الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الثلاثاء، 7 أبريل، 2015

في فيء جناحيها (النصّ العشرون من كتابي رسائل العبور - 2005)



     لولا تلك الصورة اليتيمة بالأبيض والأسود، لما تذكّرت أنّها كانت ملاكًا ذا جناحين كبيرين. وعبثًا حاولت أن تَدْخل الصورة لتقيم تحت جلد تلك الطفلة البيضاء الجميلة، في الثوب الأبيض الجميل، إلى جانب المذبح الأبيض الجميل. عبثًا حاولت أن تستعيد تلك الحالة الملائكيّة العابرة المحفوظة في ذاكرة الورقة البيضاء والسوداء... غير أنّها لم تيأس من المحاولة.
     لم تكن الفتاة تبتسم، بل بدت كأنّها تنوء تحت ثقل جناحيها والمسؤوليّة الملقاة عليهما، لأنّها ستكون شاهدة على احتفال منظّم مهيب، يشارك فيه عشرات الأولاد الذين لا يكبرونها بكثير، ولا تزيّن أكتافهم أجنحة وارفة. ولم تفهم الطفلة آنذاك كيف تُحرم من المناولة الأولى مع أنّها صاحبة الجناحين والمستحقّة كلّ الاستحقاق أن تتقدّم بلا عيب أو دنس من المذبح الطاهر. ولم تفهم كذلك كيف يُسمح للأولاد الآخرين، وبينهم من شاكسها أو ضربها أو رفض اللعب معها، من الاقتراب من مائدة المذبح بانحناءة رأس واضحة الخداع. وتوعّدتهم في قلبها ووعدت نفسها بأن تكون في حفلة مناولتها الأولى ملاكًا حقيقيًّا، يرفرف بجناحيه الكبيرين فوق رؤوس الجميع.
     لكن عندما حان دورها لم يكن ثمّة احتفال ولا ملائكة ولا ثوب أبيض ولا آلة تصوير. وحيدةً سارت بملابس عاديّة بين جموع المتقدّمين لتناول القربان المقدّس. ثمّ عادت إلى مكانها في الكنيسة، وهي تفكّر لا في ما فعلته للتوّ بل في ما هي مقدمة عليه الليلة...
     الليلةَ ستنام وحدها في المستشفى، وغدًا سوف تخضع لعمليّة جراحيّة طويلة، لا تعرف شيئًا عن تفاصيلها ونتائجها. إنّما تعرف في المقابل أنّ والديها المؤمنَين لم يرضيا أن تذهب ابنتهما إلى المستشفى غير متمّمة واجباتها الدينيّة، وأنّها ستغيب عن المدرسة، وأنّها خائفة جدًّا، وأنّ القربانة البيضاء المستديرة لم تغيّر شيئًا ممّا تشعر به.
     الفتاة التي كانت ملاكًا أبيض جميلًا بكت كثيرًا وصلّت كثيرًا وخافت كثيرًا وحلمت كثيرًا، وكرهت اللون الأبيض الذي يحيط بها من كلّ جانب. وقرّرت أن تنتف جناحيها المصنوعين من الريش، كما تفعل أمّها بالعصافير الصغيرة التي يحبّها والدها مع كأس العرق المسائيّ. فما حاجتها إلى جناحين ما دامت مسمّرة إلى هذا السرير، غير قادرة على العودة إلى البيت حيث أخوتها الصغار يلعبون الآن ويتشاجرون ويشاهدون التلفزيون؟
     في تلك الليلة، كبرت الطفلة التي كانت تبكي وحدها في غرفة غريبة في مستشفى غريب. كبرت تلك التي كانت ذات يوم تجلس وحيدة إلى جانب المذبح، وقرّرت غاضبة ألّا تكون ملاكًا بعد الآن.

هناك تعليق واحد:

ميشال مرقص يقول...


في تلك الليلة ... طاف الجناحان في مدارات لا تنتهي جمالياتها ...