الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الاثنين، 8 يناير 2018

الفصل السادس من روايتي "كلّ الحقّ ع فرنسا"


قليلاً ما يحضر يوسف في أحاديث بناته عنه، فهو عدا عن مساهمته في إنجاب الأولاد وقراءة الكتب يبدو أنّه لم يفعل أيّ شيء في مصير عائلته يستحقّ الكلام عليه، فضلاً عن أنّه مات شابًا.
كانت الفتيات، وهنّ صغيرات، متعلّقات بوالدهنّ، وكنّ ينتظرن عودته من الكروم وهنّ عالمات بأنّ جيوبه لن تكون خاوية من مفاجآت وهدايا يلتقطها في طريق العودة، وهي كناية عن أحجار يعطيها أشكالاً وأسماء يقنع بناته بأنّ لها قصصًا وتواريخ وأمكنة كانت تعيش فيها قبل أن تصل إليهنّ. وكانت الفتيات يصدّقن قصص الحجارة ذات الحكايات والأسماء ويجمعن منها كنوزًا بقيت غالية على قلوبهنّ حتى بعدما كبرن وتزوّجن، ولم يغفرن لأمّهن أنّها رمتها في النهر الجاري قرب البيت بعد ذهاب آخر المعزّين.
لا يذكر جيران تلك العائلة أنّهم سمعوا صوت يوسف. كان الرجل هادئًا على نحو غريب، مسالمًا، صغيرًا، نحيلاً، مبتسمًا، يكتفي من الحياة بما تقدّمه له ولا يطمح إلى المزيد أو يطمع بالكثير. كان باختصار راضيًا، يكفيه أن يكون على مائدة العشاء زرّ خيار وراس بندورة وبضع حبّات زيتون، إلى جانب كأس العرق طبعًا. وبعد ذلك ينتهي يوم آخر في حياة يوسف الذي كان يخلد إلى النوم مباشرة بعد العشاء الخفيف وقراءة صفحات من كتب يحصل عليها من هنا وهناك، ليقوم في اليوم التالي إلى العمل في حركة رتيبة من الذهاب والإياب، لكنّها تسمح له بالبقاء على مسافة معيّنة من زوجته وأهل بيته، مسافة لا تزيد ولا تنقص، ترضي الجميع ولا تزعج أحدًا. هذا على الأقلّ ما أقنع يوسف به نفسه وما ارتضته الفتيات على مضض مع أنّهنّ كنّ يتمنّين لو يكون له دور أكبر في شؤون حياتهنّ ليتخلّصن من سطوة نجلا وحماقات حبيب.
يوم وقع يوسف ميتًا قبل يومين من عيد الميلاد، كان الطقس مثلجًا بشكل لم يعهده أهل السهل، أو هكذا يحلو لرواة الحكايات أن يصفوا الأمر حين يدور الحديث عن الموت. كأنّهم في ذلك يوحون لمستمعيهم بأنّ الموت لا يصل في أجواء عاديّة طبيعيّة، بل يمهّد لحلوله بطقس لم يعرف الناس مثله، أو في مناسبة عيد لا تتلاءم مع الحزن، أو لأشخاص ما كانوا يستحقّون الموت لكثرة ما هم عليه من طيبة ووفاء وحسن أخلاق. كان الرجل ممدّدًا على سريره ينتظر كي يأتي أهل خطيبة ابنه نجيب ليتناولوا الغداء عندهم. وردة وملفينا عند الحلاّق، لبنى تعدّ المائدة، سعدى وكاميليا يفرمن البقدونس، جولييت تلعب مع أولاد أخوتها. نجيب أمام المرآة الطويلة المعلّقة على الحائط في إطار كسر بعض قطعه الخشبيّة، حبيب في الغرفة إلى جانب الموقد يقرأ الجريدة. نادى والده لينقل إليه خبرًا فلم يجبه. ناداه من جديد فبقي الرجل صامتًا. قفز حبيب إلى جانب أبيه فوجده ميتًا. دبّ الصراخ، أرسلوا جولييت لتنادي وردة وملفينا، دخلت الفتاة الصغيرة المبلّلة بالمطر إلى الصالون الدافئ، نظرت إلى وردة وقالت لها:
"فكّي شعرك مات بيي".
في الدفن كانت نجلا تصف الحادثة وهي تطمئن الجميع إلى أنّه لم يتألّم وأنّ ميتته سهلة يصلّي كلّ مؤمن كي يكون له حظّ الحصول على ما يشبهها، وأنّه لم يزعج أحدًا بمرض أو طلب بل رحل كما عاش خفيفًا غير متطلّب، خائفًا عليها من تعب قلبها وهي تدقّ الكبّة، فقال لها:
"خلّي البنات يدقّوا الكبّة عنّك. أنت مريضة".
وأنّها أجابته:
"اليوم أنا هون يمكن بكرا مش هون".
ثمّ تضيف:
"من كان يعلم بأنّني سأعيش وهو يموت؟".
لم تبقَ الحياة كما كانت بعد وفاة بو حبيب، صحيح أنّه لم يكن يملك تأثيرًا فاعلاً في قرارات العائلة، لكن يبدو أنّ بعض حياء أو احترام، لا ندري ما نسمّيه، جعل نجلا وأولادها يمتنعون عن فعل أشياء كثيرة إكرامًا ليوسف، ومن الواضح أنّهم كانوا لسبب أو آخر لا يصلون معه إلى مواجهة واضحة أو يتخطّون حدودًا غير مرسومة. والتزموا قوانين غير مكتوبة أبقت جميع من في البيت تحت نظر يوسف وإدارة نجلا وتدبير حبيب ومساعدة وردة، إلى أن مات يوسف فجأة وانقطع الخيط الوهميّ الذي كان يربط أفراد العائلة إلى بعضهم، في منزل واحد فقير على ضفّة النهر في سهل لم تكن الحياة سهلة فيه والعائلات الإقطاعيّة تأكل تعب الناس.
بناته – ما عدا وردة التي لم تكن تأتي على ذكره ولكنّها حين كانت تُحتضر رغبت في الرحيل معه– حملن له مشاعر صادقة وحنون، أخذت تتحوّل مع الأيّام وتقدّم الفتيات في العمر إلى نوع من الشفقة، كأنّ الرجل أخذ يصغر في العمر في ذاكرة الفتيات وكلامهنّ، ليصير أقرب إلى أن يكون ابنًا لكلّ واحدة منهنّ لا الوالد الذي تفرض ذكراه الاحترام وتحرّك مشاعر الإعجاب والحبّ. وبدا لمن يسمع الحديث عنه حين تجتمع النساء لسبب عائليّ ما أنّه كان مريضًا عاجزًا أو مصابًا بقصور ذهنيّ، ويستحقّ كلّ حنان وعطف. ولكن لم تتمّ هذه الأحاديث ولو لمرّة واحدة أمام نجلا، فهي ستّ تعرف الأصول ولن تتهاون مع من تسوّل له نفسه الحديث عن أبي حبيب بغير الشكل اللائق. حتّى أنّها زجرت ابنها حبيب قلبها، ولو على مضض لأنّ الآخرين كانوا موجودين، حين حاول أن يطلق دعابة تتعلّق بوالده. ومن يومها، حرّم الجميع على أنفسهم الكلام على المرحوم في وجود أرملته التي لبست عليه اللون الأسود طوال حياتها ما أثار حيرة الجميع، وكلّهم يتساءلون كيف صارت نجلا وفيّة لذكرى الرجل الذي لم يشعر أحد بوجوده أمام سطوة وجودها.
جولييت تقول إنّ نساء عائلتها لم يحتجن إلى الرجال إلاّ للإنجاب. لذلك سهل عليهنّ الطلاق أو الهجر متى وجدن أنفسهنّ أمام محاولات ترويضهنّ وإخضاعهنّ. ولكنّ كلامها كالعادة لا يعبّر عن حقيقة الأمور.

(يوسف)
"أحببت ثلاثة في حياتي: الأولاد (أولادي وأولاد أولادي) والأرض (ولو لم تكن ملكي) والكتب (ولو كان بيتي لا يتّسع لرفّ واحد منها). ليس من الضروريّ أن يبقى ما أحبّه دائمًا على هذا الترتيب، فمرّات ينتقل الأولاد إلى المرتبة الأخيرة وتحتلّ الكتب المرتبة الأولى. يحصل ذلك غالبًا حين أجد نفسي في واد والأولاد في واد آخر، والأرض تكون في تلك المرحلة عنيدة بخيلة. فلا يبقى لي إلاّ الكتب التي أستعيرها من سليم بك والإستاذ سعيد، فالأوّل يملأ بها بيته للزينة ولا يسأل إن ضاع منها كتاب والثاني يحبّ أن يجد من يتكلّم معه عنها خصوصًا إذا كان هو سيأخذ دور المعلّم والآخر المستمع. وهناك طبعًا الكتب والمجلاّت التي يحضرها صهراي أحمد وإسبر.
ويضاف إليها كلّها كأس العرق الذي لا أشربه إلاّ إن كان من الكركة التي لا أسمح لأحد بالاقتراب منها وتنظيفها وإعدادها وتركيبها وفكفكتها وضبّها للموسم التالي. هذه رسالتي أنا في الحياة، ولا أطمع بأكثر منها. لذلك كانت ليلتا شيلة العرق المقطّر نقطةً نقطةً كحبّات دمع موعودة بأن تصير لؤلؤًا من أجمل ليالي السنة. ليلتان أخصّصهما لـ"نزلين" منه يؤمنّان مؤونتي طوال السنة. وعدا ذلك فلا شيء آخر يثير اهتمامي. فنجلا تهتمّ بالشؤون الأخرى ولا تريد أن أتدخّل في تدبيرها أمور البيت والأولاد، وحبيب مذ وضع في حضنها أوّل مبلغ حصل عليه من سامي خوري وقال لها: بركتك يا إمّي، صار رجل البيت والآمر الناهي فيه.
 كان عمره تسع سنوات. نعم ابن تسع سنوات صار رجل البيت لأنّه أعطى أمّه مالاً لا أستطيع الحصول على ما يوازيه طوال السنة. ابن تسع سنوات لا يشكّ به أحد، نقل بضاعة لسامي خوري فصار من تلاميذه المقرّبين بعدما أدهشه بذكائه وسرعة بديهته وشجاعته. في عمر العاشرة وشى به أحد الأولاد فقبض عليه ووضع في السجن، أنقذته نجلا بواسطة الكولونيل الفرنسيّ. لا أعتقد أنّ هذه كانت رتبته فعلاً. ولكن هكذا اعتدنا أن نناديه. من يعنيه أمر رتبته حين يكون إخراج الصبيّ من السجن سيتمّ على يده، ولن يكون ذلك بلا ثمن، حصّة من المال في العمليّات التالية ووردة. لم يسألني أحد عن رأيي في الأمر. ربّما كان ذلك أفضل. ماذا كنت أستطيع أن أفعل؟
سليم بك الذي طلبت منه أن يتوسّط لإخراج الصبيّ من الحبس قال لي:
(اتركه كي يتربّى).
فتركت الأمر على نجلا. ليس الأمر خوفًا منها ولكن غالبًا ما يرضخ الرجل كي لا يسمع صراخًا وشتائم وطلبات وتهمًا. يرضخ كي لا يَضرب، كي لا يَقتل، كي لا يفقد أعصابه ويخسر كلّ شيء دفعة واحدة. فيبتعد في أفكاره ومشاعره ويغرق: أنا اخترت الغرق في العرق والكتب".



ليست هناك تعليقات: