الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الأحد، 10 يناير 2010

في المسلخ البشريّ


أعتذر ولكنّي عاجزة الآن عن النسيان والغفران.
أن أنسى وأغفر وأصفح وأسامح وأتعالى فوق الإساءة، أفعال لا أعرف إن كنت قادرة على تصريفها.
أن أتخطّى ذكريات الماضي وأن أعبر فوق حفر الأيام وأن أقبل الأحداث التي حدثت، أفعال لا أدري إن كنت أستطيع أن أكون ضميرها المستتر أو المتّصل أو الظاهر.
أن أمشي إلى جانب الأشياء وأدّعي أنني لم أرها، أن أسمع الكلمات وأقول أنّها لم تقل، أن أرى ما يجري وأقنع نفسي بأن شيئاً لم يحصل، أفعال لا أملك القدرة على أن أكون فاعلتها.
أعتذر ولكنّي عاجزة الآن عن الصفح والمسامحة.
الأعوام التي مرّت لا تزال تثقل ذاكرتي بحوادثها، والناس الذين عرفتهم لا يزالون موجودين بعنف في دفتر يوميّاتي الذي انتهك مراراً. أعرف أنّ الصفح ممتع وكم أرغب في اختبار متعته، ولكنّي اليوم أجد متعتي في الغضب المدمّر المؤذي. وأعرف أنّ التعالي فوق الجراح مريح للروح ولكنّي اليوم أرغب في التمرّغ في دم الجراح النتنة. وأعرف أنّ استقبال الآخرين العائدين من غياب العمر والذاكرة، بفرح الإبن الأكبر الذي نسي ما فعله أخوه الشاطر، عمل فيه من البطولة والقداسة الشيء الكثير، ولكنّي اليوم أرى نفسي تاركة البيت الأبويّ للإبن الضال العائد إلى أحضان الأب المستعدّ مرة ثانية وثالثة ليسمح لغنج الإبن الأصغر بأن يلقي بدلاله على أجواء المنزل...
كيف يستطيع الإنسان أن يقبل الغدر والكذب من الذين يحبّهم، والغباء والادّعاء من الذين يعمل معهم، والأنانيّة والأثرة من الذين يعيش معهم؟ هذا القبول هو القداسة التي يجب أن ترفع فوق المذابح وتكرّم في أماكن العبادة، لا أعاجيب الشفاء ولا بقاء الجسد متماسكاً واضح المعالم ولا التضحية بالمال والنفس في سبيل المعتقد والآخرين. أن نقبل هؤلاء الذين نلتقي بهم يومياً منذ أن نفتح أعيننا على وجوه أهل البيت الذين لم نسأل عن رغبتنا في أن نكون منهم ولهم، إلى آخر ساهر مزعج يجلس إلى المائدة المجاورة في المطعم الأنيق، هذا هو الفعل الذي أجد صعوبة في القيام به، والقبول الذي أعنيه هو الرضا الحقيقي والعميق، لا المسايرة المهذّبة، ولا التنازل الجبان، ولا اللياقة الاجتماعيّة الوظيفيّة، ولا الحفاظ على تماسك إنسانيّ هشّ.
أعتذر ولكنّي أجد هذا القبول صعباً وخانقاً، وبالكاد أستطيع أن أحتمل التفكير فيه فكيف أعمل إذاً على تنفيذه؟ كيف أسامح وأنا لا أستطيع أن أصدّق أن هؤلاء لا يعرفون فعلا ماذا يفعلون؟
اليوم أنا عاجزة عن هذا الفعل ولكنّي أعرف أنّي لن أرتاح قبل أن أجد الوسيلة التي تقودني إليه، وأرجو ألا يكون الوقت هو العامل المنقذ لإنّ ذلك يعني الرهان على النسيان وأنا لا أريد أن أنسى.

ليست هناك تعليقات: