من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الاثنين، 9 مارس، 2015

عيد المعلّم: إحداث فرقٍ لا ترك علامات





المحطّة الثالثة: جمعٌ بين التربية والكتابة الأدبيّة
 مدرسة الحكمة هاي سكول - عين سعادة



المحطّة الأولى: قريبةٌ من عمر التلامذة  
مدرسة سيّدة النجاة للراهبات المخلصيّات







المحطّة الثانية الأطول: انتقال من التعليم إلى الكتابة  
 مدرسة الحكمة برازيليا - بعبدا


    ثلاثة أمور كرهتها، أكثر من سواها، في خلال مسيرتي التربويّة التي تجاوزت عامَها الثلاثين:                         
      الدروس الخصوصيّة، الهدايا وحفلات التكريم في مناسبة عيد المعلّم، وضع العلامات...
     وأمر واحد أحببته وجعلني أحتمل الإجحاف ونكران الجميل والتعب وسوء الإدارة وحرتقات الزملاء... هو إحداث فرقٍ، ولو بسيطًا، في مسيرة التلامذة (بعضهم على الأقل)... وأعترف بأنّني فشلت كثيرًا، لكنّ نجاحًا واحدًا في هذا المجال كان بمثابة تعويض عن الفشل ومكافأة على التعب، والأهمّ من كلّ ذلك تحقيق لذاتٍ وجدتْ في الكتابة والتربية فضاءها الرحب.

     أوّلًا: في ما يخصّ الدروس الخصوصيّة:
    بالنسبة إلى أكثر الأهل والأولاد، الدروس الخصوصيّة هي عمليّة نصب واحتيال. لذلك تراهم حين يدفعون للمعلّم بدل أتعابه يُشعرونه بأنّهم أصحاب فضل عليه، وبأنّه لو اهتمّ بأولادهم في الصفّ كما يجب لما احتاجت فلذات أكبادهم إلى مساعدة أخرى بعد الدوام. فضلًا عن أنّ بعض هؤلاء الأهل لا يريد "إتعاب" نفسه أو "تضييع" وقته مع أولاده ما دام يملك المال لشراء وقت المعلّمين.
     وبالنسبة إلى أكثر المعلّمين، الدروس الخصوصيّة مصدر رزق آخر لا يمكن أن يُستغنى عنه، لذلك فنادرًا ما نقع على معلّمين يقولون للأهل: سنعلّم أولادكم لنساعدهم على استلحاق ما فاتهم، ولفترة محدّدة، وبعد ذلك، عليهم أن يعتمدوا على أنفسهم. من دون أن ننسى تراتبيّة موادّ الدراسة التي تجعل العلميّة منها في الدرجة الأولى.
     كلّ هذا، جعلني في خلال مسيرتي التربويّة أرفض الدروس الخصوصيّة المدفوعة البدل، وكنت أعرض على من يطلب منّي أن أساعد أولاده أن أعطي بعض الحصص "المجّانيّة" لتعليم طريقة الدرس لا الدرس في حدّ نفسه. وغالبًا ما كنت أتّفق مع التلاميذ (خصوصًا الكسالى منهم)، وفي حضور الأهل وأمام دهشتهم، أن يدرسوا من دون مساعدة وأن يحصّلوا هم بدل الأتعاب... وكانت النتائج مبهرة!

    ثانيًا: في ما يخصّ الهدايا وحفلات التكريم:
   لا أذكر أنّ أحدًا من الأهل أرسل مع أولاده هدايا من الكتب، ولو حصل ذلك لاعتبر كثير من المعلّمين والمعلّمات الهدايا قصاصًا.... فكلّ ما شهدت عليه وعرفته أنّ الهدايا كانت دائمًا ممّا يظنّ ذوو التلامذة أنّ المعلّم عاجز عن شرائها أو هو في أمس الحاجّة إليها. واعتبرت، وما زلت، أنّ منظر المعلمّات (لأنّ الهدايا تكثر عند الصغار حيث العنصر النسائيّ طاغٍ) المحمّلات بأكياس الملابس والحليّ ووسائل التجميل مهين ومعيب، حتّى صار الأمر مصدر سخرية عند الأهلين وكلّ من هو خارج عالم التربية. كأنّ المعلّمة فقيرة معوزة وفي حاجة إلى جورب نايلون، وقنينة طلاء أظافر، وقنينة عطر، وأدوات تجميل، وحليّ مزيّفة... 
      فضلًا عن ذلك، ثمّة ما يؤلم الروح حين ترى تلميذًا صغيرًا يعتذر من معلّمته لأنّ أمّه رفضت شراء هدايا، وآخر يكذب ويدّعي أنّه نسي جلب ما اشتراه أبواه، في محاولة منه لدرء سخرية زملائه أو "زعل" معلّماته، وثالث يرفض المجيء إلى المدرسة ما لم تشتر له أمّه ما يجعله مميّزًا في نظر معلّمته، أسوة بزملائه...
     أمّا الدعوات إلى العشاء أو الغداء التي تنظّمها إدارات المدارس، فصارت مثار تندّر عند الناس الذين يسألون كلّ سنة: شو لوين عازمينكن السنة؟؟ وأخذ مزيّنو الشعر ينتظرون المناسبة ليستفيدوا من هجمة معلّمات مدعوّات إلى حفل تكريم كريم. وأخذت بعض المدارس تحرص على اختيار أمكنة، تفترض كذلك، أنّ المعلّم لن يقدر على ارتيادها من تلقاء نفسه لارتفاع كلفتها، أو للتباهي بها على مدارس أخرى عاجزة ماديًا عن اختيار أمكنة فخمة، فتصطحب معلّميها في رحلة إلى الطبيعة، تتخلّلها زيارة مَعْلم سياحيّ أو دينيّ!
    أمّا مسألة توزيع المعلّمين على الطاولات فمشهد مسرحيّ عبثيّ بامتياز... ففي هذا العيد "السعيد"، الذي دفعت إدارة المدرسة كلفة مصاريفه مبلغًا محترمًا من أجل إشاعة جوّ من المحبّة والصداقة والزمالة، تسوّدُ وجوه لا تريد أن تجلس إلى جانب أخرى، ويُقصى معلّمون لا يريد أحد الجلوس معهم، ويوضع العمّال والموظّفون في أقصى الصالة، وتتصدّر المشهد الشخصيّات نفسها، التي لا تغيب عن الصفوف الأماميّة في كلّ مناسبة وعيد واحتفال وقرار... 

     ثالثًا: في ما يخصّ وضع العلامات:
    أزعجني في التعليم أن أترك علامات هي أشبه بالندوب على الجسم المصاب والمجروح. كنت أحلم دومًا بأن أحدث فرقًا من خلال درس أو شرح قصيدة، أو حوار حول نصّ، أو نشاط ثقافيّ. 
العلامة بالنسبة إليّ عدوّة التربية (عند الصغار بشكل خاصّ).
ففي العلامة تحديد، وفي التربية انطلاق...
وفي العلامة إطار لصورة، وفي التربية فضاء رحب...
وفي العلامة إشارة إلى مستوى، وفي التربية لا مستويات بل أشخاص...
وفي العلامة تصنيف، وفي التربية أصناف من الذكاء والمواهب والقدرات والعطاءات والكفاءات...
وفي العلامة عالم من الحسد والغيرة والغضب والغشّ، وفي التربية تحقيق للذات وسموّ بها...
وفي العلامة نجاح المعلّم، وفي التربية نجاح المتعلّم...
وفي العلامة إرضاء سهل للأهل لأنّ الصغار لا يفهمون معنى الأرقام، والكبار يتعلّق مصيرهم بربع علامة، وفي التربية عمل يوميّ شاقّ مع المتعلّمين...
وفي العلامة هدف لا يحتمل مشاركة، وفي التربية مسيرة جامعة...

    اليوم، أنظر إلى تاريخيّ التعليميّ التربويّ،
    فأشكر بصمت من علّمني رافضةً مع كلّ درس أن أصير له أَمَةً أو عبدة أو جارية، 
    وأسامح نفسي على أخطاء ارتكبتها وأنا أتعلّم كيف أصير معلّمة... ففي نظامنا التربويّ لا أحد، مع الأسف، يعلّمك كيف تعلّم...لكنّ الجميع يحاسبك إن أخطأت...
     وأعترف أخيرًا أنّني لم أكن يومًا معلّمة... كنت كاتبة وشاعرة ثائرة تحاول أن تنقل عدوى حبّها للكلمة إلى أكبر عدد ممكن من الناس... مهما كان أو سيكون الثمن!
      

هناك 3 تعليقات:

جمال السيد يقول...

الله يحفظك يا مريم ويزيدك نور يا بنت المحبة

ميشال مرقص يقول...



مميّزة

في الصور

في النص

في التربيّة ...

دمتِ بخير كل عيد معلّم ...

ماري القصيفي يقول...

شكرًا لكما أستاذ ميشال ودكتور جمال... محبّتكما الغامرة تجعل الأعباء سهلة الحمل... دمتما بخير وعطاء