الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

السبت، 9 أبريل 2011

مقتطفات من مقالة للروائيّ ياسين رفاعيّة عن رواية "كلّ الحقّ ع فرنسا"



مقتطفات من مقالة طويلة للروائيّ ياسين رفاعيّة، كما وردت في صحيفة "المستقبل" اللبنانيّة، وتنشر كاملة في مجلّة "اليمامة" السعوديّة.

"كل الحق ع فرنسا" لماري القصيفي :

خطان متوازيان بين السرد واستلهام الماضي

المستقبل - السبت 9 نيسان 2011 - العدد 3964 - ثقافة و فنون - صفحة 20

ياسين رفاعية


بعد تجربتها الشعرية المميزة، عبر أربع مجموعات، تطل علينا ماري القصيفي بروايتها الأولى "كل الحق ع فرنسا" فاذا بنا أمام رواية اشكالية. تتنقل بشخوصها بين السهل والجبل. وبعدد كبير من الناس يفترقون ويلتقون، ورواية تطل على مآسيهم وأحوالهم وهمومهم، واشخاص كل واحد منهم يأخذ حيزا، لنكتشف ان ما تراه الراوية يرون هم عكسه.

ذكرتني هذه الرواية برباعية الاسكندرية لداريل التي في كل جزء منها نقيض للجزء الذي قبله.. وما نراه شريراً هنا نراه خيراً هناك.
طبعاً لا أقول ان هناك شبهاً بين الروايتين، لكن اقول ان ماري القصيفي استخدمت التقنية ذاتها في السرد، وفي الخلط بين الماضي والحاضر واستلهام المستقبل أيضاً.




القهقرى

تعود الرواية القهقري الى زمن بعيد جداً، أيام الاحتلال الفرنسي، وما الذي فعله في هذا البلد الصغير، من فرز للطوائف الذي أصبح فيما بعد مرض لبنان الذي أدى الى حروب كثيرة، يبدو ان الحرب الأهلية الأخيرة ليست ولن تكون الأخيرة، فالبلد يغلي فوق مرجل وكأن لا أفق له يستعيد روح الانتماء الى الوطن وليس الانتماء الى الطائفة..
تستقطب ماري القصيفي خلفيات الحرب الأخيرة وما فعلت في النفوس محاولة تجاوزها بين الفلسطيني المسلم الذي يقترن بالحبيبة المسيحية، أو الدرزي المرفوض واحساسه بالغربة بين مجتمع مسيحي، الا ان الواقع هو الذي يفرض نفسه بوردة (روز) الهاربة مع ضابط فرنسي ثم انتحارها عندما تصطدم بجدار الطائفية الظالم، وهي، اي وردة التي أصبح الناس ينادونها بـ"روز" بعد أن تطورت حياتها من القرية الى بيروت العاصمة، لتصبح المرتكز الأول للرواية.




خطان

و"كل الحق ع فرنسا" تمشي بين خطين متوازيين، بين سرد الوقائع واستلهام الماضي، فاذا بكل شيء يرتبط بالشيء الآخر. ربما اقول: انها رواية صعبة، لا تأخذك من الصفحة الأولى، وتكاد ترمي بها جانباً، ولكن، بقليل من الصبر، تجد نفسك في عالم يمور بالأحداث شرها وخيرها، الى عوالم الناس بمختلف طبقاتهم، حيث لكل واحد هواجسه وخوفه وسعيه الى حياة أفضل، لكنها تنفرط في كفه كأنها الماء يهرب بين الأصابع.
وحول روز يدور أبطال الرواية، ومن حياتها تتقاطر حياة الآخرين، عائلتها وعائلات السهل والجبل، حيث لا مكان محدداً للرواية والموت والانتحار يلاحق الجميع، الى جانب التفرق القسري، بسبب الحروب بين الأفراد والجماعات والانتماءات. مثل ان الحديث عن الموت بـ "أن الموت لا يصل في أجواء عادية طبيعية. بل يمهد لحلوله بطقس لم يعرف الناس مثله، أو مناسبة عيد لا تتلاءم مع الحزن، أو لأشخاص ما كانوا يستحقون الموت لكثرة ما هم عليه من طيبة ووفاء وحسن أخلاق.. مثل ان الرجل كان ممدداً على سريره منتظراً اللقاء بأسرته وأهله وهو في صحة جيدة. لتدخل الفتاة الصغيرة المبللة بالمطر الى الصالون الدافئ تنظر الى وردة وهي تقول لها بحزن: "فكي شعرك مات بيي".. فالحياة مرسومة بدقة دون أي خلل.


أسماء

أسماء كثيرة تعبر الرواية التي لكثرتها شوشت احداثها، لكن هذه الأسماء بالنتيجة، هي الحضور الأقوى، لتتلاصق الحلقات المنفرطة وتعود متماسكة. وكان الموت باستمرار يلاحق اصحابها دون رحمة، وتشتت العائلة في كل أصقاع الارض ولا يجدون قبوراً لهم. أحمد مات قبل ملفينا بعدما ترك لها أربعة أولاد.. ولم يمض وقت على وفاته حتى لحقت به. وكان من حظ الاثنين ان ماتا قبل ان يختبرا اختفاء ابنهما الاصغر في ظروف غامضة. ومقتل ابنهما الثاني في أميركا على يد زوجته وعصابة ابيها التي تتاجر بالمخدرات ورحيل ابنتهما شادية وهجرة كمال الى الولايات المتحدة ليبكي أخيه ويندبه ويعيش وحيداً مريضاً، ولكن عليه ان يبقى في اميركا حيث جثة اخيه القتيل وولداه الأميركيان.
أحمد الفلسطيني العربي السني البيروتي المتزوج من ملفينا المسيحية المارونية. جولييت الممرضة والتي تعرف جيداً أمراض الآخرين التي تتحسر على وردة وانتحارها. "يا حسرتي عليك يا وردة. مت وأنت تنتظرين كأن لم يكفك ان تنتظري طوال عمرك كي تنصفك الحياة". فـ"هل اختارت روز (وردة) ان تموت بابتلاعها قنينة الديمول لأن علاقتها بناجي استمرت عشرين عاما؟ هل رضيت باحتمال العذاب بمعدل يوم عن كل سنة لتعاقب نفسها. أم كانت تراهن على نجاتها وعودتها سالمة اليه بعد عشرين يوماً من الفراق الذي لم يعرفاه طيلة عمر حبهما؟
فهي عاشرت رجلاً متزوجاً لم يتجرأ على ترك زوجته وأولاده، فرضيت ان تكون له دون زواج. فالحب هو الذي يحسم امورنا. ولكنها ظلت تعتبر انه يخونها مع زوجته!! و"قررت أن تموت لأن الرجل الذي تحبه مات ولا تريد ان تحيا بعده "وهي هذه المرة اختبرت الحب الكامل الناضج ولا يشبه في شيء حبهما الأول المراهق".
وفي لحظات الاستسلام الى الموت: "قد تكون روز شعرت تلك الليلة حين استيقظت من غيبوبتها انها تعاشر رجلاً متزوجاً بالفعل لا رجلاً يقيم مع زوجته في منزل واحد فاشمأزت من نفسها. وهذا ما لم يسبق ان توقعت الشعور به بسبب علاقتها بناجي. اكتشفت انها لم تستطع ان تكرهه. فكرهت نفسها ولم تستطع ان تغضب منه. فصبت غضبها على أحشائها".




نبرة عالية

رغم كل ذلك، فالقارئ يحب روز ويشفق عليها ويبرر لها كل ما فعلت، وقد استطاعت ماري القصيفي ان تقدم لنا هذه الشخصية بنبرة عالية، وهي في النزع الأخير: "عندما ينتهي كل هذا الموت قد اجرؤ على السؤال اكثر، الان، لا أحد منا يعرف ان كان الضوء سيطلع عليه وهو حي".
هناك أنطوان (حارس المجانين) ومأساته في حراسة مستشفى الأمراض العقلية" الليل عالم آخر في مستشفى المجانين" ومن رواياته في أسفل العصفورية مدفن امرأة اسمها سعود، كانت تقيم مع رجل بلا زواج فأنزلت بها الكنيسة حرماً وحين ماتت دفنت بين الصخور من دون صلاة او بخور. سعود كانت جارة العصفورية في حياتها وموتها. وهي مثلهم كانت خارجة عن قوانين الناس والمجتمع، ومثلهم كانت لها حكاية لا يعرف أحد الحقيقة فيها من الخيال.
هكذا في هذه الرواية: "حيث يتجاوز الموت مع الحياة، يولد أطفال لا يعرفون ما ينتظرهم بعد قليل، يبدأ القصف (في الحرب) ويموت شبان لا يعرفون ما سيكون مصير القضية التي قاتلوا من أجلها وقتلوا بسببها. تقاطعت درب عيد الآتي من دير الصليب ودرب جولييت التي كادت تفقد صوابها وهي تنام وتصحو وتعمل في المستشفى ولا تجد مكاناً تهرب اليه لأن الطرقات الى البقاع خطرة او مقطوعة.. كما لم تكن تزعج وردة التي ـ قبل ان تنحر ـ برمجت حياتها على ايقاع حياة ناجي".
و"معها حق جولييت. في كل مرة تلتقيها زاد تكتشف ان الحكاية تتشعب في الزمان والمكان، وتكاد تكون خيالية لكثرة ما تختزنه من أحداث.
شادي وقصة خطفه "ذلك يوجع النسيان أرحم" كاميليا: "قالوا لي في الحي،/ اكبر منك وارثوذكسي.. الم يعد يوجد رجال عندنا.. ولم ترد عليهم وتزوجت اسبر وعاشت معه ولم تندم.
جميلة الندابة التي تجيد البكاء على الأموات القائلة: رزق الناس على الله ورزقي على عزرائيل" فيا لها من مهنة.
لبنى: الموت مخيف حتى في بلاد الملكة اليزابيت
نجيب: لا يقاتل ولا يحب الحرب انها تعطل السهر والشرب والكيف
حبيب: اسمع كلمة الريس وبتصير ريس.
لميا: زوجة المهرب.. امرأة ورجل في وقت واحد
نور: يمكن معك حق وابنك مش ابنك ع اساس ما بتعرف تصيب.!!
وهكذا لكل اسم قصته تروي على لسان الكاتبة، ويرويها هو على لسانه، فالمتناقضات تنتظم في سلسلة مترابطة وممسوكة جيداً.
في الحقيقة، لا تسئمك هذه الرواية منذ المعاشرة الأولى، اذ في جاذبيتها ان تعود وتقرأها من جديد، ولكل مرة طعمها الخاص. وقد استطاعت ماري القصيفي ان تمشي فيها على الجمر ولا تحترق.. غير ذلك، فان هذه الموهبة التي تبدو كبيرة منذ روايتها الأولى.. واعدة لأن تعطينا الكثير بما هو أجل وأكثر ابداعاً.

ليست هناك تعليقات: