الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الأحد، 10 أبريل، 2011

الشريط الإخباريّ يلتفّ حول عنقي










الخميس ليلاً. نشرات الأخبار على مختلف المحطّات التلفزيونيّة، الأرضيّة والفضائيّة، لا تحمل إلاّ المآسي والمصائب. للحظة استقرّت حركة إصبعي المتوتّرة فوق جهاز التحكّم على القناة التابعة لتلفزيون لبنان الرسميّ، فاسترخيت في مقعدي سعيدة بالحفلة الموسيقيّة المسجّلة. موسيقى شرقيّة راقية تعد بقدرتها على غسل الروح من آثار الحرائق على عينيّ ومن أصوات السياسيّين التي خدشت مسمعي. حاولت ألاّ أتلهّى بتحديد المسرح الذي أقيمت فوقه الحفلة، ولا بالأسى على الوضع الثقافيّ لأنّ عدد أفراد الفرقة الموسيقيّة يفوق بكثير عدد الحاضرين في الصالة، وقرّرت أن أنسى كلّ شيء ما عدا الموسيقى النظيفة الطاهرة. غير أنّ الشريط الإخباريّ الشائك في أسفل الشاشة التفّ حول عنقي وخنق استمتاعي. حاولت أن أغمض عينيّ كي لا أقرأ، غير أنّ الأمر لم ينجح، إذ من الظلم أن أحرم نظري من رؤية الموسيقيّين وهم يتوحّدون مع آلاتهم، ويذوبون في أصواتها. لم أنجح: الهزّة في اليابان تمرّ تحت الكمنجات الحزينة، القتل في اليمن السعيد يعبر بسرعة تحت العود الرنّان، القصف في ليبيا يوقع الضحايا تحت آلات الإيقاع، اللبنانيّون المحاصرون في ساحل العاج يئنّون تحت آلات النفخ، أطفال غزّة يموتون تحت آلة القانون في عالم قانونه الوحيد العهر الذي تفشّى خارج السوق. من اخترع فكرة الشريط الإخباريّ؟ أيّ تعذيب أن يُشوَّه الجمال أمامك وتلوّث البراءة وأنت غارق في عجزك؟ وكيف تنجو بنفسك من هذا الانشداد المرضيّ الخبيث لمعرفة ما يجري حولك مع علمك بأن لا حول لك ولا قوّة لتغيير ما حولك؟
أردت أن أجبر نفسي على الارتقاء فوق مستوى الشريط، فأخذت أنظر إلى وجوه العازفين. أولئك الجنود المجهولون الذين لا نعرف أسماءهم، هل يعتاشون حقًّا من الموسيقى؟ هل يملكون بزّة رسميّة واحدة يرتدونها في كلّ الحفلات وهم مطمئنّون إلى أنّ أحدًا لن يلاحظ؟ كيف اختار أحدهم هذه الآلة دون سواها؟ وهل هم موزّعون على طبقات ومراتب، كأن يكون ناقر الدفّ أدنى مرتبة من النافخ بالمزمار؟ وهل هم مترفّعون إلى حدّ أنّهم أمضوا حياتهم في الدراسة والتمرين ليختفوا خلف عازف أوّل، أو وراء نجمة صاعدة تهوى الاستماع إلى رنين هاتفها وخلخالها؟ وكيف ذابت "أنا"هم في الجماعة؟ وهل في شرقنا العربيّ من يقبل بأن يكون جزءًا من كلّ؟ مرّة ثانية، أخذني النظر بعيدًا عمّا كان السمع يطير بي نحوه.
أعود مرغمة إلى الشريط الإخباريّ، أرصد من خلاله ما ينتظرنا غدًا الجمعة، بعد الصلاة. هل ستخرج الثورات عن الإيقاع لتغرق في الفوضى والعبثيّة؟ وكيف يسهل على الناس الانتقال من سكينة الصلاة إلى ضوضاء الشارع؟ تجذبني الموسيقى من جديد فأغضب على نفسي العاجزة عن مقاومة الأخبار المتكرّرة، المستعادة، أستسلم لعمليّة غسل الدماغ وأنا واعية إلى أنّ الشريط لن يطرأ عليه جديد في مثل هذه الساعة المتأخّرة من الليل. ومع ذلك أقرأ مرّة بعد مرّة: اليابان، اليمن، مصر، سوريا، العراق، البحرين، ليبيا، ساحل العاج، هزّات، تسونامي، ثورة، قصف. الموسيقى تتابع انسيابها، والآلات تتعانق وتنسجم وتنصهر، كلّ مرّة في لحن جديد. أنتبه إلى الشجن الطالع من أعماق موسيقانا الشرقيّة، أتساءل مرّة ثانية عمّن طلع بفكرة هذا الشريط الإخباريّ اللعين. تتحوّل الحفلة في رأسي جنّازًا، أختنق من دخان القصف في ليبيا، تصيبني رصاصة السلطة في سوريا، يهاجمني رجل أمن يمنيّ، أضيع بين الآلاف في ميدان التحرير في مصر، أنتظر وصول الزلزال من اليابان، يستمرّ الموسيقيّون في العزف، يشبهون أولئك الذين استمرّوا في العزف أثناء غرق التيتانيك، يحلّقون مع نغماتهم بعيدًا عن فقرهم وحروب الآخرين. ترقص الأرض، يرتفع الغمر، نغرق كلّنا في نوم سريريّ طويل.

هناك تعليقان (2):

وادي المعرفة يقول...

الله يا مي ما أحلاك ماأجملك!! الله عليك
النص بديع، والمقارنة رائعة حيث لكلّ "قانونه".. هناك أهل الروح والفرح والحياة، وقبالتهم بنو االقهر والأسى والموت
نص راق وراقي ورائع، أعجبني أن خلا عنوانه من الفن وامتلأ بالقرف وأسلوب الأخبار. الله يحميك ويباركك ويسعدك.

Al-Hallège يقول...

نص جميل سلس....رغم الحالة اللعينة في هذا الوطن..لا زلنا نخلط صوت الموسيقى الجميل بلعلعة الرصاص و اصوات إستغاثة الأطفال المرتعبين....لا زلنا سيّدتي نحن العرب...هكذا