الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الخميس، 23 أبريل 2015

وزارة التهذيب والتعليم... لا التربية والتعليب



التربية في اللغة تعني التهذيب... فالمربّي هو المهذِّب!
والتثقيف في اللغة هو تقويم الرمح، واستعير المعنى لتهذيب النفس، أي تقويم اعوجاجها. 
لن ندخل أكثر من ذلك في معاني الكلمات المتعلّقة في مجال التربية والتعليم والتثقيف، كي لا نحيد عن جوهر الموضوع، وهي التمييز والربط (في وقت واحد) بين التعليم والتربية والثقافة.

1- لا يعرف أكثر القيّمين على شؤون التلامذة كيف يفصلون في المعنى والتطبيق بين التعليم والتربية. أو على الأقلّ لا يعرفون كيف يحوّلون النظريّات التي تعلّموها واقعًا معيوشًا، لا صراع فيه على صلاحيّات، يذهب المتعلّم ضحيّتها كيفما انتهت الأمور.
ومن نافل القول التأكيد على تداخل المفهومين، فالمعلّم مربٍّ والمربّي معلّم. ولكن عند التطبيق نجد من الضروريّ فصل المسارين لإعطاء كلّ ذي وظيفة حقّه. فالتربية تساهم في تحضير التربة حول المتعلّم الذي يمكن تشبيهه بشجرة يانعة. أي إنّ مدير المدرسة يهيّئ الفريق التربويّ في مدرسة ما كمزارع يختار التربة الصالحة لاحتضان هذه النبتة أو تلك، أي إعداد كلّ ما يسمح للمتعلّم بتلقّي العلم: نظام، نظافة، هدوء، إضاءة، مراقبة الشأن الصحّي، حسن سير المنهج، توزيع برنامج الامتحانات، تنسيق الأنشطة، مراقبة الملعب، العلاقة مع الأهل... فيأتي الفريق التعليميّ (منسّقون ومعلّمون) ويضع في هذه التربة، عند جذع النبتة وجذورها الغذاء الضروريّ والمناسب، ويعالج أمراض ضعفها، كي تستقيم حياتها، فيمدّها بالغذاء والمياه، لتنمو النبتة  بثبات وعافية، وتصير شجرة يجري نسغ الثقافة في جذعها وأغصانها وأوراقها وثمارها... بعدما حوّلت ما في التربة وما أعطيت من عناية إلى عصارة حياة.
فلا تضارب مصالح ولا نزاع على السلطة، ولا تدخّل أحد في شؤون أحد، بل تعاون وتكامل من أجل تأمين بيئة سليمة ينمو فيها المتعلّم/ الشجرة.
فإن كان المدير التربويّ/ الإداريّ يعمل بشكل أفقيّ على مستوى القسم الذي يدير شؤونه، ومنسّق المادّة يعمل بشكل عاموديّ من أصغر الصفوف إلى أعلاها... فليس كي تُصلبَ المدرسة على تقاطعهما...  

2- التربية تسبق التعليم. لذلك فاسم الوزارة المعنيّة عندنا مثلًا هو وزارة التربية والتعليم العالي. كأنّ المقصود القول أنّ ثمّة ما قبل التعليم الجامعيّ "العالي" مرحلة طويلة من الإعداد النفسيّ والجسديّ والعقليّ والروحيّ والاجتماعيّ... لجعل التلميذ حاضرًا للانتقال إلى مرحلة طلب العلم، فيصير طالبًا جامعيًّا. لذلك فإعداد شخصيّة التلميذ في مرحلة الدراسة ما قبل الجامعيّة أهمّ من كمّية المعلومات التي يملأ بها رأسه. وفي هذا العصر تحديدًا صارت التربية أكثر أهميّة مع انتشار المعلومات عبر الإنترنت ووسائل التواصل والإعلام والإعلان... فمن السهل أن يجد التلميذ معلومة لكن من يعلّمه أو يربّيه على استخدامها في سبيل خيره وخير البشريّة جمعاء.

3- ليت في الإمكان التخلّي عن مصطلح التربية لصالح مصطلح التهذيب... تهذيب النفس والعقل وتعويدهما على الجمال والحقّ والخير والمحبّة وطلب المعرفة. أو ليت في الإمكان إلغاء تعبير "تربية الحيوانات"... لنفصل في اللغة العربيّة أوّلًا وتحديدًا بين تهذيب الإنسان والاهتمام بالحيوانات... وإلّا اختلطت الأمور وكُرِّم الحيوان وأهين الإنسان...

4- التهذيب يعني في ما يعنيه الاحتفاظ بالشخصيّة الأساس (للمتعلّم)، ثمّ العمل على تشذيب (كما نفعل مع الأشجار) الزوائد والشوائب التي تعيق النمو... فما من مزارع يشذّب شجرة أو نبتة فيقضي عليها... إلّا كان جاهلًا ... ولا مكان للجهل مع العلم...

5- الضبابيّة التي تحيط بهذه المسألة تضع العمل في الشأن التربويّ والتعليميّ في متاهة كبيرة، تلهي العاملين عن الاهتمام بالتلميذ لأنّ الجميع مشغول بالبحث عن مَخرج. ولا ينفع الاستشهاد بالنظريّات عند التطبيق إن لم تكن الأرضيّة مهيّأة لتلقّي هذا الكمّ من المعلومات التربويّة والتجارب التعليميّة. فلو استغلّ المدير التربويّ وقته في إعداد الأرض حول الأشجار تاركًا للمهندس الزراعيّ أي المسؤول عن الموادّ التعليميّة أن يمدّها بعصارة خبرته... ولو وضع المسؤول عن المادّة معلوماته في خدمة العمل الفريقيّ، لكانت ثنائيّة العمل أنتجت مواسم خيّرة واعدة، تتدفّق فيها عصارة العلوم والآداب والفنون والرياضة دمًا جديدًا اسمه الثقافة.

6- نأتي هنا إلى ما يسمى بالأسبوع الثقافيّ الذي باتت المدارس تتنافس في الإعداد له والتباهي به ونشر أخباره في الصحف. الأسبوع الثقافيّ ليس أمرًا منزلًا، أو طارئًا، أو غريبًا، يُقحم إقحامًا في الجسم المدرسيّ. بل هو نتيجة مسيرة تبدأ الخطوة الأولى منها في أوّل يوم وصل فيه التلامذة إلى المدرسة مع بداية السنة... لتنتهي رحلة الألف ميل في أسبوع يأتي تلقائيًّا، وعفويًَا، وطبيعيًّا، بلا بهرجة مخادعة أو مهرجانات صاخبة أو فورات غضب أو تنافس أو تسابق أو توتّر أو تعب أو عتب... وإلا ضاع الهدف الأوّل منه وهو تثقيف النفس أي تهذيبها. 
وما من موضوع محدّد للأسبوع الثقافيّ... فالثقافة التي تتنوّع تعريفاتها، ويختلف الفلاسفة والدارسون والمفكّرون في تحديدها، يمكن وضعها في أبسط وجوهها مع المتعلّمين في المدارس... أي هضم ما تعلّموه ليصير جزءًا منهم... فالثقافة لا تميّز بين علم وأدب وتاريخ وفنّ وجغرافيا... ولا فضل فيها لمادّة على أخرى، ولا هيمنة للغة على سواها، بل انصهار كليّ في بوتقة واحدة اسمها المتعلّم، هو في البداية والنهاية نقطة ارتكاز العمل التربويّ وغايته.

7- لعلّنا في أمسّ الحاجة إلى ثورة تربويّة، لا ترى بين تربية الأولاد وتربية الحيوانات الأليفة شبهًا ولو بسيطًا، ولا تجعل التعليم على قياس مسؤول أو معلّم أو مراقب أو مناظر، ولا تخاف من التغيير والتحديث والاعتراف بالخطأ، ولا تدّعي الكمال أو نهائيّة المبتغى...
ثورة تربويّة لا تقديس فيها لمعلّم، ولا خوف من أهل تلميذ، ولا صنميّة لمنهج، ولا تبعيّة ولا تقليد... 
ثورة تربويّة تمقت "الدروس الخصوصيّة" وتعاقب مرتكبيها،
ثورة تربويّة تجعل التلميذ يرغب في المدرسة لا راغبًا عنها،
ثورة تربويّة تعيد الاعتبار للشعر على أنّه لغة الله، وللأرقام على أنّها وسيلة لفهم العالم والتفاهم معه لا غاية تُبرّر الوسائل من أجلها،
ثورة تربويّة تسعى لتهذيب عقول الناشئة لا لتذهيب إطارات الشهادات...
ثورة تربويّة ضدّ الظالم أيًّا تكن طائفته وجنسيّته، ومع المظلوم إلى أن يحصّل حقوقه...
ثورة تربويّة من أجل تعليمٍ لا تنتهي صلاحيّة استخدامه لا الاكتفاء بتعليبِ أفكار وعقول في كبت التحجّر والخوف...
ثورة تربويّة شعارها الحوار لا التلقين، التقدّم لا النجاح، التعلّم لا العلامات، الفهم لا الدرس، الاكتساب لا الامتحان، الغناء لا الببغاء...
وبغير ذلك... يبدو مشوار التغيير طويلًا وشائكًا ومرويًّا بدموع أطفال يرون المدرسة سجنًا... فينتقمون منها عند التخرّج، تكسيرًا وتخريبًا... 

قراءة نقديّة للأستاذ ميشال مرقص في أقصوصتي "عاهرة باب أوّل"


الأستاذ ميشال مرقص في حفل توقيعي مجموعتي "أحببتك فصرت الرسولة"

لا يريد الكاتب سوى أن يُقرأ...
شكرًا أستاذ ميشال مرقص على وقتك ودراستك القيّمة.
***
قصصُ ماري القصّيفي نباهة كاملة متكاملة
تُقاربُ أمراض المجتمع وفساده بجُرأةٍ وسموٍّ

أشدُّ ما يُلفت في أدب ماري القصّيفي، النباهة الكاملة، واقتحامها للتفاصيل بل الجّزئيّات في عصر "النانو"، هي البارعة في تصوير البيئة المحليّة بريشة الرسّام العبقريّ، والكاميرا الإلكترونيّة ... حيثُ تُبرزُ مسرح الأحداث وسلوكيّات الأبطال – في قصصها- حيّة تعيشُ معنا، بل تلمسنا...
في أقصوصتها، "عاهرة باب أوّل"، نعيشُ هذا المُحيط المتميّز، تنقلنا بصدقٍ إلى أجوائه، لكن يتقدّم الغوصُ في إبراز المكامن البشريّة، إنطلاقًا من الإنتباه إلى النفسيّات... والالتفات إلى واقعٍ إجتماعي لم يَعُد يُثيرُ ريبةً ولا رفضًا، بل صار "الجنسُ الراقي"، مصدرً مالٍ وثراء، ومهنَة حُرّةً من بين مهن الهندسة والمحاماة وطب الأسنان وغيرها...
وللمهنّة – ليس فقط أصول الممارسة المباشرة – بل أصول المهنة الراقيّة، في مقاربة التحليل النفسيّ... المرأةُ في المكتب لا توحي ببيع الجنس، بل هي تُضاهي في منطق كلامها مفاهيم "عالِم الاجتماع" الهارب للمرّة الأولى نحو تجربة مختلفة، كأنما هو الإنسانُ الأوّل، أمام إغراء حوّاء... تتنازعه رغبتان: رغبة الاستطلاع، ورغبة الجنس السرّي...
وبقدر ما هو عالِمٌ في أصول البحث الاجتماعيّ، فإنّه لا يُضاهي "مديرة" مكتب الخدمات الجنسيّة، المثّقفة كعالمة نفسٍ تحليليّ، أو عالمة اجتماع، هو لا يضاهيها معرفة، كلُّ موضوعٍ لديها، له إطاره الخاص وأبعاده لتحقيق النشوة المرتقبة مثل حُلمٍ هاربٍ من ملمس الجوهر...

ماري القصّيفي، تبرعُ في الرسم والتصوير والتحليل والتفصيل والتقصّي والغور إلى عُمق الذات البشرية، برهافة ريشةٍ تنقلها رياحٌ ناعمة... تسوقُ الأحداثَ، لتنتهي إلى كون "عالِم الاجتماع"، المعنيّ بدرس سلوكيّات الآخرين أفرادًا ومجتمعات وتطورات أو ماضيًا وإتنيات وأديانًا وتطورًا تاريخيًّا وغيرها، لا يرى ما هو قربه، يهتمّ بالآخر، يكشف عن تصرّفاته وسلوكيّاته، يسعى إلى تحقيق لذّة عابرة، ولو هي "تجربة أولى"... لدى الآخر...
فيما الدعارةُ الباب أوّل، هي لديه قربه...
وقد تنتقل الثنائيّة إلى "زوجة العالِم"... قد لا تكون مقدّمة جنس باب أوّل مع زوجها، بل مع غيره... من هنا فإنَّ أهميّة تقصّي مكتب الخدمات الجنسيّة، في الكفّة الثانيّة من ميزان التقصّي الاجتماعيّ، في كونها تسبق عالم الاجتماع إلى فراشه الزوجيّ ... وتُنوّه بخدمات زوجته الجنسيّة...
وتهدفُ الكاتبة ماري القصّيفي إلى لفت عالِم الاجتماع، وما يُحيطُ به، من كون العُهر لا يكون في تقديم المرأة أو الرجل خدمات جنسيّة، بل هو "بعد البحث والتدقيق" وجدنا أنَّ زوجتك "بلسانها السلّيط وأخلاقها السيّئة وعقدها النفسيّة وأقاويلها الكاذبة وتمسكنها المخادع ونميمتها الغبيّة، تمثّل العهر الحقيقيّ الذي يخرب البيوت والعلاقات!" بشهادة أهله وأهلها وجيرانهما ومعارفهما وزملائهما، ولا شهادةَ أثبتُ من شهادة الأقربين...
وتفتح ماري القصّيفي، الباب على فساد المجتمع والأخلاق، وفي هذه الأقصوصة تُلفت إلى الاغتياب، وألسنة السوء، والدعارة القياسيّة في البلد، وزبائنها، فماذا لو "تكتبُ عاهرةٌ مذكراتها"؟ ألا يُغرقها كبارُ القومِ بالمالِ لتصمت ويجندون الاستخبارات ليضيّقوا الخناقَ عليها...
ويبقى في ميزان العهر رئيس جمهورية، مثل فرنسا – والفرزدق في هجاء جرير...

ماري القصيّفي – موهبتُكِ تاجُ هذا الشرق ...


ميشال مرقص

الأربعاء، 15 أبريل 2015

في شكر صانعي الجمال الراحلين!



      Newounsa، هو الاسم الذي اختارته صاحبة محلّات الألبسة النسائيّة الراقية صونيا وازن كفوري، لتعلن عن ذوقها الفنيّ الراقي في تكوين (وتلوين) امرأة جديدة، جوهرُها الأنوثة ورداؤها الجمال.
      ولأنّها كذلك، لم يمرّ خبر وفاتها بعد صراع طويل مع المرض من دون أن يثير في بالي تساؤلات عن صناعة الجمال، وإن كان صانعوه يرحلون فعلًا. فصونيا وازن كفوري، كانت تحترف التجارة طبعًا، ومتاجرها التي تنضح بالرقيّ والذوق والأناقة تعبّر عن حسّ إداريّ دقيق وناجح. لكنّها، محوطة بزوجها وابنتها وابنها، كانت أكثر من مجرّد صاحبة محل للألبسة النسائيّة تريد أن تربح ثروة من بيع ملابس ثمينة؛ كانت فنّانة ذات رؤيا جماليّة تندر اليوم بين أصحاب المتاجر. ولم تكتفِ بذلك، بل كان استقبالها يفضح رغبتها في نشر الجمال حولها، وإلباس النساء اللواتي يقصدنها بشكل يجعلهنّ جديدات ومثيرات وأنيقات ومحترمات في الوقت نفسه. 
     لعلّ متاجر أخرى نافستها على أسماء ماركات عالميّة، وربحتها، لكنّ هذه الماركات نفسها فقدت الكثير الكثير من سحرها حين غادرت متاجر Newounsa، لأنّ ذوق صونيا وابنتها كارولين لم ينسّق إنتاجات هذه الماركات ولم يعرضها كما يليق بها. 
     وحين وصلتني رسالة نعيها من المتجر الأنيق الذي أقصده كلّما أردت أن أهدي نفسي قطعةً فريدة غير سائدة أو منتشرة، اكتشفت كيف أنّ تلك المرأة صنعت نمطًا من الموضة يجمع بين الرفاهيّة والرقيّ، وبالتالي صنعت امرأة جديدة، ترتدي ما يلفت الانتباه بهمس، بلا صراخ أو وقاحة أو تحدٍّ. 
     ولأنّها فعلت ذلك، بمحبّة لا خبث فيها ولا مسايرة، وبوضوح التاجرة الذكيّة والفنّانة التي تعرف قيمة ما تعطيه، ساهمت في صناعة الجمال الذي لا يذبل ولو عتق طراز الفستان، والذي لا يهترئ ولو قَدُم عهد شرائه... وهذا ما نحن في أمس الحاجّة إليه في زمن البشاعة والأنوثة المتاجَر بها.

***


      صانعُ جمال آخر رحل سريعًا وباكرًا هو عصام بريدي. أثار بموته عاصفة حزن غريبة ومفاجئة، كغيابه تمامًا. وهو وإن كان شابًا لم يترك بعدُ بصمات فنيّة كبيرة، لكنّه بشخصيّته اللافتة كان فنّانًا صادقًا مع نفسه ومع جمهوره. لذلك واكبت وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعيّ خبر موته ومأتمه بشكل غير مسبوق، كأنّ الناس بعفويّة لم تغب عنهم، على الرغم من أربعين عامًا من الحرب والاقتتال والفساد، يكرّمون، بدموعهم على عصام، الطيبة والضحكة والتواضع والحياة الهادرة كشلّالات لبنان وينابيعه الصافية.
    عريس السماء كما صار لقبه، قضى في حادث سير سخيف ولو مروّعًا. لذلك قد يقول قائلون هو ليس شهيدًا مات وهو يؤدّي واجبه، وليس انتحاريًّا فجّر بنفسه من أجل قضيّة، وليس ضحيّة قصفِ نظام غاشم أو اعتداء سافر كما يحصل في بلداننا الملعونة بالحرب والإرهاب والديكتاتوريّة والفساد والأصوليّات... فما الذي فعله حتّى استحقّ هذا الاهتمام؟
    صحيح أنّ آلاف الأشخاص الأبرياء يقتلون كلّ يوم، في فلسطين المحتلّة، وسوريا، والعراق، وليبيا، واليمن، ويموت آخرون في أماكن كثيرة في العالم لا مجال لذكرها، وكلّ هؤلاء يستحقون دمعنا وحزننا، لكن لا بأس إن بكينا أيضًا وحزنّا على صانع جمال لم يُرد من الحياة مركزًا أو منصبًا، ولم يؤذِ أحدًا، فلم يفعل سوى ترك ذكريات جميلة، وابتسامات مضيئة. لا بأس إن تركنا العنان لإنسانيّتنا كي تتأثّر على غياب فنّان واعد، قضيّته بسيطة بساطة قلبه وإيمانه وهي أن يوزّع الفرح، لا أن يزرعه. فالزارع ينتظر الموسم الذي قد يتأخّر، وعصام كان مستعجلًا...
     في مأتم عصام، رأيت الناس يحتفلون بإنسانيّتهم، فلم يشاركوا بدافع الواجب المفروض، أو لمسايرة عائلة زعيم يعِدهم أولاده بوظائف ومنح دراسيّة، كان كلّ منهم يتذكّر أنّه إنسان، لا يريد أن ينسى الطيبة التي فيه، أو الحنان الذي فيه، أو الوفاء الذي فيه.
    رأى كثيرون في موت عصام درسًا لسائقي السيّارات المسرعين، لكنّي أحبّ أن أرى فيه أيضًا رسالة في المحبّة والابتسامة اللتين جذبتا الناس إليه في حياته وموته. وربّما رأى كثيرون سواي في مشهد النعش المفتوح وهو يمتلئ بالورود البيضاء ما يشبه دفن المسيح يوم الجمعة العظيمة، لكنّي أحبّ أن أرى أيضًا في احتفال الرحيل مهرجان قيامة مجتمع، لا يزال مصرًّا على البقاء في مواجهة التهجير والموت والإرهاب. 
     عصام بريدي، على حداثة عمره، من رعيل الفنّانين الكبار المتواضعين، صانعي الجمال القدّيسين، الذين أعطوا بمحبّة فكوفئوا بالمحبّة.
***


   
  لا يحتاج ريمون جبارة، صانع الأحلام والجمال، أن أدلي بشهادتي فيه. لكنّي أنا نفسي أحتاج إلى تذكير نفسي بشهادته فيّ حين قال لي، تعليقًا على مقالتي في ملحق النهار عن أيقونة المسرح رضى خوري، وذلك في لقاء ثانٍ وأخير معه: إنتِ شاعرة يا بنت!
     في اللقاء الأوّل، قلت له محاولة رفعَ معنوياته: أنت غاضب على الفالج، لكنّك اختبرت ما قبل المرض والشلل والحاجة إلى الناس، فماذا أقول أنا؟ (مشيرة إلى إصابتي طفلةً بشلل رجلي اليمنى). فاجأه قولي ولم يجب. 
      رحل ريمون بعد صراع مع الحياة، لا مع المرض. مع الحياة، الحياة في لبنان، التي خذلته مرارًا وتكرارًا، حتّى اضطرّ في أواخر أيّامه أن ينتظر مساعدة وزارة الصحّة. وكم تسهل مصارعة الموت أمام مصارعة الحياة بما ومن فيها! فكيف إذا كانت الحياةُ حياةَ فنّان مثقّف أصيل ملتزم واضح صريح جريء نظيف؟ وكيف إذا كان الحياةُ في لبنان تحارب كلّ من يتميّز بهذه الصفات؟
    ثمّة ما يجعلني أطمئنّ لأنّ ريمون جبارة ارتاح، ولكن ثمّة ما يثير قلقي أكثر فأكثر على لبنان الذي أحبّه... ثمّ أعود وأطمئن نفسي قائلة: ريمون جبارة يلاحق الله الآن بسيل من الأسئلة والمطالب، فلا خوف علينا!
      شكرًا أستاذ ريمون على شهادتك فيّ، وعلى الجمال الذي علّمتناه مجبولًا بالحقّ والخير!
      
     

الاثنين، 13 أبريل 2015

أمسيات بلا شمس (النصّ الرابع من كتابي رسائل العبور - 2005)

في الانتظار - 2010
Ty - Ramon


     ...والصديق العابر، كغيمة لا تنقاد إلاّ لرغبة الريح، يحبّ الليل كطقس مقدّس لا يجوز أن نتعامل معه ببرود وحياد. وكانت اللقاءات الليليّة احتفالات يتمّ التحضير لها بالحماسة الأولى التي يتعامل فيها الإنسان، أيّ إنسان، مع موعده الأوّل. ولكنّه لم يكن يُخضع نفسه لمتطلّبات معيّنة واضحة؛ ولذلك كنّا نحن الذين نحيط به نكتشف نوعًا من المزاجيّة مطعّمًا ببعض التناقض يرافق هذه السهرات.

     فهو مثلاً لم يكن انتقائيًّا في اختيار الذين يشاركونه الاحتفال بقدر ما كان مصرًّا على انتمائهم إلى طبقة معيّنة أو أن يكون اللقاء في مكان مميّز. ولكنّه في المقابل كان يجد سعادة طفوليّة طاغية في أن يدعو الآخرين إلى أماكن لم يعرفوها من قبل. وكان يستسلم لنوع من الانتشاء حين يراقب عيون أولئك المدعوّين إلى وليمة الأصناف الغريبة في مكان ما كانوا ليختاروه، عجزًا أو جبنًا. لذلك كان يحلو له أن يراقبهم وهم يطلبون الطعام أو الشراب، ويسرع إلى إنقاذهم متى لاحظ أنّهم يواجهون مشكلة أمام النادل الذكيّ، فيساعدهم في إيجاد المخرج اللائق من لائحة الطعام المتعرّجة الطرقات.

     ولكنّ صديقي العابر لا يكتفي من الليل بالوليمة، ما لذّ منها وطاب؛ بل كان يبحث باستمرار عن موضوع ما، عن أغنية، عن حوار، عن لفتة ذكيّة، عن مشهد غريب، عن تعليق مفاجئ يطلقه أحد الحاضرين، عن ذكرى تركت أثرًا، عن حلم تحوّل مشروع حياة، عن خبر سياسيّ، عن حكاية طريفة، عن سؤال، عن جواب، عن أيّ حديث يبعد الرتابة والملل واللاجدوى. لذا غالبًا ما كان يقود الاحتفال إلى حيث يعرف أنّه سيجد ما يبحث عنه، إلى جديد يجعله العارف الأوّل...أو المتلقّي الأوّل.

     ولكنّي مع نهاية الليل كنت أشعر بأنّ هذا الاحتفال الممتلئ حتّى الثمالة بكلّ ما يمكن أن يقال سيترك وراءه إحساسًا عميقًا بالفراغ. كأنّ الدنيا هدأت فجأة وعاد كلّ شيء إلى مكانه. ولم يكن لديّ الإيمان الذي كان صديقي العابر يحاول التمسّك به بأنّ الشمس التي ستشرق بعد هذا الليل لن توقظنا من حلم الاستمرار والديمومة. وكنت مع كلّ احتفال ليليّ أزداد يقينًا بأنّ هذا اللقاء يحمل في بداياته بذور النهاية، غير أنّني كنت أراقب هذا العبور بمتعة ممزوجة بالمرارة كأنّني أمام مشهد جميل، أعي في عمق أعماقي، أنّ جماله هو في عبوره، ومع ذلك أريده أن يبقى إلى ما لا نهاية.

الأحد، 12 أبريل 2015

وعد الألوهة ( النصّ الثامن من كتابي رسائل العبور - 2005)



     يظنّ الناس أنّي لا أعرف كيف أكتب عن الفرح والسعادة والضحك والابتسامة، أو كيف ألوّن الأوراق البيضاء بغير الحبر الأسود. ويعتقد الناس أنّي لا أرى في العيون إلّا الحزن، ولا أسمع من الأصوات إلّا النحيب والأنين، ولا أعترف إلّا بالألم والمرض والشرّ والموت.
     قد يكون ذلك صحيحًا! 
     ولكنّ الناس لم ينتبهوا إلى أنّي لا أفعل ذلك إلّا عندما تكون غائبًا!

     وعندما أتحدّث عن غيابك، لا أعني ابتعادك أو رحيلك أو سفرك أو عبورك، بل أقصد غيابك في الحضور، أن تكون موجودًا وغير مهتمّ إلّا بوجودك، أن تكون حاضرًا في حين يغيب أيّ حضور آخر في حضرة غيابك، أن تسأل من دون أن تنتظر الجواب، أن تتكلّم فيخشع المستمعون، أن تنظر إلى الدمعة ثمّ تعطي دروسًا في الصبر، أن تشاهد فورة الغضب ثمّ تلقي محاضرة في حسن التصرّف، أن تسمع صراخ الاستغاثة ثمّ تسأل المستغيث إن كان يريد أحدًا معيّنًا لإنقاذه لتتصل به.
     أمام هذا الغياب الذي يصيبك في مواسم معيّنة، يبدو العالم كلّه غارقًا في بحيرة نفط عائمة وسط المحيط!
     وكيف ينسى الناس الذين يسألون عنك، ويلاحقون خطّ الكلمات لعلّه يوصلهم إليك، ما كتبته عنك أيّام كانت الكتابة عنك تفتح الأبواب وتشرّعها على الماضي، لتغرفَ منه ذكريات تداعب القلب فيرقص فرحًا، وتمدّ جسورًا نحو مستقبل يثير الخيال ويشيع جوًّا من السكينة والأمان؟

    نظرتْ إليّ الفتاة الصغيرة التي عرفتُها من صورها السوداء والبيضاء، وعاتبتني في حنان قائلة: لم تكوني هكذا!
     كنتُ متّكئة على جانبي الأيسر حين شعرتُ بحركةٍ خفيفة إلى جانب السرير، فتحت عينيّ المتعبتين فرأيتها. كانت بيضاء وجميلة وسعيدة، فعرفت فورًا أنّي أعرفها، ولكنّ الدهشة من وجودها قرب السرير عقدتْ لساني، فلم أستطع أن أنطق ولو بحرف واحد. ولكنّ دموعًا سخيّة اندفعت من رأسي فجأة، ولم أجد القوّة كي أمسحها بأصابعي، فتركتها تختلط بأنفي السائل، وتنحدر عبر شعري إلى الوسادة. مدّت الفتاة الصغيرة يدها الصغيرة وداعبت شعري المبلّل ثم قالت: كنتُ فخورة بك، كنت سعيدة لأنّك صرتِ ما صرتِه، ولكنّ المرأة التي تقف الآن بيننا تفسد الأمور تمامًا!
    كنت أعرف أنّها محقّة في كلامها الذي فهمته من دون أيّ سؤال، كأنّي كنت أنتظر أحدًا ليقوله لي، وفرحتُ لأنّها تتكلّم في ثقة وحكمة، وأردت أن أحتضن ذكاءها وفرحها وجمالها، ولكنّي كنت كالمشلولة تمامًا، عاجزة إلّا عن النظر إلى وجهها المطمئن.
     أخذتِ الفتاة تخبرني عن هموم طحنتني، وآلامٍ عجنتني، وتجاربَ خبزتني، وعن عشّاق تركتهم يلتهمونني دون تردّد منّي أو منهم. كانت تسرد كلّ التفاصيل من دون أن تنظر إليّ مباشرة، بل أخذت تلهو بشعري الأسود كأنْ لا شيء إلّاه فيّ يستحقّ النظر إليه. وكانت تترك خصلة كلّما تركت حكاية، وتمسك بخصلة كلّما أمسكت بخيط حكاية جديدة. ولم يبدُ عليها التعب أو الملل أو السأم، بل كانت تروي كلّ شيء بفمها ويديها وعينيها وتعابير وجهها وحركات حاجبيها، وبين الحكاية والحكاية تهنّئني على ما تعلّمته وخبرته واكتسبته.
     وحين صمتت فجأة، بدت شديدة الاضطراب، تنظر بشكل غائم، كأنّ ثمّة من يقف بيني وبينها، ويمنع عينيها عن الوصول إليّ. ومع ذلك لم أرَ الخوف أو الكره على وجهها، بل الحيرة والحزن، كطفلة أضاعت اليد التي تمسك بها. ثمّ استطاعت أن تصوغ سؤالًا واحدًا، سؤالًا حزينًا واحدًا: كيف تحوّلتُ امرأةً ضجرة باردة باهتة؟
     واستطعتُ أخيرًا أن أؤلّف جملة واحدة: لا تعتبي عليها! إحضنيها وداعبي شعرها، فهي المرأة التي فقدتْ براءتك، ولم تكن بعد عرفت ما أعرفه الآن.
    
     
    وما أعرفه الآن أنّك لست صديقي، ولن تكون كذلك إلّا يوم أستطيع أن أغضب أمامك من غير شعور بالذنب، وأن أبكي أمامك من دون إحساس بالخجل، وأن أعلن عن الخطايا التي ارتكبتها والأحلام التي حلمتها، والمشاعر التي حملتها... بلا أن أجهد نفسي في اختيار الكلمات.
     يوم أخبرك عن الرجال الذين عرفتهم، ستعرف أنّك صديقي: رجال من مختلف الأعمار، ومن مختلف الطوائف، متزوّجون وغير متزوّجين، فقراء وأغنياء، حزبيّون وغير مبالين، مثقّفون وهامشيّين، رجال من مختلف الأحجام والطبائع، كرماء وشجعان، أنانيّون وجبناء، كاذبون ومدّعون، حالمون وهاربون، أطفال ورجال في الوقت نفسه. يريدونني ولا يعرفون ماذا يريدون منّي بالتحديد. يوم أخبرك عنهم بالأسماء والتواريخ، بصوت مرتفع أسمعه بنفسي، ستعرف أنّك صديقي.
     ويوم أخبرك عن النساء اللواتي حسدتهنّ وغرت منهنّ، ستعرف أنّك صديقي: الفتيات اللواتي استطعن الجري واللعب، البنات اللواتي يحضن آباؤهنّ أحلامهنّ وتفخر أمّهاتهنّ بإنجازاتهنّ، الصديقات اللواتي يجدن أصدقاء يبحن لهم بكلّ شيء، العاشقات اللواتي لا يضعن حدودًا لرغباتهنّ المجنونة. يوم أخبرك بكلّ ذلك ستعلم أنّك صديقي الوحيد.
     يوم أخبرك عن أوجاعي من دون أن أخشى تحليلك النفسيّ لها، وعن أحلامي من دون أن تفاجئني بتفسير علميّ، وعن هواياتي الجديدة من دون أن أتوقّع توجيهات معيّنة، وعن الطعام الذي أفضّله، وعن رغبتي في إجراء عمليّة تجميل لا حاجة فعليّة لها، وعن موعدي مع مصفّف الشعر، وعن الشعر المزعج على جسمي والمثير على جسمك، وعن الجرح الذي يؤلمني في رجلي اليمنى، وعن حاجتي إلى المال، وعن شوقي إلى الرقص والغناء، وعن الملابس الداخليّة التي اشتريتها. يوم أخبرك كلّ ذلك ستكون صديقي المفضّل.
     وعندما أروي أمامك مغامراتي الجنسيّة، وأحلامي الشبقة، ورغباتي الوقحة، وممارساتي الشاذّة، ونكاتي البذيئة، وأحاديثي الماجنة، تكون أصبحت المؤتمن على عوالمي الداخليّة الحميمة.
      وحين أصير محور اهتمامك، وليس فقط ما فعلته في العمل، ولا ما قرأته في الصحف والكتب، ولا ما أعرفه عن "الشرق الأوسط الكبير"، ولا ما سمعته عن حرب العراق والتمديد والتجديد وأخبار الانتخابات، ولا ما شاهدته على التلفزيون وفي السينما. حين تتحوّل كلّ هذه الأحاديث سبيلًا إلى معرفة آرائي واكتشاف طريقة تفكيري، تكون أصبحت صديقي الذكيّ، لأنّك ستكتشف أنّي قد أكون أكثر من مجرّد خزّان أفكار، وأعمق من بئر ترمي فيه أسرارك ثمّ تندم، وأنّي قد أيضًا كتلة من المشاعر المتوهّجة. وإذا كان كلّ ذلك أشدّ صعوبة من أن يقوم به رجل واحد، فيجب إذًا السماح بتعدّد الأزواج، لأنّ احتمال أن تكون إلهًا صغيرًا باء بالخيبة.
     أتريد منّي أن أعرف رجالًا أيّها المدّعي؟ لقد عرفت رجالًا بعدد النساء اللواتي حاولن إغراءك، ولذلك تراني سئمت من الرجال.
     أتريد أن تطمئنّ إلى أنّي لم أعد أحبّك؟ وهل تعتقد أنّي كنت سأخبرك كلّ ذلك لو كنت أحبّك الحبّ كما علّموك إيّاه وأخبروك عنه، ومثلما يتحدّث عنه سائر الناس ويعجز خيالك وخيالهم عن تصوّر ما يفوقه جمالًا وشغفًا وتوهّجًا؟ أتريد منّي أن أجمع حولي أصدقاء من مختلف الجنسيّات والهويّات والأصناف ليرتاح ضميرك؟ إلى أيّد دعارة فكريّة تدعوني أيّها الرجل؟ وهل أفكاري ومشاعري ورغباتي المجنونة تصلح مادّة للحديث مع أيّ كان وفي أيّ وقت؟
     يا إلهي كم يبدو ثوب هذه العلاقة فضفاضًا عليك! وكم تبدو صغيرًا أمام شلّال المشاعر التي أخبّئها لك والتي تريد أن تتفجّر كلمات وقصائد وكتبًا، ولكنّي لن أقولها لك لئلّا يغرقك فيض عاطفة لا تحسن السباحة ولو في محيطها الهادئ...

السبت، 11 أبريل 2015

امرأة ورجل (النصّ الحادي والعشرون من كتابي رسائل العبور - 2005)

فراق
Edward Munch




      ينسى الرجل أنّها امرأة، ويصدّق أنّها تريد أن تُعامَل كمفكّرة.
    يعترف الرجل بأنّه يحترمها ويحبّها، لكنّه غير معجب بها كامرأة بل كصاحبة فكر وسيّدة قلم.

    ويصدّق الرجل أنّ هذا ما تحبّ سماعه وما يثيرها ويملأها حياة. ويصدّق كذلك أنّ أجمل ما قيل لها هو أنّها ذكيّة وصاحبة شخصيّة قويّة، ولا يعنيها أن تكون جميلة وأنيقة.
    لم يكن غريبًا أن يقتنع الرجل بذلك. فهي نفسها كانت تصدّق أقوالَها، حتّى اللحظة التي سمعته يعلن فيها أنّها لا تتمتّع بالصفات التي يريدها في المرأة.
    فاجأها الأمر رغم أنّها هي أيضًا لم تكن تنظر إليه كرجل. ولكن ذلك أمر مختلف تمامًا.
    أمر مختلف فعلاً أن تقول هي هذا الكلام، لأنّها أساسًا لم تقله سوى لأنّها تعرف جيّدًا أنّها لا تعجبه كامرأة فسبقته إلى هذا التصريح الجافّ حفاظًا على كرامتها. أمّا أن يردّ عليها بهذه الطريقة فأمر مفاجئ تمامًا، ومخيف جدًّا، وجديد فعلاً.
    مع الوقت اكتشفت أنّهما لم يكونا في اللقاء الذي قيل فيه هذا الكلام إلّا رجلاً وامرأة، ولم يكن المكان إلّا الفردوس الذي سيفقدانه قريبًا. ولم يكن الزمن إلّا بداية التحوّلات.
    بعد ذلك لن تصدّق تلك المفكِّرةُ العيونَ حين تنظر إليها كامرأة، لا بل ستفعل أكثر من ذلك:
    ستنظّف ذاكرتها من كلام الغزل،
    وستمحو عن جسمها آثار المشاعر التي عبرت،
    وستطهّر ملابسها من عطور الرجال الذين مرّوا إلى جانبها،
    لأنّ هذا الرجل الذي تثق به كثيرًا أكّد لها أنّها ذكيّة وتفكّر كما يفكّر الرجال.

الجمعة، 10 أبريل 2015

ضيف المدوّنة: الشاعر السوريّ محمّد سعيد الذي يقول الحقيقة...

محمّد سعيد وابنه وجد، أجمل قصيدة نثر


     لا يعنيني أن يعترف النقّاد وناشرو الكتب والشعراءُ المكرَّسون بمحمّد سعيد، فكلمات هذا الشابّ تحمل الكثير من الدهشة، ولا أرى الشعرَ شعرًا بمعزل عن هذه الشهقة التي يطلقها مرّاتٍ الإيقاعُ، ومرّاتٍ تثيرها الصور، ومرّات الفكرة، وغالبًا العاطفة... والأجمل طبعًا أن تأتي منها كلّها... 
     لا تزال الصحافة ودُور النشر بعيدة عن هذه الفئة من الشعراء الذين اقتحموا عالم التواصل الاجتماعيّ وحوّلوه منابر يطلقون من فوقها قصائدهم في وجه الله والحياة والأوطان والعالم. محمد سعيد واحد من هؤلاء الذين لا يعنيهم التواصل الاجتماعيّ ولا يبرعون فيه لو حاولوا. فعوالمهم الداخليّة تعجّ بالأفكار وتصخب بالنزوات وتتصارع فيها المشاعر، بحيث لا يبقى مكان لدخيل يضع كلمة إعجاب أو يترك تعليقًا غالبًا ما يكون بعيدًا عن مغزى النصّ بُعدَ الشاعر الحقيقيّ عن التاجر المتزلّف. لكنّ هذه الوسائل صارت الوسيلة التي ساعدت عشّاق الكلمة على تسلّق شرفة الحبيبة، لا البقاء عاجزين مختبئين في العتمة، خوفًا ممّن نصّب نفسه وليّ أمرها.
    في نصوص هذا الرجل عنف وغضب وهزء وسخريّة وأنين له شكلُ الصراخ. وفيها بلاد تبحث عن حريّة، وحريّة تسعى خلف أرض، وأرضٌ لا تريد سلطانًا عليها ولا حاكمًا أو محكومين... في نصوصه عالمٌ من المتسكّعين، والفقراء، والشعراء، والأطفال، والشهداء... هي قصائد ترتدي الأسود ولا تخلعه، تسفر عن وجهها ولا تخفي شيئًا خلف حجاب التهذيب المخادع. هي قصائد مقطوعة الأنفاس كأنّ صاحبها لا يملك ترف أصحاب المعلّقات الذين نظموا البيت بعد البيت على أساس واحد وعمود واحد، لأنّ صاحبها لا بيت له ولا عمود يسند السقف فوق رأسه ورأس عائلته، فانطلقت قصائده رشقات يحتمي بها صاحبها وإن بدا مهاجمًا.
    قد تحتاج لغة محمّد سعيد، ككثيرين سواه من الشعراء الشبّان، إلى قليل من التشذيب والتنقيح، لكنّ ذلك لا يعني أبدًا أنّ خامة الشعر عنده غير أصيلة وغير حقيقيّة وغير مستحقّة نعمة التأمّل في لغة جديدة باتت تفرض نفسها، ولم يعد من الجائز أن تتجاهلها صفحات الصحف الثقافيّة أو المجلّات المتخصّصة، أو دور النشر. 
     محمّد سعيد اليومَ خارج سوريا، يحمل القصيدة والعائلة ويسعى في الأرض باحثًا عن الأمان ولقمة العيش. وحين يجد لحظات ليكتب، يطلق العنان لسيل الصور والأفكار التي تزدحم في رأسه ويطلقها مباشرة في وجه عالمٍ أغمض عينيه عن مأساة أرض وشعب.
     وحين أقرأه، أشعر بما فعلته الأعوام الطويلة الماضية، قبل الحرب في سوريا بكثير، بالشخصيّة السوريّة التي اختبرت كلّ أنواع القهر والتعذيب والفقر والحرمان، فتسلّحت بكثير من أنواع المعارف والعلوم والآداب والفنون، لكنّها، أي هذه الشخصيّة، لم تتصالح بعدُ مع ذاتها والآخرين... وأعتقد أنّ الأمر سيطول أمام ما يجري في سوريا ولا يبدو له أفق واضح أو نهاية قريبة. وحين يقول محمد سعيد إنّ طفله "وجد" أجمل قصيدة نثر فلكي يؤكّد علنًا أنّه أب يبحث عن الأمان لولده ولا تعنيه دور النشر كلّها، ولا صحافة الثقافة جميعها. 

     ولأنّ أصدق سيرة ذاتيّة لشاعر هي شعره، أدعوكم إلى متابعته عبر صفحته على الفيسبوك:
https://www.facebook.com/mohammed.saeed.3382118


في انتظار شيء ما (النصّ السابع عشر من كتابي رسائل العبور 2005)


     لا أجرؤ على خلع ملابس النهار إلّا في ساعة متأخّرة جدًّا من الليل، ولولا بعض تردّد وحذر لكنت أويت إلى الفراش وأنا أرتديها. لا يعني ذلك أنّي مدمنة سهر في المطاعم والملاهي كما قد يفهم البعض من هذا الكلام، إنّما قابعة أبديّة على مقعد إلى جانب الباب في انتظار شيء ما.
     شعرت دائمًا بأنّ ملابس النوم ستؤخّرني عن أعمال كثيرة تنتظر كي أقوم بها من دون أن أعرف مسبقًا مواعيدها وأمكنتها. لكن من الواجب أن أبقى مستعدّة كجنديّة في حالة استنفار.
      وأكثر ما كنت أخشاه أن يموت أحد وأنا نائمة، لذا كان عليّ أن أسهر مصغية إلى صراخ سيخترق حتمًا سكينة الليل ليعلن رحيل شخص ما، وعليّ أن أسرع لأكون شاهدة على اللحظات الأولى التي تلي الوفاة، ولأسجّل الانفعالات الأولى والتعازي الأولى والتحضيرات الأولى والكلمات الأولى قبل أن يهذّبها الوقت وتتعبها المسافة، أو لعلني ألتقط الخطوة الأولى يخطوها الراحل على طريق الموت السريع. وكثيرًا ما استغرب أهلي وأهل الميت إصراري على التواجد قبل الجميع وعلى البقاء طويلًا كمن يخشى أن يغيب عنه أيّ تفصيل، وكم قاومت الرغبة في قضاء حاجة ملحّة خشية أن تفوتني نظرة أو كلمة أو دمعة. ولهذا السبب أيضًا كنت أمتنع، محتجّة، عن الحضور إلى منزل الراحل إن فاتتني المشاهد الأولى فأعاقب الأحياء وأكتفي بالذهاب إلى الكنيسة كسائر الغرباء.
     ليس الموت وحده ما كان يدفعني إلى السهر، ولكنّي توقّعت دائمًا رحلة تنتظرني كي ألتحق بمركبتها السريعة المستعجلة غير القادرة على الصبر كي أخلع ملابس النوم، فقد يُقرع الباب، وقد يولول بوق سيّارة، وقد يرنّ جرس الهاتف، وقد ينادي أحدهم باسمي، ولا يجوز أن أتأخّر في الإستجابة لدعوة الرحيل.
     ولذلك كانت تحرّكاتي في الوقت الذي يسبق الاستعداد للنوم بطيئة، أتعمّد خلالها تأخير واجبات مسائيّة ضروريّة، فإزالة قناع التجميل عمليّة تضاعف وقتها، ويتأجّل الاستحمام مرارًا خشية أن يعيق صوت المياه الصوت المنتظر. بيد أنّي في لحظة ما، أحسم الأمر، وأقطع الأمل، متذكّرة أنّ عليّ أن أنام، كما ينام ملايين البشر، على السرير، وفي ملابس النوم.
     لا شكّ في أنّ إقامتي في منزل العائلة منعتني عن النوم على الكنبة التي إلى جانب باب المدخل الرئيسيّ، وكم قلت في نفسي لو أقمت وحدي لما احتجت على الأرجح إلى سرير ولا إلى قميص نوم. ومع أنّ وجودي بين أفراد الأسرة فرض عليّ أن أبدو طبيعيّة إلى حدّ كبير، إلّا أنّي في اللحظات التي تسبق قرار النوم أبدو متوتّرة قلقة كأنّي على موعد تأخّر تنفيذه. وكثيرًا ما سُئلت عن سبب اضطرابي وعن سرّ حركتي الدائمة بين غرفة النوم والباب المطلّ على الطريق، إلّا أنّ آمال الجميع خابت في الحصول على جواب مقنع.
     المقعد الذي أجلس عليه استبدل مرارًا، والشقوق التي رسمها الزمن على خشب الباب محيت أكثر من مرّة تحت غطاء الدهان، وفي كلّ مرّة كنت أعود لأحفظ شكلها وتعرّجاتها، والطريق أمام البيت تغيّرت حدودها مع مرور الوقت، وأزيلت منها معالم وأضيفت إليها مشاهد، ومات كثر قبل أن أصل لأرافق عبورهم، ومرّت سيّارات ولم تتوقّف. أمّا أنا فما زلت أنتظر صوتًا يصرخ في سكينة الليل يدعوني لأشهد اللحظات الأولى لحصول شيء ما.

الأربعاء، 8 أبريل 2015

خيالات الصحراء (النصّ الخامس من كتابي رسائل العبور - 2005)



خيالات الصحراء 
نصّ من وحي الخيال وكلّ تشابه مع أشخاص حقيقيّين محض صدفة

1- أحبّني مرّة رجل متزوّج. كان يقول إنّي أفضل حدث في حياته، ويشكو وينوح، على عادة المتزوّجين الذين هم دائمًا تعساء، ويطالبني بالكثير من الحنان والتفهّم و"تقدير الظروف".
دعاني يوم اشترى سيّارة جديدة كي أكون أوّل من يجلس فيها إلى جانبه. ثمّ أخبرني في فرح بريء أنّ زوجته حامل وأنّه أراد أن يقاسمني فرحه. فاكتشفت أنّ خوفه من زوجته أكبر من حبّه لي، وأنّ حبّه لنفسه أعمق من عاطفته تجاهي، وأنّ طموحه الشخصيّ أكثر طغيانًا من أيّ رغبة تنتابه تجاهي.
تركته لئلّا أعكّر الهدوء في منزله ولئلّا أكون سببًا في تحديد نسلٍ لا يجوز إلّا أن يتكاثر.


***


2- وأحبّني مرّة رجل من غير طائفتي. كان يقول إنّه لم يعرف الحبّ إلّا عندما التقاني، وقبلي لم يكن مشغولًا إلّا بالقضايا الوطنيّة. وكان يدعو إلى العلمنة والثورة والتحرّر وقيام المجتمع المدنيّ، ويغضب من حيرتي وجبني وتخاذلي، وهي الصفات التي أطلقها على تردّدي أمام شلّال عاطفته الهادر، ما دفعني إلى التفكير في تنفيذ عمليّة استشهاديّة قد تجعله فخورًا بوطنيّتي وبطولتي وتزيل أفكاره "السيّئة" عنّي.
كاد يوافق...
إلّا أنّي اكتشفت أنّه يشي بأسماء رفقائه ويخون حزبه.
فتركته ليمارس طقوس جبنه أمام امرأة اختارتها له أمّه، لعلّه ينجب المزيد من الجبناء.

***


3- ثمّ أحبّني معوّق أصيب في الحرب. كان يقول إنّه يحبني في عمق من عرف الألم والمعاناة. فرسمت له الطرقات فسحات أمل، وكتبت له شعرًا ينسيه قسوة القتل والتدمير. لكنّه صار يغار ويسأل عمّن أكتب، ويعاتب ويشتم ويلبسني تهم العهر والخيانة، ويحمّلني مسؤوليّة تعويض ما دفعه من جسمه ثمنًا لحرّيتنا وكرامتنا أمام جيوش الأعداء.
تركته يجترّ حزنه وغضبه، ورحلت متمنيّة أن تقوم وزارة الشؤون الاجتماعيّة بما عجزت عن القيام به.

***

4- ومرّة أحبّني رجل مطلّق. كان يقول إنّه يحبّني حبّ من تعرّض للخيانة، ولا يمكن أن يعرّض سواه لها.
قلت في نفسي: هذا لا يعتبر متزوّجًا وبالتالي ستكون التجربة مختلفة.
كان يحبّ الصحافة والأدب بيد أنّه كان عاجزًا عن كتابة حرف يدخله عالميهما. فحييت طموحه وكتبت له المقالات وصغت بالنيابة عنه المقابلات فيوقّعها باسمه ويفاخر بها، حتّى وصل به الأمر إلى إطلاق نظريّات تتعلّق بالكتابة والتأليف.
وفجأة اكتشف أنّ المنزل الذي تنازل عنه لطليقته في مقابل حريّته صار يساوي أضعاف أضعاف ثمنه، بعدما قرّرت شركة عقاريّة كبيرة شراء المبنى. فعاد إليها مستغفرًا نادمًا، واعتزل الكتابة. حوّل طموحه في اتّجاه آخر ورحل، فنجا الأدب من حشرة سامّة كادت تضاف إلى الحشرات التي تلوّث صفحاته.

***

5- وأحبّني رجل خمسينيّ فقد عائلته في الحرب، وعاش وحيدًا يبحث عن الحبّ والحنان ويهرب من الحبّ والحنان.
ظننت أنّه شفي من خوفه حين اعترف لي بالحبّ. صدّقته وحضّرت نفسي لعطاءات تعوّض على الرجل سنيّ الحرمان والوحدة، وتزيل عنه آثار الموت والبكاء وتحيطه بعائلة جديدة يحبّها وتحبّه.
بيد أنّه اكتشف فجأة أنّنا في لبنان، والبلد على كفّ عفريت، والتاريخ شاهد على معارك وثورات وحروب لا تنتهي، وقد تتجدّد الأزمة، وهو ليس مستعدًّا لمواجهة خسارة جديدة، فهرب وهو يتحدّث عن حبّه الأبديّ لي.
تركته يسعى إلى بناء حياة "طبيعيّة": مواعيد العمل تلاحقه ويلاحقها، ووجوه مبتسمة في صور قديمة تحاصره، ومنزل فارغ يكره برودة جدرانه، والسيّد مقتنع بأنّه يعيش حياة "طبيعيّة".

***

6- ثمّ أحبّني شابّ استغرقته دراسته الجامعيّة في كليّة الطبّ سنوات طويلة. كنت خلالها أعمل وأساعده لكي ينصرف إلى الدراسة من دون أن تعكّر أجواء اجتهاده أيُّ أعباء ماديّة أو معنويّة.
وحين اقترب موعد الحسم، انتبه وهو الطبيب العالم المتقدّم إلى امتحانه النهائيّ، إلى أنّني تقدّمت في السنّ وانخفضت عندي نسبة الخصوبة. ومن الأفضل لكلينا – هكذا قال – ألّا نجازف بزواج قد يحرمني من الأمومة أو قد يعرّض الأولاد المنتظرين لإعاقة ما. فرحل معتذرًا ومعترفًا أمام نفسه وأمام الله أنّه لم يجد فتاة طيّبة مثلي.
ولكن من يجدّ يجد، ولقد وجد الطبيب "الإنسانيّ" من هي "أطيب" منّي بكثير، وقادرة بطيبتها على فتح عيادة في أجمل منطقة في بيروت.


***

7- وأحبّني شابّ أصغر منّي سنًّا. كان يقول إنّه يعبد الأرض التي أمشي عليها.
قلت: ربّما هو لم يُصب بلوثة الغباء والجبن. وقد يكون أفضل من الكبار الذي صلب عودهم.
كان صغير السنّ، ويتصرّف كالرجال فأحببت هذه المحاولات التي كانت تأخذ منه جهدًا جديًّا، ورضيت أن أصغر أمامه ليكبر هو، وقبلت أن أعود طفلة ليزداد هو رجولة. ولكنّه حين كبر فعلًا، حين صار رجلًا، بدأ يتصرّف كالأطفال، وأصبحت هوايته المفضّلة تحطيم ما تطاله يداه.
ثمّ تركني ليمارس رجولته الحديثة مع لعبة شقراء، استهواه شعرها الطويل، ودوّخه نهداها المتعاليان وأغراه صمتها الأبله. وحين سألتقي بأولادهما صدفة سأعرفهم من شعرهم الشقر وعيونهم التائهة ورغبتهم في تحطيم الألعاب.

***

سبع مرّات تراءى لي الحبّ في شكل رجال منتصبين في عناد تحت لهيب الشمس وبرد الشتاء ورطوبة الليل. أذرعهم ممدودة إلى جوانب أجسامهم تنتظر أن أدنو منها كي تحيطني بحنانها. ولكنّي حين اقتربت منهم وجدتهم "خيالات صحراء" لا حول لها ولا قوّة ولا قدرة على لفّ أذرعها حولي ولو رغبت. رجال بلا أعضاء، عيونهم ذابلة وملابسهم من مخلّفات رجال آخرين، وأحشاؤهم فارغة إلّا من القشّ والخِرق العتيقة. يريدون أن يصيروا رجالًا حقيقيّين ولا يستطيعون، فتراجعتُ خائبة لئلّا أشهد تفكّكهم واحدًا واحدًا تحت لهيب الشمس وبرد الشتاء ورطوبة الليل.
هؤلاء هم الرجال الذين عرفتهم قبلك. أعطيتهم الحبّ لعلّ الحبّ يحوّلهم أناسًا حقيقيّين كما في قصص الأطفال. وأعطيتهم الوقت لعلّ عاطفتهم تنضج مع نهاراته ولياليه وتتوّهج تحت شمس العطاء فتزهر وتثمر كما يحصل في قصص المزارعين. وأعطيتهم الحلم لعلّه كالفانوس السحريّ يخرجهم من واقعهم الرتيب كما في قصص ألف ليلة وليلة. غير أنّي لم أطلب منهم شيئًا ولم أنتظر أن يقدّموا شيئًا. كنت أعرف أنّ "خيالات الصحراء" لا تملك حتّى الملابس التي ترتديها والقبعة التي تعتمرها.
أنا لم أطلب شيئًا من أحد إلّا منك: طلبت حبًّا قليلًا رأيتك تغدق منه الكثير على الغرباء عابري الطرق، وطلبت وقتًا قليلًا راقبتك تهدر الكثير منه على الثرثارين الفارغين، وطلبت حلمًا بسيطًا بعدما رأيتك تنثر الوعود والأحلام على المستغلّين الخبثاء.
ولم أنتبه، تحت عنف الرغبة في الأخذ منك وفي غمرة الفرح بأنّك ستهبني ما طلبته، إلى أنّي لم أكن بالنسبة إليك سوى "خيال صحراء" طريف، يزيّن المكان بألوانه الصاخبة، ويثير المخيّلة بنظرات وجهه الغريبة، ثمّ يُترك وحيدًا تحت لهيب الشمس وبرد الشتاء ورطوبة الليل.

الثلاثاء، 7 أبريل 2015

عند حدود الوجود (النصّ الثاني عشر من كتابي رسائل العبور - 2005)


سلفادور دالي


لم أعد أعرف حدود وجودي. تذوب مساحتي في مساحات الآخرين ويصعب عليّ أن أتأكّد من نقاط بدايتي ونهايتي. أجلس في أمكنة أظنّ للحظة أنّها خاصّة بي ولكنّ وجود الآخرين يقتحمها ويسلبني متعة التفرّد بها.
أخرج إلى الشرفة لأشعل سيكارة وأوحي إلى الذين أفترض أنّهم يراقبونني أنّي أنظر إلى أبعد من المبنى المواجه، مع العلم أنّي أرى جيّدًا ما يجري داخل الشقق التي نسي أصحابها أو تناسوا إسدال الستائر على نوافذها. نحاول كلّنا أن نكون عفويّين وطبيعيّين كممثّلين هواة في مشهد بسيط: نمثّل العفويّة حتّى الادّعاء.
في مصعد المبنى، ترافقني مجموعة من الغرباء، يتّخذ كلّ واحد مكانه بناء على اتّفاق مضمر، يتركون بينهم فسحات محايدة كتلك المتّفق عليها في اتّفاقات الهدنة. وفي وقتِ يسود صمت ثقيل يقطعه إيقاع تنفّس أوكركرة معدة خاوية، يمتلئ الواحد برائحة الآخر المفروضة فرضًا رغم أنّهم جميعًا يحاولون الإيحاء بأنّهم يفضّلون أن يمرّوا غير مرئيّين.
أراقب من السيّارة السائقين الذين تشعرهم غرفهم المتحرّكة المصنوعة من الحديد والزجاج بحريّة غريبة. واحد يسرّح شعره، آخر يشعل سيكارة، وآخر يأكل بشراهة، امرأة تضع أحمر الشفاه، رجل يتأكّد من نظافة أسنانه ومنخريه، فتاة تغنّي وترقص على إيقاع موسيقى يبدو أنّها صاخبة، شابّ يتحدّث عبر الهاتف الخلويّ بغضب وانفعال ويداه لا تكفّان عن القيام بالإشارات. كلّهم سعداء بهذا الحيّز من الحريّة والانفراد، كأنّ كلًّا منهم سيّد في مملكته الصغيرة لا يزاحمه آخر على السيادة والسيطرة. أليسوا هم الذين كانوا صامتين أنيقين منضبطين في المصعد؟
ثمّ ألاحق بنظري الغارقين في مياه المسبح، وأحاول أن أكتشف السرّ الذي يجعل الواحد منهم لا يرتطم بالآخر إلّا نادرًا، ولا يعتدي على مساحته بل يحيد عنه تلقائيًّا كلّما بدا له أنّ المسافة بينهما ضاقت. وأتساءل كيف يحترمون في هذه البقعة الضيّقة الحدودَ والمجالات الحيويّة الخاصّة بكلّ منهم مع أنّهم على الطرقات الواسعة يتجاوزون إشارات المرور ويخالفون أنظمة السير ويزاحم بعضهم البعض الآخر. أراقبهم وأنا أعلم أنّ كلّ واحد يراقب الآخر ويعرف لون لباس البحر الذي يرتديه ومستحضر الاسمرار الذي يضعه وعيوب الجسم التي يراها في الآخرين ولا يراها في جسمه.
عندما أصل إلى المقهى أجد أنّ أحدًا سبقني إلى الطاولة التي صارت منذ زمن ملكي ومملكتي. أجلس إلى سواها كي لا أبقى واقفة، فأشعر  بغربة شائكة لا تدعني أرتاح في مقعدي. أنظر إلى محتلّي طاولتي بغضب ولؤم وأؤجّل طلب القهوة منتظرة أن يرحل معتصبو المكان.
أدخل إلى صالة السينما لأهرب إلى عالم آخر. أجلس في العتمة وأفكّر في جانب المقعد الذي يحقّ لي الاتّكاء عليه. هل أميل إلى الجهة اليمنى أم اليسرى؟ هل ثمّة قانون يحدّد الملكيّة الخاصّة في مثل تلك الحالة؟ وماذا أفعل إن اعتدى كلا الجارين على جانبَي المقعد وتركاني في مكاني عاجزة عن الحركة، محرومة من مشاهدة الفيلم.
***
شاغال - فوق الدينة

المدينة هي التي تُشعر وجودي بالتوتّر خوفًا من ذوبانه في وجود الآخرين. ولكن من ناحية أخرى يؤمّن لي ازدحامُها مخبأ حصينًا يحيط بي فيه الآخرون كالجدران الصلبة. ومع أنّي أعرف أنّهم يرونني جيّدًا ويراقبونني بدقّة إلّا أنّ تجاهلهم إياي وادّعاءهم عدم رؤيتي يوفّران لي مساحة ولو ضيّقة من الخصوصيّة المضبوطة. وهذا بالتحديد ما يخيفني في المدينة التي تحاصرني بناسها وسيّاراتها وأبنيتها، ومع ذلك توهمني بأنّي وحيدة ومستقلّة وأملك المقهى والشارع والسيّارة والشرفة. وما دمت أتظاهر باحترام حدود الآخرين فثمّة أمل في أن لا يعتدي أحد، علنًا على الأقلّ، على حدود وجودي الهشّ والمضطرب.
في المدينة يخاف الأغنياء المرتاحون في ثرائهم من نظرات الآخرين إليهم، أمّا الفقير فلا يلاحظ ملابس الفقير الآخر، ولا يخجل من الوسخ المتجمّع تحت أظافره أو من العمل الذي يمارسه. عندما يتعب سائق سيّارة الأجرة العتيقة من الركض وراء الزبون، يركن مركبته في فيء بناء شاهق، ويفتح البابين الأماميّين ليترك للهواء المنعش فرصة المرور وطرد الحرارة. ثمّ يمدّد جسمه الدبق على المقعد وينام غير آبه بالمارين ينظرون إلى قدميه الحافيتين المشقّقتين السوداوين الهاربتين من قسوة الحذاء الضيّق إلى رفاهيّة الشارع العريض.
نظرات الآخرين تريد أن تقتحم ملابسنا الأنيقة والفقير لا يملك سوى عريه، نظرات الآخرين تلاحق خطواتنا اللاهثة خلف المجد والفقيرُ يقعده المرض والجوع. نظرات الآخرين تبحث عن المرئيّين المشعّين، والفقير يقيم على هامش الحياة المظلم.
يعلم الفقير في قرارة نفسه أنّ الناس لا ينظرون إليه. ولا يعنيه إن فعلوا لأنّ الفقر محا وجوده كإنسان وجعله عنصرًا بسيطًا من حالة عامّة يتحدّث عنها علماء الاجتماع ورجال الدين والمسؤولون في الجمعيّات الخيريّة بلغة فيها من الشموليّة ما يجعل الخطاب الاجتماعيّ والدينيّ يتحدّث عن الفقر لا عن الفقير، وعن الجوع لا عن الجائع، وعن المرض لا عن المريض. لقد أذلّ الفقر الإنسان في المدينة لدرجة أنّه لم يعد مهتمًّا بالبحث عن حدود وجوده ولا الدفاع عنها.
***

قبل أن ألتقي بصديقي الجميل، كنت أعتقد أنّ وجود الآخر، قريبًا من حدودي المرسومة في دقّة ووضوح، اعتداء صارخ على عالمي الآمن. ومع تقدّم عمر علاقتنا، سمحت له بالاقتراب كثيرًا من أرضي المزروعة بألغام الشكّ والتردّد وانعدام الثقة بالذات وبالآخر، وزوّدته بخريطة مواقعها المخيفة والمخفيّة لأنّي آمنت بأنّه وحده قادر على تعطيلها وتفكيك صواعقها.
سمحت له؟ في الحقيقة لم يكن الأمر اختياريًّا كما أرغب في الادّعاء، إذ حاولت جاهدة أن أمنعه من اقتحام أرضي البركانيّة الأعماق، ورفعت في وجهه السواتر الترابيّة، ونصبت الحواجز، مرّات لأحميه من الفشل في مهمّة قادت كثيرين قبله إلى التعب فالابتعاد، ومرارًا كي أحمي نفسي من مغامرة الانطلاق خارج حدود رسمتها على قياس وجودي. وها نحن اليوم نواجه الفشل، الفشل الذي يعني ضياع الفرصة الأخيرة بعدما أنهكني تعب الانتظار وضجر العمر، وبعدما فاجأته في كلماتي الخطوط الحادّة بلونيها الأبيض والأسود وأرهقته محاولات تلوينها.
من الغريب أن تقع الهزيمة بعدما اقترب، بسببه ومن أجله، موعد مصالحتي مع العالم والناس والوجود الأكبر من وجودي، وفي وقت تبدو فيه الأمور سهلة المنال بشكل مفاجئ ومخيف، والحياة مبتسمة الابتسامة التي تدعو إلى الريبة والقلق. ولكن أليس هذا موعد الهزيمة؟ حين تبدو الأمور مثاليّة إلى أبعد حدّ، وجميلة إلى أقصى الخيال، وقريبة حتّى أنّك تظنّ أنّه يكفي أن تغمض عينيك حتّى تلتقطها أهدابك الرقيقة. في مثل هذا الوقت الموحي بالاكتمال والتكامل، تعجز أصابعي عن التقاط لحظات وجوده الهارب، كأنّي بعد يوم طويل وممتع على شاطئ البحر بتّ ضعيفة ومستسلمة، حتّى أنّ حفنة الرمل لن تبقى في كفّي أكثر من ثوان وستلاحق عيناي بأسًى تفلّتها وتبعثرها. وهو يريد أن يكون حفنة رمل لا يملكها إلّا الشاطئ ولا تداعبها إلّا المياه ولا تبنى عليها إلّا قصور الأحلام والأوهام. وأنا كنت أريده أن يكون الصخرة التي أبني عليها مملكتي.
لا يحقّ لي الاحتفاظ بمن لم أملك يومًا لحظة من وجوده، ولم أجد الجرأة لاقتحام عالمه الذي أوقفني طويلًا عند بوّابته المرصودة لغير وجهي. لذلك أخاف أن يكون الفشل الذي نتقاسم مسؤوليّة وقوعه نتيجة حتميّة لعلاقةٍ طرفُها الأوّل كَمَن غادر قلاعه المفخّخة وبات خارج أسوارها الحصينة غير خائف من شيء بعدما فقد كلّ شيء، والثاني كسائح غريب مستمتع بجولته بين القلاع والحصون التي هجرها سكّانها وأقاموا في المجهول. 

في فيء جناحيها (النصّ العشرون من كتابي رسائل العبور - 2005)



     لولا تلك الصورة اليتيمة بالأبيض والأسود، لما تذكّرت أنّها كانت ملاكًا ذا جناحين كبيرين. وعبثًا حاولت أن تَدْخل الصورة لتقيم تحت جلد تلك الطفلة البيضاء الجميلة، في الثوب الأبيض الجميل، إلى جانب المذبح الأبيض الجميل. عبثًا حاولت أن تستعيد تلك الحالة الملائكيّة العابرة المحفوظة في ذاكرة الورقة البيضاء والسوداء... غير أنّها لم تيأس من المحاولة.
     لم تكن الفتاة تبتسم، بل بدت كأنّها تنوء تحت ثقل جناحيها والمسؤوليّة الملقاة عليهما، لأنّها ستكون شاهدة على احتفال منظّم مهيب، يشارك فيه عشرات الأولاد الذين لا يكبرونها بكثير، ولا تزيّن أكتافهم أجنحة وارفة. ولم تفهم الطفلة آنذاك كيف تُحرم من المناولة الأولى مع أنّها صاحبة الجناحين والمستحقّة كلّ الاستحقاق أن تتقدّم بلا عيب أو دنس من المذبح الطاهر. ولم تفهم كذلك كيف يُسمح للأولاد الآخرين، وبينهم من شاكسها أو ضربها أو رفض اللعب معها، من الاقتراب من مائدة المذبح بانحناءة رأس واضحة الخداع. وتوعّدتهم في قلبها ووعدت نفسها بأن تكون في حفلة مناولتها الأولى ملاكًا حقيقيًّا، يرفرف بجناحيه الكبيرين فوق رؤوس الجميع.
     لكن عندما حان دورها لم يكن ثمّة احتفال ولا ملائكة ولا ثوب أبيض ولا آلة تصوير. وحيدةً سارت بملابس عاديّة بين جموع المتقدّمين لتناول القربان المقدّس. ثمّ عادت إلى مكانها في الكنيسة، وهي تفكّر لا في ما فعلته للتوّ بل في ما هي مقدمة عليه الليلة...
     الليلةَ ستنام وحدها في المستشفى، وغدًا سوف تخضع لعمليّة جراحيّة طويلة، لا تعرف شيئًا عن تفاصيلها ونتائجها. إنّما تعرف في المقابل أنّ والديها المؤمنَين لم يرضيا أن تذهب ابنتهما إلى المستشفى غير متمّمة واجباتها الدينيّة، وأنّها ستغيب عن المدرسة، وأنّها خائفة جدًّا، وأنّ القربانة البيضاء المستديرة لم تغيّر شيئًا ممّا تشعر به.
     الفتاة التي كانت ملاكًا أبيض جميلًا بكت كثيرًا وصلّت كثيرًا وخافت كثيرًا وحلمت كثيرًا، وكرهت اللون الأبيض الذي يحيط بها من كلّ جانب. وقرّرت أن تنتف جناحيها المصنوعين من الريش، كما تفعل أمّها بالعصافير الصغيرة التي يحبّها والدها مع كأس العرق المسائيّ. فما حاجتها إلى جناحين ما دامت مسمّرة إلى هذا السرير، غير قادرة على العودة إلى البيت حيث أخوتها الصغار يلعبون الآن ويتشاجرون ويشاهدون التلفزيون؟
     في تلك الليلة، كبرت الطفلة التي كانت تبكي وحدها في غرفة غريبة في مستشفى غريب. كبرت تلك التي كانت ذات يوم تجلس وحيدة إلى جانب المذبح، وقرّرت غاضبة ألّا تكون ملاكًا بعد الآن.

الأحد، 5 أبريل 2015

ضيف المدوّنة: الشاعر العراقيّ غابرييل عطو

أنا وكتاب غابرييل عطو: مذكّرات ناسك مجنون - عن دار سائر المشرق


     حين طلب منّي غابرييل عطو قراءة نصوصه لأرى إن كنت تستحقّ النشر، تردّدت. وكان سبب تردّدي معرفتي بطبيعة لغته المتفجّرة كالنهر من جبل إيمانه القويّ؛ وهو إيمانٌ يصارع الشكّ في كلّ لحظة، ويتحدّى العقل كلّما أشرقت شمس الكلمة في رأس شاعرٍ أتى من اختصاص الهندسة إلى مجالات الفلسفة واللاهوت والشعر... تردّدت لأنّني أخشى ألا أفي نصوصه حقّها، وألّا أحسن النصيحة... ومع ذلك، تشجّعتُ وشجّعته!
     في نصوص غابرييل ما يجعلني أخشى عليه من أفكاره، وهو الشاب الذي التزم البحث عن الحقيقة، متخليًّا عن الكثير من أجلها، حتّى ليكاد القارئ لا يصدّق أنّ شابًا في مقتبل العمر يكتب بمثل هذا العمق، وبمثل ذلك العنف، العنف الذي يريد أن يهدم الهيكل على رؤوس المتاجرين بالحقيقة. أخشى عليه من ثقل صليب الفكر والطريق طويل!
     كنت أتمنّى أن أعرف آراء ثلاثة أشخاص في كتابات غابرييل عطو: الأوّل هو المونسنيور ميشال الحايك، رحمه الله. الثاني هو الأستاذ إيلي صليبي، أطال الله عمره وأمدّه بالصحّة والعافية، والثالث هو الدكتورة ناتالي الخوري، أنعم الله علينا بفضل قلمها بمزيد من الإنتاجات الفكريّة الفلسفيّة.
     أمّا السبب الذي جعلني أتمنّى معرفة آراء هؤلاء فهو حاجتنا إلى هذا النوع من الكتابة الذي يجمع بين العلم والإيمان، بين المنطق والشغف، بين الفلسفة والدين، بين اللاهوت والشعر... والمونسنيور الحايك كان وسيبقى مدرسةً في هذا النوع الأدبيّ، والأستاذ صليبي وصل في عمق تأمّلاته إلى حيث يصعب علينا جميعًا الوصول، والدكتورة الخوري دارسة ناقدة نفذت إلى عالم الحايك وصليبي وصارت قادرة على وضع أسس لتيّار أدبيّ يحترم تجربتهما ويضيف إليها.
     وإن كان الموت يمنع الكاهن الشاعر من تقييم تجربة عطو، فالبركة في أديبين (صليبي والخوري) جمعتهما الكلمة رغمًا عن مسيرة العمر.
     صناعة الأديب رسالةٌ سمويّة، وكلّنا مدعوون إلى وليمة الكلمة: إعدادًا، ونقدًا، وتنقيحًا، وتسويقًا... وقراءة!

      وهذا نموذج من أسفار باكورة غابرييل عطو الشعريّة/ الروحيّة، التأمليّة، الفلسفيّة...   

سِفر الرؤيا 

حولي من المجانين ما يكفي كي أصبح مجنونًا
لهذا فإنّ الجنون يتجوّل حرًّا في عقلي دون قلق
لهذا اعتبروني مجنونًا وتعاملوا معي...
لأنّ الأمور ستكون أسهل عليكم بكثير
المجنون يبعد خطوة واحدة عن المقدَّس
والعاقل يبتعد آلاف الأكوان عن المجنون
سيأتي يوم يُرجم فيه من يقدّم الصلاة للمقدّس
سيأتي يوم يرى كلّ شخص فيه الفضيلة التي تناسبه
وكأنّه هو مصدر الفضيلة
سيأتي يوم تختار الثمرةُ الأرضَ التي تقع عليها
سيأتي يوم تصبح فيه كلّ دور العبادة مصحّات عقليّة
سيأتي يوم نصبح فيه مدينين للحزن بكلّ فرحنا
لماذا لا توجد ساعة على شكل خطّ متعرّج؟

العالم بُحيرة راكدة وأنا حجر ملقى في هذه البحيرة
يقودني تمثال أعمى يتجادل معي على ضرورة الشكّ
من يعطي نصف الشيء... يعطي في الوقت نفسه
نصفَ اللاشيء أيضًا

المملكة لن تعرف نفسها والملك سيكون أوّل المنتحرين
تلك المملكة التي تترك عقلها عند البوّابة في الزاوية اليمنى غالبًا
أن يكون لك عقل في المملكة فهذا شيء حسن
لكن أن تستعمله... فهذا شيء قاتل
العاقل في المملكة... غالبًا لا يستعمل عقله
كلّ الحكماء في المملكة يجدّفون ضدّ العقل
فقولهم لولا هذا العقل... لما كانوا بهذا الشكّ

إنّ قيمة الحكمة في المملكة تنبع من قيمة الطاعة
لا من قيمة العقل
إنّ العقل في الرؤيا يمثّل مهرجانًا من المرايا فقط
إنّ العقل يعيش في عمق المحيط
كي يموت كلّ من يحاول الوصول إليه
تستطيع الرؤيا أن تتخيّل العقل... لكن، كما تريده هي

في الرؤيا لا تستطيع أن تفرّق بين إن كنت تحلم
أو إن كنت أنت الحلم
في الرؤيا لا يمكنك أن تعرف أحدًا
لذلك لا تخشَ أن تنسى أحدًا

في الرؤيا يمكنك أن تخاف من كلّ شيء إلّا من الخوف
في الرؤيا لا يوجد شيء يتّسع لكلّ شيء... حتّى الفردوس
الغابة تبحث عن شجرة
كما تبحث الساعة عن لحظة ضائعة
من الأفضل أن يُكسر وجه الماء
كي لا يرى العقل نفسه هناك
فإن رآه أحسّ بألم وجوده
ولن يعود بمقدوره أن يقضي قيلولته كما يريد

إنّ العقل في الرؤيا يجد نفسه حين يلغيها
إنّ العقل في الرؤيا لا يعيش إلّا إذا قتل نفسه
في الرؤيا لا يمكنك أن تخلق إلّا نفسك
في الرؤيا لا تعرف مصدر النور أو الظلام
أحيانًا لا أعرف كيف أعبّر عن شيء
لا تعرف الرؤيا التعبير عنه
أحيانًا نفضّل أنا والعقل أن لا نتحدّث
وإن كان لا بدّ من ذلك... فبلغات غريبة عن كلينا

متى ما رأينا الرؤيا... شاهدناها تحمل ساعة رمليّة في كلتا يديها
وتمشي على حبلٍ... إن انقطع
انقطع معه كلّ مجهول نعمل كلّ شيء لأجله

العقل والرؤيا عدوّا بعضهما وفي الوقت نفسه هما ضدّ العالم كلّه
الرؤيا هنا أو هناك... تبشّر بما لا يطاق
سيبقى الإنسان يقرأ هذه الكلمات طالما وُجد العقل
فإن مات العقل... ماتت هذه الكلمات!