الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

السبت، 23 يناير، 2010

عزّ بعد فاقة


إليكم هذه الأخبار:
الخبر الأوّل:
قام أحدهم، وهو مدرّس عتيق ويفترض أن يكون على مستوى معيّن من العلم والثقافة، بتغيير أثاث منزله بعدما تحسّنت ظروفه الماليّة. ولكي نهنئه على هذا التجديد ومن ضمن الزيارات العائليّة الواجبة، وخصوصًا أنّه كان قد أجرى عمليّة جراحيّة، اشترينا هدية ملائمة وذهبنا لزيارته.
لم يكن شراء الهديّة بالسهولة التي تبدو حين نذكر ذلك. فلقد أمضيت وشقيقتي ساعات النهار بالبحث عن إناء أخضر اللون يناسب لون الأثاث الجديد في غرفة الجلوس. وبعد بحث طويل، وجدنا ضالتنا في قطعة أثريّة من الزجاج المنفوخ محاطة بالحديد المشغول بطريقة فنيّة راقية تنمّ عن الذوق. ولشدّة إعجابنا بهذه القطعة النادرة لم نتردّد في دفع ثمنها الباهظ على اعتبار أنّ الرجل سيعرف قيمتها ويعجب بها.
غير أنّ حسابات الحقل لم تتناسب مع حسابات البيدر. فعندما فتح قريبنا الغلاف عن الهدية ردّد كلمات شكر تقليديّة لا تعبّر عن دهشة وتقدير، ثم وضع الهديّة جانبًا ودعانا وهو في حالة من الإعجاب والدهشة لرؤية هدية أخرى وصلته للمناسبة نفسها من صديق شديد الكرم كما وصفه. وقمنا جميعنا إلى صالة الاستقبال الرسميّة لرؤية الهدية التي وصفها الرجل بالكبيرة والضخمة، وقدّر ثمنها بمبلغ اكتشفنا أنّه أقلّ ممّا دفعناه، فإذا بها نبتة وضعت في زاوية المكان.

الخبر الثاني:
زارنا طبيب صديق وصل منذ فترة إلى مستوى من الثراء هنأناه عليه. وحين كان يشرب العصير الذي قدّمناه إليه، أوقع بعض القطرات على السجادة المفروشة في غرفة الاستقبال. فأخذ محرمة ورقيّة وانحنى ليجفّف ما أوقعه. فقالت له شقيقتي محاولة أن تخفّف عنه ما قد يكون فيه إحراج له: لا بأس، لا بأس. فأجابها قائلاً: معك حقّ، فثمن المحرمة الورقيّة أعلى من ثمن السجّادة.
تبادلنا النظرات كأنّنا نتفق على السكوت وعدم الردّ احترامًا لصديق يزورنا حين تدعو الحاجة ونستشيره في شؤوننا الصحيّة وغالبًا من دون مقابل. فبلعنا الإهانة واعتبرنا أنّه كان يمازحنا.
ثم انتقلنا إلى موضوع آخر محاولين عدم الحديث عن الصحّة والمرض معتبرين أنّ الرجل متعب من الحديث عن هذا الموضوع. فأخبره أخي عن كتاب ضخم يساهم في إعداده عن انتفاضة استقلال 2005. كنت خلال ذلك أراقب الطبيب المفترض أنّه صديق فلاحظت على وجهه علامات الضجر والتأفّف والرغبة في تغيير الحديث الذي لم يعنه لا من قريب ولا من بعيد.
حاولت أن أخبر الطبيب عن كتاب سيصدر لي قريبًا، فسأل بسخرية: أهو شعر أيضًا؟
فتدخّلت شقيقتي وقالت له: أنا أشارك في وضع كتاب عن الانتخابات النيابيّة في لبنان.
غير أن المحاولة الثالثة باءت كذلك بالفشل، ولم تثر الأخبار الثلاثة أي اهتمام فلم يطرح الطبيب سؤالاً واحدًا ولم يهنّئ على هذه الإنجازات الفكريّة، بل تابع حديثه عن ثقل دم المرضى ومشاكل المستشفيات.

الخبر الثالث:
لم يبرع في الدراسة، فعمل في كاراج لتصليح السيّارات. كان وضع أهله الاقتصاديّ دون المستوى المطلوب وكان عدد أفراد الأسرة كبيرًا ما جعل الوالدة تقبل بالهبات التي تعطى لها من الأهل والجيران معترفة بعجزها عن شراء كلّ ما يحتاج إليه الأولاد.
ولذلك كان هذا المراهق ينتعل في عمله أحذية عتيقة لأولاد عمّه وأولاد الجيران كي يوفّر حذاءه الجديد ليوم العطلة، ويرتدي ملابس تخلّى له عنها أصحابها لكي تبقى ثيابه الخاصّة الوحيدة نظيفة وجديدة.
عندما كبر وهاجر، صار كلّ همّه أن يشتري أحذية من ماركات عالمية وملابس بأسعار باهظة. ولو صفّت الأحذية التي اشتراها إلى جانب بعضها البعض لوصلت من بلاد المهجر إلى أمام باب البيت الذي تركه غير آسف. ولو جمع المال الذي أنفقه على شرائها في تجارة رابحة لأصبح من أثرياء العالم، ولو جمع الملابس الثمينة التي أصرّ على ارتدائها حتّى إلى الكاراج – فهو بقي يعمل في المجال نفسه – لمنعت البرد عن فقراء كثيرين.
غير أنّ الشاب كان يعالج ذكريات طفولته بالطريقة الوحيدة التي يعرفها: أن يشتري أحذية تنسيه أحذية أقربائه، وأن يشتري ملابس تنسي جسمه ملمس ملابس الآخرين ورائحتها.

الخبر الرابع:
أقامت العائلة المؤلّفة من ثمانية أفراد في بيت مؤلّف من غرفة واحدة ومطبخ وغرفة حمّام. غير أنّ الأولاد كانوا بارعين في الدراسة، فنجحوا فيها وتفوّقوا وحقّقوا أحلامهم في العمل والزواج والإنجاب والسفر.
وكان من الطبيعيّ أن يتفرّق شملهم وأن يتركوا الغرفة إلى بيوت اشتروها كبيرة وواسعة وفخمة.
من الغرفة الصغيرة إلى بيوت فيها غرف كثيرة لشتّى أنواع الاستعمالات.
من الغرفة الواحدة التي استعملت للنوم والاستقبال والدرس، إلى غرف عديدة لا يعرفون ماذا يفعلون بها.
ولكنّهم حين كانوا يلتقون بأحد جيرانهم القدامى كانوا يقولون: سقى الله تلك الأيّام!
ومع ذلك بقي الناس يتخذونهم مثلاً يعطونه في احتمال الصعوبات والصبر على الفقر والاجتهاد في العمل والدرس والطموح والإرادة.

هناك تعليقان (2):

حصان المرجيحة يقول...

اللي عاجبني اوي قصص النجاح لان زي ما في فشل لازم يبقيفي نجاح زي قصة تصليح السيارات و غيرها
شكرا علي الموضوع
و تقبلي مروري

ماري القصيفي يقول...

أشكرك يا مرجيحة على مرورك ورأيك