الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الثلاثاء، 7 أبريل 2015

عند حدود الوجود (النصّ الثاني عشر من كتابي رسائل العبور - 2005)


سلفادور دالي


لم أعد أعرف حدود وجودي. تذوب مساحتي في مساحات الآخرين ويصعب عليّ أن أتأكّد من نقاط بدايتي ونهايتي. أجلس في أمكنة أظنّ للحظة أنّها خاصّة بي ولكنّ وجود الآخرين يقتحمها ويسلبني متعة التفرّد بها.
أخرج إلى الشرفة لأشعل سيكارة وأوحي إلى الذين أفترض أنّهم يراقبونني أنّي أنظر إلى أبعد من المبنى المواجه، مع العلم أنّي أرى جيّدًا ما يجري داخل الشقق التي نسي أصحابها أو تناسوا إسدال الستائر على نوافذها. نحاول كلّنا أن نكون عفويّين وطبيعيّين كممثّلين هواة في مشهد بسيط: نمثّل العفويّة حتّى الادّعاء.
في مصعد المبنى، ترافقني مجموعة من الغرباء، يتّخذ كلّ واحد مكانه بناء على اتّفاق مضمر، يتركون بينهم فسحات محايدة كتلك المتّفق عليها في اتّفاقات الهدنة. وفي وقتِ يسود صمت ثقيل يقطعه إيقاع تنفّس أوكركرة معدة خاوية، يمتلئ الواحد برائحة الآخر المفروضة فرضًا رغم أنّهم جميعًا يحاولون الإيحاء بأنّهم يفضّلون أن يمرّوا غير مرئيّين.
أراقب من السيّارة السائقين الذين تشعرهم غرفهم المتحرّكة المصنوعة من الحديد والزجاج بحريّة غريبة. واحد يسرّح شعره، آخر يشعل سيكارة، وآخر يأكل بشراهة، امرأة تضع أحمر الشفاه، رجل يتأكّد من نظافة أسنانه ومنخريه، فتاة تغنّي وترقص على إيقاع موسيقى يبدو أنّها صاخبة، شابّ يتحدّث عبر الهاتف الخلويّ بغضب وانفعال ويداه لا تكفّان عن القيام بالإشارات. كلّهم سعداء بهذا الحيّز من الحريّة والانفراد، كأنّ كلًّا منهم سيّد في مملكته الصغيرة لا يزاحمه آخر على السيادة والسيطرة. أليسوا هم الذين كانوا صامتين أنيقين منضبطين في المصعد؟
ثمّ ألاحق بنظري الغارقين في مياه المسبح، وأحاول أن أكتشف السرّ الذي يجعل الواحد منهم لا يرتطم بالآخر إلّا نادرًا، ولا يعتدي على مساحته بل يحيد عنه تلقائيًّا كلّما بدا له أنّ المسافة بينهما ضاقت. وأتساءل كيف يحترمون في هذه البقعة الضيّقة الحدودَ والمجالات الحيويّة الخاصّة بكلّ منهم مع أنّهم على الطرقات الواسعة يتجاوزون إشارات المرور ويخالفون أنظمة السير ويزاحم بعضهم البعض الآخر. أراقبهم وأنا أعلم أنّ كلّ واحد يراقب الآخر ويعرف لون لباس البحر الذي يرتديه ومستحضر الاسمرار الذي يضعه وعيوب الجسم التي يراها في الآخرين ولا يراها في جسمه.
عندما أصل إلى المقهى أجد أنّ أحدًا سبقني إلى الطاولة التي صارت منذ زمن ملكي ومملكتي. أجلس إلى سواها كي لا أبقى واقفة، فأشعر  بغربة شائكة لا تدعني أرتاح في مقعدي. أنظر إلى محتلّي طاولتي بغضب ولؤم وأؤجّل طلب القهوة منتظرة أن يرحل معتصبو المكان.
أدخل إلى صالة السينما لأهرب إلى عالم آخر. أجلس في العتمة وأفكّر في جانب المقعد الذي يحقّ لي الاتّكاء عليه. هل أميل إلى الجهة اليمنى أم اليسرى؟ هل ثمّة قانون يحدّد الملكيّة الخاصّة في مثل تلك الحالة؟ وماذا أفعل إن اعتدى كلا الجارين على جانبَي المقعد وتركاني في مكاني عاجزة عن الحركة، محرومة من مشاهدة الفيلم.
***
شاغال - فوق الدينة

المدينة هي التي تُشعر وجودي بالتوتّر خوفًا من ذوبانه في وجود الآخرين. ولكن من ناحية أخرى يؤمّن لي ازدحامُها مخبأ حصينًا يحيط بي فيه الآخرون كالجدران الصلبة. ومع أنّي أعرف أنّهم يرونني جيّدًا ويراقبونني بدقّة إلّا أنّ تجاهلهم إياي وادّعاءهم عدم رؤيتي يوفّران لي مساحة ولو ضيّقة من الخصوصيّة المضبوطة. وهذا بالتحديد ما يخيفني في المدينة التي تحاصرني بناسها وسيّاراتها وأبنيتها، ومع ذلك توهمني بأنّي وحيدة ومستقلّة وأملك المقهى والشارع والسيّارة والشرفة. وما دمت أتظاهر باحترام حدود الآخرين فثمّة أمل في أن لا يعتدي أحد، علنًا على الأقلّ، على حدود وجودي الهشّ والمضطرب.
في المدينة يخاف الأغنياء المرتاحون في ثرائهم من نظرات الآخرين إليهم، أمّا الفقير فلا يلاحظ ملابس الفقير الآخر، ولا يخجل من الوسخ المتجمّع تحت أظافره أو من العمل الذي يمارسه. عندما يتعب سائق سيّارة الأجرة العتيقة من الركض وراء الزبون، يركن مركبته في فيء بناء شاهق، ويفتح البابين الأماميّين ليترك للهواء المنعش فرصة المرور وطرد الحرارة. ثمّ يمدّد جسمه الدبق على المقعد وينام غير آبه بالمارين ينظرون إلى قدميه الحافيتين المشقّقتين السوداوين الهاربتين من قسوة الحذاء الضيّق إلى رفاهيّة الشارع العريض.
نظرات الآخرين تريد أن تقتحم ملابسنا الأنيقة والفقير لا يملك سوى عريه، نظرات الآخرين تلاحق خطواتنا اللاهثة خلف المجد والفقيرُ يقعده المرض والجوع. نظرات الآخرين تبحث عن المرئيّين المشعّين، والفقير يقيم على هامش الحياة المظلم.
يعلم الفقير في قرارة نفسه أنّ الناس لا ينظرون إليه. ولا يعنيه إن فعلوا لأنّ الفقر محا وجوده كإنسان وجعله عنصرًا بسيطًا من حالة عامّة يتحدّث عنها علماء الاجتماع ورجال الدين والمسؤولون في الجمعيّات الخيريّة بلغة فيها من الشموليّة ما يجعل الخطاب الاجتماعيّ والدينيّ يتحدّث عن الفقر لا عن الفقير، وعن الجوع لا عن الجائع، وعن المرض لا عن المريض. لقد أذلّ الفقر الإنسان في المدينة لدرجة أنّه لم يعد مهتمًّا بالبحث عن حدود وجوده ولا الدفاع عنها.
***

قبل أن ألتقي بصديقي الجميل، كنت أعتقد أنّ وجود الآخر، قريبًا من حدودي المرسومة في دقّة ووضوح، اعتداء صارخ على عالمي الآمن. ومع تقدّم عمر علاقتنا، سمحت له بالاقتراب كثيرًا من أرضي المزروعة بألغام الشكّ والتردّد وانعدام الثقة بالذات وبالآخر، وزوّدته بخريطة مواقعها المخيفة والمخفيّة لأنّي آمنت بأنّه وحده قادر على تعطيلها وتفكيك صواعقها.
سمحت له؟ في الحقيقة لم يكن الأمر اختياريًّا كما أرغب في الادّعاء، إذ حاولت جاهدة أن أمنعه من اقتحام أرضي البركانيّة الأعماق، ورفعت في وجهه السواتر الترابيّة، ونصبت الحواجز، مرّات لأحميه من الفشل في مهمّة قادت كثيرين قبله إلى التعب فالابتعاد، ومرارًا كي أحمي نفسي من مغامرة الانطلاق خارج حدود رسمتها على قياس وجودي. وها نحن اليوم نواجه الفشل، الفشل الذي يعني ضياع الفرصة الأخيرة بعدما أنهكني تعب الانتظار وضجر العمر، وبعدما فاجأته في كلماتي الخطوط الحادّة بلونيها الأبيض والأسود وأرهقته محاولات تلوينها.
من الغريب أن تقع الهزيمة بعدما اقترب، بسببه ومن أجله، موعد مصالحتي مع العالم والناس والوجود الأكبر من وجودي، وفي وقت تبدو فيه الأمور سهلة المنال بشكل مفاجئ ومخيف، والحياة مبتسمة الابتسامة التي تدعو إلى الريبة والقلق. ولكن أليس هذا موعد الهزيمة؟ حين تبدو الأمور مثاليّة إلى أبعد حدّ، وجميلة إلى أقصى الخيال، وقريبة حتّى أنّك تظنّ أنّه يكفي أن تغمض عينيك حتّى تلتقطها أهدابك الرقيقة. في مثل هذا الوقت الموحي بالاكتمال والتكامل، تعجز أصابعي عن التقاط لحظات وجوده الهارب، كأنّي بعد يوم طويل وممتع على شاطئ البحر بتّ ضعيفة ومستسلمة، حتّى أنّ حفنة الرمل لن تبقى في كفّي أكثر من ثوان وستلاحق عيناي بأسًى تفلّتها وتبعثرها. وهو يريد أن يكون حفنة رمل لا يملكها إلّا الشاطئ ولا تداعبها إلّا المياه ولا تبنى عليها إلّا قصور الأحلام والأوهام. وأنا كنت أريده أن يكون الصخرة التي أبني عليها مملكتي.
لا يحقّ لي الاحتفاظ بمن لم أملك يومًا لحظة من وجوده، ولم أجد الجرأة لاقتحام عالمه الذي أوقفني طويلًا عند بوّابته المرصودة لغير وجهي. لذلك أخاف أن يكون الفشل الذي نتقاسم مسؤوليّة وقوعه نتيجة حتميّة لعلاقةٍ طرفُها الأوّل كَمَن غادر قلاعه المفخّخة وبات خارج أسوارها الحصينة غير خائف من شيء بعدما فقد كلّ شيء، والثاني كسائح غريب مستمتع بجولته بين القلاع والحصون التي هجرها سكّانها وأقاموا في المجهول. 

هناك 5 تعليقات:

Ramy يقول...

أزاي حضرتك (:

أنا هعلق من أخر جزء

قريته أكتر من مرة

لأنى كُنت بأسرح مع كلامه فى كل مرة بفتكر حاجات كتير مش عاوز أفتكرها برغم أنها فى ذاكرتى و فكرى دايما و بحاول اهرب منها للأسف

يمكن الجزء دة بيفكرنى بجزء منه بحب كنت أتمنى يكمل لكن مع الأسف بقى خلاص مش مشكلة

و جزء بفكرنى بحب تانى انا لو حاكيته و هو اساسا مينفعش احكيه لأنه مينفعش يتحكى ناس كتير مش هتفهم او هتكرهنى بس برضه مفيش مشكلة

عارفه بقيت بخاف اقرا عند حضرتك من كتر ما الكلام المكتوب بقى بيحفر فى حاجات جوايا أرجو متزعليش منى انا مقصدش شيىء سلبى بدة

أو يمكن أنا فى أضعف لحظاتى اللى بمر بيها

انا اسف على ان ممكن يكون تعليقى سخيف او ضايقك بس حقيقى كنت محتاج أتكلم و مش عارف فين و لا لمين

ارجو تقبل أعتذارى

..................

اما لأجزاء الأولى

فهى الخصوصية هى حلم جميل بعيد المنال لكل من يبحث عن خلوة مع نفسه

حتى فى البيت مش لاقى الخصوصبة

بالنسبة للسينما انا أحب الذهاب وحدى بدون رفقه

و انتظر بداية الفيلم و اقوم لمكان اخر خالى من الناس لأستمع للفيلم ليس لأسمع احاديث الناس اللذين لا يتذكرون الكلام إلا مع بداية الفيلم

...............

أسف لطول التعليق و أسف لو كنت كئيب و سخيف

أسف جدا ً

ماري القصيفي يقول...

يا رامي ما من سخف في ما عبّرت عنه، الكآبة جزء من حياتنا اليوميّة، وكيف لا نكون كذلك في ظلّ ما نحن فيه، أضف إليه الوضع الخاصّ لكلّ منّا.
أشكرك على ثقتك وبوحك، وأقدّر كلماتك وعاطفتك وتفاعلك مع نصوصي!
إن كنت تريد ألّا أنشر تعليقاتك فالرجاء أن تعلمني بذلك، فتبقى لها خصوصيتها عندي.
لكن تأكّد أنّ ما يؤلمك عندما تقرأه يعني أنّه كان يؤلمني عندما كتبته

مودّتي وتمنياتي لك بالخير والسعادة

عابدالقادر الفيتوري يقول...

هل تكفي العزلة لمنع اختراق المجال الحيوي ؟ وهل ذلك ممكن ؟..بين لحظة صد ، ولحظة قبول ، تتأرجح المسافات وتتداخل الحدود ، وكما في حال المصعد والحيز المكاني المحدود المفروض .. دائما تمة زوايا حرجة ، مليئة بالتوتر ومنذرة بالصدام .. لك مودتي ايتها الرائعة ..

ماري القصيفي يقول...

ما دمنا نفكّر فلا مجال للعزلة، نحمل هموم الناس والعالم إلى حيث نكون.
لا خلاص إلّا بالفنّ والعلم وكلاهما مضطهد في بلادنا!
تحيّتي الصادقة!

ميشال مرقص يقول...


في مثل هذا الوقت الموحي بالاكتمال والتكامل...

هذه أنتِ... إكتمال وتكامل