الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الأحد، 12 أبريل، 2015

وعد الألوهة ( النصّ الثامن من كتابي رسائل العبور - 2005)



     يظنّ الناس أنّي لا أعرف كيف أكتب عن الفرح والسعادة والضحك والابتسامة، أو كيف ألوّن الأوراق البيضاء بغير الحبر الأسود. ويعتقد الناس أنّي لا أرى في العيون إلّا الحزن، ولا أسمع من الأصوات إلّا النحيب والأنين، ولا أعترف إلّا بالألم والمرض والشرّ والموت.
     قد يكون ذلك صحيحًا! 
     ولكنّ الناس لم ينتبهوا إلى أنّي لا أفعل ذلك إلّا عندما تكون غائبًا!

     وعندما أتحدّث عن غيابك، لا أعني ابتعادك أو رحيلك أو سفرك أو عبورك، بل أقصد غيابك في الحضور، أن تكون موجودًا وغير مهتمّ إلّا بوجودك، أن تكون حاضرًا في حين يغيب أيّ حضور آخر في حضرة غيابك، أن تسأل من دون أن تنتظر الجواب، أن تتكلّم فيخشع المستمعون، أن تنظر إلى الدمعة ثمّ تعطي دروسًا في الصبر، أن تشاهد فورة الغضب ثمّ تلقي محاضرة في حسن التصرّف، أن تسمع صراخ الاستغاثة ثمّ تسأل المستغيث إن كان يريد أحدًا معيّنًا لإنقاذه لتتصل به.
     أمام هذا الغياب الذي يصيبك في مواسم معيّنة، يبدو العالم كلّه غارقًا في بحيرة نفط عائمة وسط المحيط!
     وكيف ينسى الناس الذين يسألون عنك، ويلاحقون خطّ الكلمات لعلّه يوصلهم إليك، ما كتبته عنك أيّام كانت الكتابة عنك تفتح الأبواب وتشرّعها على الماضي، لتغرفَ منه ذكريات تداعب القلب فيرقص فرحًا، وتمدّ جسورًا نحو مستقبل يثير الخيال ويشيع جوًّا من السكينة والأمان؟

    نظرتْ إليّ الفتاة الصغيرة التي عرفتُها من صورها السوداء والبيضاء، وعاتبتني في حنان قائلة: لم تكوني هكذا!
     كنتُ متّكئة على جانبي الأيسر حين شعرتُ بحركةٍ خفيفة إلى جانب السرير، فتحت عينيّ المتعبتين فرأيتها. كانت بيضاء وجميلة وسعيدة، فعرفت فورًا أنّي أعرفها، ولكنّ الدهشة من وجودها قرب السرير عقدتْ لساني، فلم أستطع أن أنطق ولو بحرف واحد. ولكنّ دموعًا سخيّة اندفعت من رأسي فجأة، ولم أجد القوّة كي أمسحها بأصابعي، فتركتها تختلط بأنفي السائل، وتنحدر عبر شعري إلى الوسادة. مدّت الفتاة الصغيرة يدها الصغيرة وداعبت شعري المبلّل ثم قالت: كنتُ فخورة بك، كنت سعيدة لأنّك صرتِ ما صرتِه، ولكنّ المرأة التي تقف الآن بيننا تفسد الأمور تمامًا!
    كنت أعرف أنّها محقّة في كلامها الذي فهمته من دون أيّ سؤال، كأنّي كنت أنتظر أحدًا ليقوله لي، وفرحتُ لأنّها تتكلّم في ثقة وحكمة، وأردت أن أحتضن ذكاءها وفرحها وجمالها، ولكنّي كنت كالمشلولة تمامًا، عاجزة إلّا عن النظر إلى وجهها المطمئن.
     أخذتِ الفتاة تخبرني عن هموم طحنتني، وآلامٍ عجنتني، وتجاربَ خبزتني، وعن عشّاق تركتهم يلتهمونني دون تردّد منّي أو منهم. كانت تسرد كلّ التفاصيل من دون أن تنظر إليّ مباشرة، بل أخذت تلهو بشعري الأسود كأنْ لا شيء إلّاه فيّ يستحقّ النظر إليه. وكانت تترك خصلة كلّما تركت حكاية، وتمسك بخصلة كلّما أمسكت بخيط حكاية جديدة. ولم يبدُ عليها التعب أو الملل أو السأم، بل كانت تروي كلّ شيء بفمها ويديها وعينيها وتعابير وجهها وحركات حاجبيها، وبين الحكاية والحكاية تهنّئني على ما تعلّمته وخبرته واكتسبته.
     وحين صمتت فجأة، بدت شديدة الاضطراب، تنظر بشكل غائم، كأنّ ثمّة من يقف بيني وبينها، ويمنع عينيها عن الوصول إليّ. ومع ذلك لم أرَ الخوف أو الكره على وجهها، بل الحيرة والحزن، كطفلة أضاعت اليد التي تمسك بها. ثمّ استطاعت أن تصوغ سؤالًا واحدًا، سؤالًا حزينًا واحدًا: كيف تحوّلتُ امرأةً ضجرة باردة باهتة؟
     واستطعتُ أخيرًا أن أؤلّف جملة واحدة: لا تعتبي عليها! إحضنيها وداعبي شعرها، فهي المرأة التي فقدتْ براءتك، ولم تكن بعد عرفت ما أعرفه الآن.
    
     
    وما أعرفه الآن أنّك لست صديقي، ولن تكون كذلك إلّا يوم أستطيع أن أغضب أمامك من غير شعور بالذنب، وأن أبكي أمامك من دون إحساس بالخجل، وأن أعلن عن الخطايا التي ارتكبتها والأحلام التي حلمتها، والمشاعر التي حملتها... بلا أن أجهد نفسي في اختيار الكلمات.
     يوم أخبرك عن الرجال الذين عرفتهم، ستعرف أنّك صديقي: رجال من مختلف الأعمار، ومن مختلف الطوائف، متزوّجون وغير متزوّجين، فقراء وأغنياء، حزبيّون وغير مبالين، مثقّفون وهامشيّين، رجال من مختلف الأحجام والطبائع، كرماء وشجعان، أنانيّون وجبناء، كاذبون ومدّعون، حالمون وهاربون، أطفال ورجال في الوقت نفسه. يريدونني ولا يعرفون ماذا يريدون منّي بالتحديد. يوم أخبرك عنهم بالأسماء والتواريخ، بصوت مرتفع أسمعه بنفسي، ستعرف أنّك صديقي.
     ويوم أخبرك عن النساء اللواتي حسدتهنّ وغرت منهنّ، ستعرف أنّك صديقي: الفتيات اللواتي استطعن الجري واللعب، البنات اللواتي يحضن آباؤهنّ أحلامهنّ وتفخر أمّهاتهنّ بإنجازاتهنّ، الصديقات اللواتي يجدن أصدقاء يبحن لهم بكلّ شيء، العاشقات اللواتي لا يضعن حدودًا لرغباتهنّ المجنونة. يوم أخبرك بكلّ ذلك ستعلم أنّك صديقي الوحيد.
     يوم أخبرك عن أوجاعي من دون أن أخشى تحليلك النفسيّ لها، وعن أحلامي من دون أن تفاجئني بتفسير علميّ، وعن هواياتي الجديدة من دون أن أتوقّع توجيهات معيّنة، وعن الطعام الذي أفضّله، وعن رغبتي في إجراء عمليّة تجميل لا حاجة فعليّة لها، وعن موعدي مع مصفّف الشعر، وعن الشعر المزعج على جسمي والمثير على جسمك، وعن الجرح الذي يؤلمني في رجلي اليمنى، وعن حاجتي إلى المال، وعن شوقي إلى الرقص والغناء، وعن الملابس الداخليّة التي اشتريتها. يوم أخبرك كلّ ذلك ستكون صديقي المفضّل.
     وعندما أروي أمامك مغامراتي الجنسيّة، وأحلامي الشبقة، ورغباتي الوقحة، وممارساتي الشاذّة، ونكاتي البذيئة، وأحاديثي الماجنة، تكون أصبحت المؤتمن على عوالمي الداخليّة الحميمة.
      وحين أصير محور اهتمامك، وليس فقط ما فعلته في العمل، ولا ما قرأته في الصحف والكتب، ولا ما أعرفه عن "الشرق الأوسط الكبير"، ولا ما سمعته عن حرب العراق والتمديد والتجديد وأخبار الانتخابات، ولا ما شاهدته على التلفزيون وفي السينما. حين تتحوّل كلّ هذه الأحاديث سبيلًا إلى معرفة آرائي واكتشاف طريقة تفكيري، تكون أصبحت صديقي الذكيّ، لأنّك ستكتشف أنّي قد أكون أكثر من مجرّد خزّان أفكار، وأعمق من بئر ترمي فيه أسرارك ثمّ تندم، وأنّي قد أيضًا كتلة من المشاعر المتوهّجة. وإذا كان كلّ ذلك أشدّ صعوبة من أن يقوم به رجل واحد، فيجب إذًا السماح بتعدّد الأزواج، لأنّ احتمال أن تكون إلهًا صغيرًا باء بالخيبة.
     أتريد منّي أن أعرف رجالًا أيّها المدّعي؟ لقد عرفت رجالًا بعدد النساء اللواتي حاولن إغراءك، ولذلك تراني سئمت من الرجال.
     أتريد أن تطمئنّ إلى أنّي لم أعد أحبّك؟ وهل تعتقد أنّي كنت سأخبرك كلّ ذلك لو كنت أحبّك الحبّ كما علّموك إيّاه وأخبروك عنه، ومثلما يتحدّث عنه سائر الناس ويعجز خيالك وخيالهم عن تصوّر ما يفوقه جمالًا وشغفًا وتوهّجًا؟ أتريد منّي أن أجمع حولي أصدقاء من مختلف الجنسيّات والهويّات والأصناف ليرتاح ضميرك؟ إلى أيّد دعارة فكريّة تدعوني أيّها الرجل؟ وهل أفكاري ومشاعري ورغباتي المجنونة تصلح مادّة للحديث مع أيّ كان وفي أيّ وقت؟
     يا إلهي كم يبدو ثوب هذه العلاقة فضفاضًا عليك! وكم تبدو صغيرًا أمام شلّال المشاعر التي أخبّئها لك والتي تريد أن تتفجّر كلمات وقصائد وكتبًا، ولكنّي لن أقولها لك لئلّا يغرقك فيض عاطفة لا تحسن السباحة ولو في محيطها الهادئ...

ليست هناك تعليقات: