الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الخميس، 21 أبريل 2011

الآن دور المثقّف السوريّ، لا الشغّيل ولا العسكريّ


حاجز سوريّ في لبنان

سجن المزّة

عامل سوريّ (نقلاً عن صحيفة الأخبار)

غوّار الطوشي وأبو عنتر: المحتال والقبضاي


ارتبطت صفة "السوريّ" أو "السوريّة" في الذاكرة الجماعيّة اللبنانيّة بمفردات قليلة: الشغيّل (أو الفاعل = العامل) السوريّ، العسكريّ السوريّ، السجون السوريّة، المسلسلات السوريّة. فبعيدًا عن طبقة المثقّفين اللبنانيّين التي تتواصل مع المثقّفين السوريّين وتعرف قيمة ما يملكونه ونوعيّته وعمقه وشموليته، لا يبدو أنّ شرائح المجتمع اللبنانيّة الأخرى على علم بوجود أطبّاء ومهندسين ومفكّرين وشعراء ومسرحيّين في تلك البلاد القريبة والبعيدة في الوقت نفسه (لا تنسوا أنّ عائلات كثيرة تتوزّع بين البلدين)، وليس في ذاكرة أكثرهم إلاّ شخصيّة "المحتال" غوّار الطوشي. يمكننا في طبيعة الحال أن نتوسّع في التحليل والاستنتاج ونقول إنّ كلّ بلد يتميّز بأمور تبدو لصيقة أكثر من سواها بطبيعة الشعب في هذا البلد: كأن نقول الأغنية المصريّة، والأفلام الأميركيّة، والمعكرونة الإيطاليّة، والسيّارة الألمانيّة، والعطر الفرنسيّ، والسيكار الكوبيّ، والساري الهنديّ، والحرب اللبنانيّة...إلى ما هنالك من تسميات تتغيّر بتغيّر الظروف والمعطيات. وإذا كانت الأمثلة الأخيرة التي ذكرتها معروفة في العالم، فصفة "السوريّ" في الأمثلة التي ذكرتها في بداية الكلام لا توجد إلاّ في مجتمعنا اللبنانيّ نظرًا لتاريخ العلاقات المتشابكة بين البلدين الجارين الشقيقين. وليس في الأمر فوقيّة كما قد يتبادر إلى الذهن بل توصيف لواقع حال تختلط فيه الحاجة بالخوف، فالشغّيل السوريّ يشيع الاطمئنان إذ يعني وجوده أنّ الأبنية سترتفع والأعمال ستتمّ بمواعيدها وبأقلّ كلفة ممكنة، في حين تثير صورة العسكريّ السوريّ على الحاجز الرعب إذ لا يعلم أحد ما ينتظره من إهانات وترهيب وإطلاق نار. أمّا الحديث عن السجون السوريّة فطويل كالمسلسل السوريّ لكنّه حزين ومؤلم وبشع، ولا علاقة له بالجماليّة الفنيّة التي نجدها في الدراما السوريّة.
لا شكّ في أنّ كلّ هذا أطبق على صدور المثقّفين والمفكّرين السوريّين الذين كانوا، أثناء مجيئهم إلى لبنان، يرون مواطنيهم موزّعين على الطرقات: بائعين متجوّلين فقراء، أو عسكريّين في حالة مزرية، أو عمالاً يتجمّعون عند مستديرات الشوارع يتسابقون للعمل في ورش البناء أو في حراثة الأرض وقطف الغلال، وهؤلاء ليسوا "سوريا" التاريخ، ولا "سوريا" الحضارة". لذلك ربّما هربت الدراما السوريّة إلى الماضي، واستحضرت التاريخ هربًا من مواجهة خيبات الحاضر، وغادر آلاف المبدعين بلادهم إلى حيث الحريّة وكرامة العيش، وكان لبنان أقرب ملجأ لمن وجد فيه ضالته، وإلاّ فبلاد العالم الواسعة.
لا أخفي أنّ الكتابة عن الحال السوريّة لا يشبه الكتابة عن أيّة حال عربيّة أخرى، فثمّة رقيب داخليّ نما فينا، نحن اللبنانيّين، وامتصّ دمنا طوال أعوام، ويهدّدنا كلّما حملنا القلم أو جلسنا أمام شاشة الكتابة وهو يقول: "سوريا ليست مصر أو تونس أو اليمن بالنسبة إلى اللبنانيّين، وأنت لا تعرفين كيف تنتهي الأمور، فحذار التدخل في الشؤون السوريّة، بل يجب الانتظار كي تنحسم الأمور قبل اتّخاذ موقف".
مخيف هذا الرقيب فعلاً، يهدّدني ولو كان كلامي دفاعًا عن المثقّفين، ويخيفني ولو كنت أريد أن أرى في سوريا ما هو أكثر من شغّيل فقير لا يجد عملاً في بلده، وأعلى شأنًا من عسكريّ سيق إلى الخدمة الإجباريّة، وأكثر من سجن تبكي حجارته دمًا أجبروها على امتصاصه من شرايين الأسرى والمعتقلين، وأكثر من مسلسل نهرب فيه إلى الماضي كي لا نواجه الحاضر.
ولعلّ هذا أسوأ ما يمكن أن يلتصق بتاريخ سوريا الحديث: الخوف منها، لا عليها، في سلمها وخلال ثورتها، وهو أمر لا يغفره وطن لحكّام غرّبوه عن أهله وجيرانه.

ليست هناك تعليقات: