الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الجمعة، 27 أبريل، 2012

أضواء خافتة 2 (النهار - السبت 15 أيلول 2001)


Lucia Sommavilla


1

    في رواية الكاتب المصريّ بهاء طاهر "شرق النخيل" (دار الآداب 2001)، مشهد لرجال البوليس يرفعون العصيّ ويلاحقون مجموعة من الطلّاب. وهو مشهد يتكرّر في أيّ عمل أدبيّ يعالج علاقة السلطة بالطلّاب تحديدًا وبالشارع عامّة. فدراسة اللغة التي استعملها توفيق يوسف عوّاد مثلًا في رواية "طواحين بيروت"، أو لغة أنسي الحاج في مقالاته عن التظاهرات الطلّابيّة في باريس وفي بيروت، أو لغة عصام محفوظ في "مشاهدات ناقد عربيّ في باريس"، وسواها من الأعمال التي عالجت مسألة الحركات الطلّابيّة، بل أيضًا دراسة اللغة التي يصف بها التلاميذ المعتقلون ما تعرّضوا له (ملحق النهار – 13 أيّار 2000) تظهر بلا شكّ مزيجًا من الغضب والرفض والحذر والشكّ. ولا نظنّ أنّ هذه المشاعر التي يحملها الطلّاب موجّهة إلى السلطة فقط ولكن الانقسامات بين الطلّاب أنفسهم، والأخطاء التي يرتكبونها عند المطالبة بحقوقهم المشروعة تجعل الغضب من بعض شعاراتهم مشروعًا، والحذر من بعض الأسماء بينهم مطلوبًا، والشكّ في بعض طروحاتهم مسموحًا. ومع ذلك نشير إلى أنّ العودة إلى هذه الكتابات الروائيّة والمقالات الصحافيّة تعكس حضورًا طاغيًا للضمير الغائب في الحديث عن رجال السلطة. "هم" فعلوا و"هم" قالوا و"هم" ضربوا، فكيف يمكن معالجة مشكلة ما إذا كان الضمير الغائب هو السبب في حصولها؟

2

    "حكاية حبّ" رواية جديدة للأديب السعوديّ غازي عبد الرحمن القصيبي (دار الساقي 2001). نلاحظ أنّ ثمّة شخصيّات لا يفاجئنا ظهورها على مسرح الأحداث في روايات القصيبي: الطبيب النفسيّ، رجل الدين، الأستاذ الجامعيّ (ظهر ما يشبهها تحديدًا في رواية ٧ وفي رواية أبو شلّاخ البرمائيّ). صحيح أنّها هنا ليست الشخصيّات الرئيسة ولا يُنظر إليها في طريقة ساخرة، ولا تُصوّر في أسلوب كاريكتوريّ مبالغ فيه، ولكنّها تبدو الإطار الذي تتحرّك ضمنه الشخصيّات الأكثر أهميّة. فعندما تكثر الأسئلة على بطل الرواية يلجأ إلى إحدى تلك الشخصيّات لعلّه يجد لديها الأجوبة. فبين المشكلات النفسيّة والمعضلات الدينيّة والأسئلة الفكريّة يبدو أنّ الإنسان المدينيّ المعاصر يحتاج في شدّة إلى هذا المثلّث الذي يُخشى أن يتحوّل إلى مثلّث برمودا يضيع فيه المرء وهو يحاول أن يفكّ ألغازه.

3
Nicolai Gogol 1852  - 1809

    في صالون مزيّن الشعر تجلس سيّدة تحمل كلبًا اسمه غوغول (اسم أديب روسيّ) وإلى جانبها حقيبتان من مصنوعات الأرتيزانا، واحدة فيها ألعاب مختلفة الأحجام والألوان تلهي بها الكلب حين يضجر من الانتظار وينزعج من ثرثرة النساء االأخريات فتهدّئ أعصابه بها وهي تخاطبه بكلّ حنان، والثانية فيها بعض الأدوية والمقويّات وقنينة مياه معدنيّة وأخرى للعصير، وهي طبعًا للكلب الذي يرتدي صديريّة مطرّزة من صنع الأرتيزانا أيضًا، وفي إحدى قائمتيه سلسلة ذهبيّة. اعتذرت السيّدة الشابّة من "مقلّمة الأظافر" لأنّها استدعتها على عجل من منزلها، ثمّ سألتها إن كانت ألهتها عن عمل مهمّ كانت تقوم به، فأجابت الأمّ العاملة بأنّها كانت تدرّس ابنها استعدادًا للامتحان. فضحكت الزبونة الشابّة التي تترك طفلتها المولودة حديثًا مع المربّية الأجنبيّة ولا تصطحبها معها إلى أيّ مكان لأنّ الكلب يغار، وعلّقت على كلام "المانيكوريست": ظننت أنّني أخّرتك عن عمل مهمّ. ثمّ تابعت ناصحة: لا تجبري ابنك على الدرس، أنا كنت الأخيرة في الصفّ ولم يؤثّر ذلك عليّ في شيء، وزوجي كان أكسل تلميذ في المدرسة وانظري أين صار.
أمّا السيّدة الشابّة التي كانت تجلس في طرف الصالون منتظرة دورها فنظرت إلى الشابّة التي كانت تلميذتها منذ أعوام وتساءلت ما الذي قد يكتبه ريمون جبارة لو كان موجودًا أمام هذا المشهد.

4
دريد لحّام في فيلم "زوجتي من الهيبز"
إخراج عاطف سالم 1973

    عندما كنت أستمع إلى دريد لحّام وهو يعلّق على الأخبار الإقليميّة والعالميّة في البرنامج الذي يقدّمه على شاشة "إم بي سي" وعنوانه "على مسؤوليّتي"، فوجئت بالمشاهدين الحاضرين في الاستديو يغرقون في الضحك ويسرعون إلى التصفيق ما أن ينهي الفنّان المقدّم تعليقه على خبر أو حدث يفترض أن يثيرا الحزن والبكاء والخجل. إنّ هذا النموذج من الجماهير العربيّة يعبّر في وضوح عن إصرار الناس على عدم الإصغاء إلى ما يقال، بل إنّهم يضحكون ويصفّقون لما يتوقّعون أن يقال، وهذا الكلام المتوقّع لا بدّ أن يكون مضحكًا متى صدر عن فنّان أضحكهم مرارًا، ومن غير المعقول في رأيهم أن يقول كلامًا جديًّا. فيكفي أن يظهر فنّان كدريد لحّام أو عادل إمام على المسرح أو شاشة السينما حتّى يفترض المشاهدون أنّه يرغب في إسعادهم وإضحاكهم، وعليهم أن يسبقوه إلى التفاعل الصاخب قبل أن يتكلّم أو يؤدّي دوره. لقد عانى الفنّان شوشو من هذه المشكلة التي اشتكى منها حديثًا الفنّان زياد الرحباني في الحلقة الأخيرة من برنامج "حوار العمر". تبيّن لزياد أنّ الجماهير لا تسمع ما يُقال بل تسمع ما تتوهّم أنّه قيل، ولذلك فعندما يضحك الناس على كلمات زياد الرحباني "غير المفهومة" كما يقولون، لا يعرفون في الحقيقة أنّ ما يقوله لن يرضي الشريحة الكبرى منهم، وسيزعج من تبقّى. لذا فإنّ ندمه على الإكثار من ظهروه الإعلاميّ، الذي لم يؤدِّ في رأيه إلى الغاية منه، مبرّر ومفهوم.
    في مسرحيّة "صيف 840" لمنصور الرحباني يقهقه الناس عندما تقول الابنة (هدى) لوالدها (أنطوان كرباج): شو بحبّك يا بيّي وإنت مهزوم. يبدو أنّ الناس صاروا يقهقهون أمام الهزائم والخسائر ولم يعد يعنيهم لا أن يقرأوا ولا أن يسمعوا.

ليست هناك تعليقات: