الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الجمعة، 20 أبريل، 2012

الجنون في بعض ملامحه الأدبيّة والفنيّة (6)


طوم هانكس في فيلم "فوريست غامب"

الجنون من يدري على مسافة لحظة لحظتين
ملحق النهار – السبت 3 تمّوز 1999
(6)


     تخبرنا "نهى" عن شابّ غريب الأطوار في بلدتها، يجلس تحت شجرة أمام منزله، يراقب المارّة على دروب البلدة، ولا يفارق مجلسه ما دام النهار نهارًا والطقس يصلح للجلوس خارجًا. وتقول إنّ ذلك الشابّ حرّم عليها المرور على الطريق حين وقع عليها اختياره لتكون ضحيّة غرابة أطواره. لقد بدات القصّة يوم ناداها فالتفتت إليه لتفاجأ بسيل من الشتائم والسباب ينهال عليها، واتّهامات متلاحقة في حقّ أخلاقها وسلوكها لأنّها تردّ على الصبيان وتنظر إلى كلّ من يناديها. وأحرجت "نهى" حين انفجر مجتمع القرية بالضحك. وفي اليوم التالي اضطرّت الفتاة إلى المرور أمام المنزل إيّاه ولم تلتفت إلى المجنون حين ناداها، ومع ذلك لم تسلم من لسانه إذ بدأ يسخر منها وينادي الناس ليروا تلك الفتاة "المهذّبة الآدميّة". ومنذ ذلك اليوم، صارت قصّة "نهى والمجنون" على كلّ شفة ولسان.
     وفي مجموعة "أحداث وأحاديث من لبنان" لـلحد خاطر، الجزء الثاني، تنقلنا قصّة "مجنون قزحيّا"، إلى قرية لبنانيّة لم تعرف بين سكّانها مجنونًا قبل أسعد يوسف أسعد المعروف بالخال. كان ذا أطوار مستغربة وميول شاذّة، يثور ويغضب لأسباب تافهة، فيمزّق ثيابه ويرمي من حوله بكلّ ما تطاله يداه. ولكي يزداد الطين بلّة، أحبّ أسعد فتاة اسمها "ثليجة" وأراد الزواج منها، فرفض أهلها لعلّة أسعد في أعصابه، فازداد هيجان الشابّ. وشاءت الظروف أن تموت "ثليجة" إثر وباء ضرب القرية فاشتدّ أسعد جنونًا على جنون، وهام على وجهه مشعّث الشعر، حافي القدمين، ممزّق الثياب، فاضطرّ شبّان القرية إلى الإمساك به وجرّه بالقوّة إلى منزله حيث قيّدوه "واهتزّت القرية لجنون "الخال" لأنّها لم ترَ مجنونًا بين أهلها منذ عهد بعيد، وهبّوا جميعًا إلى بيت أبيه يؤاسونه في مصابه" (ص187). وبدأوا يتداولون في أسباب الجنون وطرق علاجه (قبل العصفوريّة ومستشفى الصليب وقتذاك)، فقال شيخ منهم إنّه سمع ممّن سبقه إنّ الجنون سببه إبليس، يدخل في جسم المرء بسماح من الله على إثر تفوهه بلعنة أو سباب في دير أو في كنيسة أو على قبر أو مجرى ماء أو عتبة باب أو حارون موقد وذلك لأنّ الملائكة الصالحين يقومون على حراسة هذه الأمكنة. وقال آخر إنّ من أسباب الجنون المغاربة والبرّاجين وبصّاري البخت الذين يتلاعبون بعقول الناس، ووافقته امرأة قائلة إنّ هؤلاء يكتبون للناس خطوطًا سحريّة يرصدونها باسم ملوك الجانّ السبعة.
     وقرّر والد أسعد البحث عن طريقة لإنقاذ ولده، فلجأ أوّلًا إلى الحاج عبدالله الذي فتح له "مندلًا"، ثمّ طمأنه إلى شفاء ابنه بعدما نقل الشيطان من أسعد إلى دجاجة سوداء كان قد طلبها. ولكنّ أسعد بقي على حاله، فذهب والده إلى خوري الضيعة ليقيم الصلاة على نيّة شفاء الشابّ المريض. وأخيرًا، نقل أسعد إلى دير قزحيّا الذي لبث زمانًا مديدًا المستشفى الأوحد للمصابين بالأمراض العقليّة في لبنان. وتقول الحكاية إنّ أسعد تحسّنت حاله هناك، ولكنّه رفض مغادرة الدير وبقي خادمًا للرهبان حتّى وفاته.
داستن هوفمن في فيلم "رجل المطر"
     ويقول لحد خاطر في فصل بعنوان "الجنون فنون": إنّنا ننظر إلى المجنون ولسان حالنا يقول: يا له من مجنون! وينظر هو إلينا في غمرة جهادنا وأتعابنا وهمومنا فيضحك منّا ويقول عنّا: يا لهم من مجانين!
     أليس هذا قول مجنون ليلى، قيس الملوّح؟
     قالوا جننت بمن تهوى فقلت لهم /
                         ما لذّة العيش إلّا للمجانين
     ووافقه المتنبّي حين قال:
     ذو العقل يشقى في النعيم بعقله /
                      وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم
     ولكن من يقنع تلك العروس السيّئة الحظّ بسعادة أولئك المجانين في عالمهم الخاصّ؟ والعروس هذه شابّة صغيرة راحت "خطيفة" مع رجل لم يمضِ على لقائها به سوى أسابيع. قبلت به لتهرب من عائلتها، فوقعت على رجل يريد اهله تزويجه في أسرع ما يمكن، من فتاة غريبة عن البلدة لأنّه خارج للتوّ من دير الصليب، ويريد أقاربه إزالة تهمة الجنون عنه بأيّ وسيلة. وتفجّر جنونه عنيفًا بعد زواجه بفترة، فما كان من العروس الهاربة من بيتها الأبويّ إلّا أن تهرب من جديد من منزلها الزوجيّ حاملة عجزها ووحدتها، وتاركة خلفها العجز والوحدة. (هذه الحكاية أوحت إليّ بقصّة "جولييت" في روايتي "كلّ الحقّ ع فرنسا").


العقل زينة
     يقول زياد الرحباني في برنامجه الإذاعيّ إنّ العقل زينة. ولكنّ البرنامج الذي يحمل هذا العنوان يمتلئ بمختلف أنواع الجنون: من الخاصّ إلى العامّ، ومن المحليّ إلى العالميّ. وكأنّه صورة تجمع كلّ المجانين، وحال تختصر كلّ الحالات. وزوّار الرئيس حبيب باشا السعد كانوا ينقلون عنه وهو على فراش المرض قوله: نشكر الله، منيح اللي مش أعظم! وحين يسألونه وما هو الأعظم من هذه الآلام والمعاناة كان يجيب: بعدو عقلي معي.
بين العقل والجنون لحظة. وبين التزيّن بالعقل والتعرّي منه مسافة يقطعها المرء بسرعة الضوء. وإذا كانوا قديمًا يفاجأون بوجود مجنون واحد، فمن العجب اليوم أن نجد عاقلًا واحدًا. ولعلّ أنواع الحبوب المهدّئة التي تباع في الصيدليّات بوصفة طبيّة ومن دون وصفة، تشير إلى الاستعداد النفسيّ عند الكثيرين للانتقال من مجرّد تعب أعصاب إلى جنون مطبق. وحين صارت حبّة المهدّئ هي جسر العبور والصديق الذي لا يغدر والحبيب الذي لا يخون والعائلة التي لا تتفكّك، حلّ البرد وعمّ الخوف.
     كانت كلّ غرابة عند الناس جنونًا، فما كانوا يعرفون الانهيار العصبيّ ولا التوتّر النفسيّ. الجنون هو العنوان العريض الذي يختصر كلّ المعاناة والأسئلة والقلق، وإذا تساهل المجتمع كان "الهبل" هو البديل، يلحقونه بعبارة: الله يستر، ما حدا بحطّ فوق راسو خيمة.
     إن هذا الخيط الرفيع الذي يفصل بين الحالين هو الذي يجعل منهما وجهين لعملة واحدة يشتري بها الناس الأخبار لسهراتهم شتاء حول الموقد، وصيفًا تحت العريشة. ومع التلفزيون، أضافوا إليها حكايات "أخوت شانيه" و"أربع مجانين وبس" وشخصيّة ليلى كرم في مسلسل "السراب". ومع السينما شخصيّة "رجل المطر" التي أدّاها داستن هوفمن، وشخصيّة "فرويست غامب" التي أدّاها طوم هانكس... وعشرات غيرها.

ليلى كرم
     مش طبيعيّ، أهبل، مجدوب، مجنون، هبيله، مسطول، عطيله، متخلّف، أجدب، عالهلّة، سويعاتي، راننها... كلمات مجّانيّة يقرّر بها الناس مستوى القدرات الفكريّة عند آخرين. كلمات تقال أمام أحياء يُعاملون كأنّهم جثث موتى لا حياة فيها ولا كرامة لها. بل إن الموت يفرض هيبته، ويفرض لغته، فلا يقول الناس عن الميت، مهما كان تاريخ حياته حافلًا، إلّا الكلام اللائق لأنْ "صار الحكي على الموتى تقيل".
     ولكن من حسن حظّ هؤلاء المرسومين أسياد الغرابة والغربة أنّ الناس أنفسهم يعطون الشعراء والأطفال الكثير من هذه الصفات. ومن كان الشعر والطفولة معه، فمن عليه؟
(انتهى)

هناك تعليقان (2):

محمد الشرع يقول...

لقد شهدت الكثير من حالات الجنون الولادي منه واو المكتسب ........... الحمد لله على نعمة العقل.

ماري القصيفي يقول...

فعلًا الحمد لله على نعمة العقل... وكان في عون من اتّهم بالجنون وهو عاقل
بكلّ مودّة