّ دراسة مقارنة لأعمال هؤلاء الروائيّين ستبيّن اختلافات لافتة في نظرة كلّ منهم إلى التاريخ وما نتج عنه، لكن هذا الاختلاف نفسه هو ما يغني التجربة الروائيّة ويضعنا كقرّاء أمام عيّنات تستحقّ القراءة والتحليل وأخذ العبر. من دون أن ننسى أنّ جبّور الدويهي ورشيد الضعيف من بلدة إهدن، وهدى بركات من بلدة بشرّي التي منها بطل رواية ألكسندر نجّار "سامي رحمة"، في حين لم يلتفت بطل "سينالكول" إلى شرق طرابلس. فهل لأنّ الياس خوري أرثوذكسيّ يعتبر أن لا جذور خاصّة به في أعالي الشمال المارونيّ، حصر مساحته الجغرافيّة (روائيًّا) بين الجنوب الذي كان يساريًّا وصار شيعيًّا والأشرفيّة ذات الأكثريّة الأرثوذكسيّة ثمّ طرابلس ذات الأغلبيّة الإسلاميّة السنيّة والأقليّة المسيحيّة "المستقيمة الرأي"؟
هدى بركات

-         الواقع الجنوبيّ المجمّد: خلال الأعوام الماضية، كان الجنوب مسرحًا للعمليّات الحربيّة والعسكريّة، ومادة خصبة للرواية. ومع انحسار التأثير اليساريّ أمام التمدّد الدينيّ الأصوليّ، وغياب العامل الفلسطينيّ المؤثّر، وجد الروائيّون أنفسهم في مأزق حقيقيّ، فلا هم قادرون - في المرحلة الحاليّة على الأقلّ - على اتّخاذ موقف واضح وصريح ممّا يجري، ولا هم يملكون مشروعًا بديلاً يمكنه أن يؤسّس لتيّار روائيّ رؤيويّ جديد. فكان الالتفات إلى السير الذاتيّة أو الغوص في الذكريات، وفي أحسن الحالات الصمت. هذه الحيرة أمام المشهد الجنوبيّ المحكوم اليوم بالواقع السوريّ، وفي ظلّ حرب لبنانيّة باردة بين مختلف التيّارات والمذاهب، وبعدما انتهت الحرب الأهليّة الدامية إلى هذا السلم الهشّ، هذه الحيرة، أقول، أعاقت بعض الروائيّين عن "التخيّل" الذي لا تقوم قائمة الرواية من دونه، كأنّ الواقع المأزوم لا يسمح إلّا بالتذكّر: تذكّر الحرب ومآسيها أو تذكّر ما قبلها والحنين إليه، ما يعرقل إحداث صدمة روائيّة تقوم على اختراع عوالم تستلهم الماضي من دون أن تبقي عليه كما هو، وترى الحاضر من دون أن ترضخ لشروطه، وتستشرف المستقبل ولا تخشى التحذير منه.

-         المتغيّرات العربيّة: في انتظار أن تتوضّح صورة الوضع العربيّ، مع ما ينتج عنها على مختلف الصعد، كان من الطبيعيّ أن تنأى الرواية اللبنانيّة بنفسها عن المستجدّات كي لا تفضح عجزها عن مواكبتها، خصوصًا أنّ الرواية إنتاج أدبيّ يتطلّب مسافة زمنيّة فاصلة عن الحدث ولا يقبل بالانفعال الآنيّ الذي يواكب اللغة الإعلاميّة وبعض القصائد التي على الأرجح لن تعيش طويلاً. لذلك التفت الروائيّون إلى ماضيهم الخاصّ أو العامّ، باحثين فيه عن عناصر تساعدهم على قراءة المستقبل ومعرفة ما يمكن أن ينتج عن التحرّكات الشعبيّة التي لم يستطيعوا هم أنفسهم أن يحدسوا بها. من هذه الزاوية التي يبدو فيها المسيحيّون خائفين على وجودهم في العالم العربيّ كلّه، عاجزين عن تحديد موقف واحد منها، ننظر إلى "روايات الشمال" في كونها محاولة متأخّرة، وإنْ مهمّة، للتمسّك بالهويّة والأرض، فها هو "سامي رحمة" بطل رواية "قاديشا" يؤكّد لصديقته الفرنسيّة "فلورنس" حين سألته إن كان يشعر بأنّه عربيّ، قائلاً - ولو بالفرنسيّة -: إنّ المسيحيّين العرب سابقون للإسلام. ولكن، من يقنع المسيحيّين "المتغرّبين" بذلك، ومن يقنع المسلمين الأصوليّين؟ أحبّ أن أفكّر في أنّ الروائيّين والشعراء والمثقّفين قادرون إن تعالوا على نرجسيّة طبيعيّة في المبدعين، ومحبّبة لو لم يكن الظرف حرجًا. غير أنّ الخشية مشروعة في أن تبقى هذه الكتابات نوعًا من الوقوف على أطلال ماضٍ فيه كثير من الإنجازات والأمجاد، لكنْ الكثير الكثير من الإخفاقات، ما جعل دور مسيحيّ الشرق عمومًا والموارنة خصوصًا ينحسر إلى مجرّد تطويل أمد البقاء وينحصر في الرهان على صراعات الآخرين، ويتحمّل المفكّرون والمثقّفون والمبدعون مسؤوليّة كبيرة في ذلك إذ اكتفوا بدور المراقبة والتسجيل والتأريخ. في رواية هدى بركات يقول أحد الرهبان: "هكذا دائمًا، يتحالفون علينا، تتغيّر السياسات وتتحالف علينا الأمم ونسقط ضحايا ولا نتعلّم...إنّ رؤوسنا انتفخت وتكبّرنا وتجبّرنا فوقع علينا قصاص الربّ".

ليست هناك تعليقات: