الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الأربعاء، 8 أبريل، 2015

خيالات الصحراء (النصّ الخامس من كتابي رسائل العبور - 2005)



خيالات الصحراء 
نصّ من وحي الخيال وكلّ تشابه مع أشخاص حقيقيّين محض صدفة

1- أحبّني مرّة رجل متزوّج. كان يقول إنّي أفضل حدث في حياته، ويشكو وينوح، على عادة المتزوّجين الذين هم دائمًا تعساء، ويطالبني بالكثير من الحنان والتفهّم و"تقدير الظروف".
دعاني يوم اشترى سيّارة جديدة كي أكون أوّل من يجلس فيها إلى جانبه. ثمّ أخبرني في فرح بريء أنّ زوجته حامل وأنّه أراد أن يقاسمني فرحه. فاكتشفت أنّ خوفه من زوجته أكبر من حبّه لي، وأنّ حبّه لنفسه أعمق من عاطفته تجاهي، وأنّ طموحه الشخصيّ أكثر طغيانًا من أيّ رغبة تنتابه تجاهي.
تركته لئلّا أعكّر الهدوء في منزله ولئلّا أكون سببًا في تحديد نسلٍ لا يجوز إلّا أن يتكاثر.


***


2- وأحبّني مرّة رجل من غير طائفتي. كان يقول إنّه لم يعرف الحبّ إلّا عندما التقاني، وقبلي لم يكن مشغولًا إلّا بالقضايا الوطنيّة. وكان يدعو إلى العلمنة والثورة والتحرّر وقيام المجتمع المدنيّ، ويغضب من حيرتي وجبني وتخاذلي، وهي الصفات التي أطلقها على تردّدي أمام شلّال عاطفته الهادر، ما دفعني إلى التفكير في تنفيذ عمليّة استشهاديّة قد تجعله فخورًا بوطنيّتي وبطولتي وتزيل أفكاره "السيّئة" عنّي.
كاد يوافق...
إلّا أنّي اكتشفت أنّه يشي بأسماء رفقائه ويخون حزبه.
فتركته ليمارس طقوس جبنه أمام امرأة اختارتها له أمّه، لعلّه ينجب المزيد من الجبناء.

***


3- ثمّ أحبّني معوّق أصيب في الحرب. كان يقول إنّه يحبني في عمق من عرف الألم والمعاناة. فرسمت له الطرقات فسحات أمل، وكتبت له شعرًا ينسيه قسوة القتل والتدمير. لكنّه صار يغار ويسأل عمّن أكتب، ويعاتب ويشتم ويلبسني تهم العهر والخيانة، ويحمّلني مسؤوليّة تعويض ما دفعه من جسمه ثمنًا لحرّيتنا وكرامتنا أمام جيوش الأعداء.
تركته يجترّ حزنه وغضبه، ورحلت متمنيّة أن تقوم وزارة الشؤون الاجتماعيّة بما عجزت عن القيام به.

***

4- ومرّة أحبّني رجل مطلّق. كان يقول إنّه يحبّني حبّ من تعرّض للخيانة، ولا يمكن أن يعرّض سواه لها.
قلت في نفسي: هذا لا يعتبر متزوّجًا وبالتالي ستكون التجربة مختلفة.
كان يحبّ الصحافة والأدب بيد أنّه كان عاجزًا عن كتابة حرف يدخله عالميهما. فحييت طموحه وكتبت له المقالات وصغت بالنيابة عنه المقابلات فيوقّعها باسمه ويفاخر بها، حتّى وصل به الأمر إلى إطلاق نظريّات تتعلّق بالكتابة والتأليف.
وفجأة اكتشف أنّ المنزل الذي تنازل عنه لطليقته في مقابل حريّته صار يساوي أضعاف أضعاف ثمنه، بعدما قرّرت شركة عقاريّة كبيرة شراء المبنى. فعاد إليها مستغفرًا نادمًا، واعتزل الكتابة. حوّل طموحه في اتّجاه آخر ورحل، فنجا الأدب من حشرة سامّة كادت تضاف إلى الحشرات التي تلوّث صفحاته.

***

5- وأحبّني رجل خمسينيّ فقد عائلته في الحرب، وعاش وحيدًا يبحث عن الحبّ والحنان ويهرب من الحبّ والحنان.
ظننت أنّه شفي من خوفه حين اعترف لي بالحبّ. صدّقته وحضّرت نفسي لعطاءات تعوّض على الرجل سنيّ الحرمان والوحدة، وتزيل عنه آثار الموت والبكاء وتحيطه بعائلة جديدة يحبّها وتحبّه.
بيد أنّه اكتشف فجأة أنّنا في لبنان، والبلد على كفّ عفريت، والتاريخ شاهد على معارك وثورات وحروب لا تنتهي، وقد تتجدّد الأزمة، وهو ليس مستعدًّا لمواجهة خسارة جديدة، فهرب وهو يتحدّث عن حبّه الأبديّ لي.
تركته يسعى إلى بناء حياة "طبيعيّة": مواعيد العمل تلاحقه ويلاحقها، ووجوه مبتسمة في صور قديمة تحاصره، ومنزل فارغ يكره برودة جدرانه، والسيّد مقتنع بأنّه يعيش حياة "طبيعيّة".

***

6- ثمّ أحبّني شابّ استغرقته دراسته الجامعيّة في كليّة الطبّ سنوات طويلة. كنت خلالها أعمل وأساعده لكي ينصرف إلى الدراسة من دون أن تعكّر أجواء اجتهاده أيُّ أعباء ماديّة أو معنويّة.
وحين اقترب موعد الحسم، انتبه وهو الطبيب العالم المتقدّم إلى امتحانه النهائيّ، إلى أنّني تقدّمت في السنّ وانخفضت عندي نسبة الخصوبة. ومن الأفضل لكلينا – هكذا قال – ألّا نجازف بزواج قد يحرمني من الأمومة أو قد يعرّض الأولاد المنتظرين لإعاقة ما. فرحل معتذرًا ومعترفًا أمام نفسه وأمام الله أنّه لم يجد فتاة طيّبة مثلي.
ولكن من يجدّ يجد، ولقد وجد الطبيب "الإنسانيّ" من هي "أطيب" منّي بكثير، وقادرة بطيبتها على فتح عيادة في أجمل منطقة في بيروت.


***

7- وأحبّني شابّ أصغر منّي سنًّا. كان يقول إنّه يعبد الأرض التي أمشي عليها.
قلت: ربّما هو لم يُصب بلوثة الغباء والجبن. وقد يكون أفضل من الكبار الذي صلب عودهم.
كان صغير السنّ، ويتصرّف كالرجال فأحببت هذه المحاولات التي كانت تأخذ منه جهدًا جديًّا، ورضيت أن أصغر أمامه ليكبر هو، وقبلت أن أعود طفلة ليزداد هو رجولة. ولكنّه حين كبر فعلًا، حين صار رجلًا، بدأ يتصرّف كالأطفال، وأصبحت هوايته المفضّلة تحطيم ما تطاله يداه.
ثمّ تركني ليمارس رجولته الحديثة مع لعبة شقراء، استهواه شعرها الطويل، ودوّخه نهداها المتعاليان وأغراه صمتها الأبله. وحين سألتقي بأولادهما صدفة سأعرفهم من شعرهم الشقر وعيونهم التائهة ورغبتهم في تحطيم الألعاب.

***

سبع مرّات تراءى لي الحبّ في شكل رجال منتصبين في عناد تحت لهيب الشمس وبرد الشتاء ورطوبة الليل. أذرعهم ممدودة إلى جوانب أجسامهم تنتظر أن أدنو منها كي تحيطني بحنانها. ولكنّي حين اقتربت منهم وجدتهم "خيالات صحراء" لا حول لها ولا قوّة ولا قدرة على لفّ أذرعها حولي ولو رغبت. رجال بلا أعضاء، عيونهم ذابلة وملابسهم من مخلّفات رجال آخرين، وأحشاؤهم فارغة إلّا من القشّ والخِرق العتيقة. يريدون أن يصيروا رجالًا حقيقيّين ولا يستطيعون، فتراجعتُ خائبة لئلّا أشهد تفكّكهم واحدًا واحدًا تحت لهيب الشمس وبرد الشتاء ورطوبة الليل.
هؤلاء هم الرجال الذين عرفتهم قبلك. أعطيتهم الحبّ لعلّ الحبّ يحوّلهم أناسًا حقيقيّين كما في قصص الأطفال. وأعطيتهم الوقت لعلّ عاطفتهم تنضج مع نهاراته ولياليه وتتوّهج تحت شمس العطاء فتزهر وتثمر كما يحصل في قصص المزارعين. وأعطيتهم الحلم لعلّه كالفانوس السحريّ يخرجهم من واقعهم الرتيب كما في قصص ألف ليلة وليلة. غير أنّي لم أطلب منهم شيئًا ولم أنتظر أن يقدّموا شيئًا. كنت أعرف أنّ "خيالات الصحراء" لا تملك حتّى الملابس التي ترتديها والقبعة التي تعتمرها.
أنا لم أطلب شيئًا من أحد إلّا منك: طلبت حبًّا قليلًا رأيتك تغدق منه الكثير على الغرباء عابري الطرق، وطلبت وقتًا قليلًا راقبتك تهدر الكثير منه على الثرثارين الفارغين، وطلبت حلمًا بسيطًا بعدما رأيتك تنثر الوعود والأحلام على المستغلّين الخبثاء.
ولم أنتبه، تحت عنف الرغبة في الأخذ منك وفي غمرة الفرح بأنّك ستهبني ما طلبته، إلى أنّي لم أكن بالنسبة إليك سوى "خيال صحراء" طريف، يزيّن المكان بألوانه الصاخبة، ويثير المخيّلة بنظرات وجهه الغريبة، ثمّ يُترك وحيدًا تحت لهيب الشمس وبرد الشتاء ورطوبة الليل.

هناك 6 تعليقات:

عابدالقادر الفيتوري يقول...

صحراء مقفرة ، لا تنبت الكلا ،اختيار التجوال بها ، والبحث عن ما تقتات بين القفار ، مغامرة محفوفة بالمخاطر .. الكلا حيث يوجد الماء .رائع ما خط قلمك الدليق .. ولابد ان تمة نهر هناك .. طرف الصحراء..

ماري القصيفي يقول...

شكرًا على المرور والإضافة، أقدّر ذلك وأنت تعاني ما تعانيه على الصعيد العام وعلى الصعيد الصحيّ! أتمنّى لك الخير، كلّ الخير وأنتظر معك دفق الحياة في عروقنا والشرايين وفي بلادنا التي طال ظمأها للحبّ والحريّة!

sahara يقول...


سبعة نماذج ذكورية تتلفع نهم الصحراء و تستوحش تقلبات رمالها المتحركات

لست ادري هل على كل الذكور ممن يمر على هذا النص ان يصلب على رقم يجد فيه شبيهه


سيدتي
شكرا على هذا الرواق الذي اجاد قراءة الاقنعة الحربائية بابعاد لا تلحق ابدا


تقدير و اجلال

ماري القصيفي يقول...

sahara
كلّنا نختبئ خلف أقنعة
المجتمع علّمنا ذلك
الأديان فعلت الأمر نفسه حين نأى بها الناس عن الجوهر

أهلًا بك في كلّ مرور وإضافة
كلماتك تغني النصّ
مودّتي

ميشال مرقص يقول...


يعبرُ الحبُّ بوجوه مختلفة لأنّه مثل كوكب القمر ... ولا يكتمل إلاّ متى كان مطلقًا ... هو يأتي ...

ميشال مرقص يقول...


أجمل ما قرأت اليوم

يجب أن نعيش فنّنا وليس حياتنا...

نحنُ جزرٌ