الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الثلاثاء، 14 سبتمبر 2010

إن وقعت الحرب ولا عَشرة يصلحون

دخان الحرب أم دخان الأراكيل؟

هل نريد أن يعود هذا المشهد؟


يكثر الحديث عن الحرب وكثر ينتظرون الحرب. ولا أعني بذلك الدول المعنيّة بأمرنا بل نحن الشعب المسكين الذي لا يملك سلاحاً ولا يعرف كيف يقاتل. ومع ذلك ننتظر الحرب لنصفّي حسابات عالقة رافضين التفكير في ما ستخلّفه من موت ودمار. نريد أن نأخذ حقوقنا بأيدينا بعدما سئمنا انتظار الدولة والقوانين والعدالة، وبعدما أماتنا الموت البطيء مليون مرّة في اليوم، وامتصّت النقمة نسغ أعصابنا ولم تبق لنا سوى الرغبة في زلزال مدمّر أو طوفان غامر أو حرب شاملة. لم نعد نريد ثورة تجدّد ما كان قائمًا أو تستبدل نظامًا بنظام أو زعماء بزعماء. نريد أن ينتهي هذا الفيلم الطويل المملّ السمج إمّا بسلام حقيقيّ أو بزوال نهائيّ.
المنتظِرُ حكم المحكمة لتبتّ دعواه القضائيّة لم يعد يطيق انتظارًا يجترّ أيّامه، يريد أن تعود الحرب، ولو ليوم واحد ليحقّق عدالة تعفّنت في ملفّات تقضمها الجرذان ليلاً في أروقة قصور العدل القاصر/ المحروم النوم الهانئ يتمنّى أن تعود الحرب ليعلّم جاره المستقوي برجل الأمن أنّ ضجيج الحرب أرحم من ضجيج الفجور/ المصروف من عمله بلا سبب أو تعويض يصلّي كي يصير إلهه إله حرب لا إله رحمة كي يساعده في الانتقام من ربّ عمل لا يعرف ربًّا ولا يؤمن بكرامة ولا يحترم عطاء/ المهان على الطريق بغير سبب سيحوّل الطرق أنهار دم/ والمعتدى عليه وهو الضعيف سيقول عليّ وعلى أعدائي وليأت الخراب من بعدي. فإن وقعت الحرب ونحن على هذا القرف فسيشارك فيها كلّ من جرّب السلم فغدر السلم به، وكلّ من وثق بالدولة فخانته الدولة، وكلّ من آمن بشريكه في الوطن فخيّبت الشراكة آماله. وسيحمل السلاح، أكان بندقيّة أم سكّينًا، كلّ الذين جعلناهم ضحايا: بعنصريّتنا وطائفيّتنا ومذهبيّتنا وكبريائنا وغبائنا وتكالبنا على السلطة والمال. ولن تكون في الحرب، إن وقعت، قضايا وطنيّة أو مواقف بطوليّة ولن يُسمع فيها صوت العقل وتأنيب الضمير ولن يستجيب أحد نداءات الرحمة، بل ستعلو قهقهات الشماتة يطلقها من انتظر الحرب لينفّس حقده في من سخّر السلم لأطماعه، ويرتفع عويل من تدوسهم نعال القتال وهم الذين ما استفادوا من زمن السلم ولا تعلّموا كيف يكون الانتقام.
ينتظر الحرب من جرّبها واستلذّت أحاسيسه بمتع القتل والتعذيب والتنكيل، وينتظر الحرب من رافقت الحربُ طفولته ومراهقته فنام على حكايات البطولات الواهية واستيقظ على آثار الخيبات الباقية. ولذلك تقشعّر الأبدان إن تخيّلنا مشهدًا واحدًا محتملاً من مشاهد ما سنواجهه متى سمعنا أحدهم يقول وعيناه تلمعان رغبة: "بس لو بترجع الحرب ليوم واحد، لساعة واحدة"، والأدهى أن يكون هذا القائل ممّن اختبر الحرب من غير أن يشارك فيها. هو الانحطاط وهي الخيبة. أوصلانا إلى حالة لا يفيها حقّها إن قلنا إنّها بهيميّة. كأنّنا لم نعد بشرًا، كأنّ ما يجري على مدار الساعة رواية مرعبة أنتجها خيالٌ مريض، كأنّ الجحيم هو هذا: أن نمتلئ بكلّ هذا الحقد واليأس والعناد والفساد والأنانيّة. ولذلك لن تكتب رواية ناجحة عمّا نحن فيه لأنّ اللغة لن تجد مفردات مناسبة لوصفه، وكلّ روايات الحرب التي صدرت في لبنان ليست إلاّ مشاهد متقطّعة وقليلة من حرب عبثيّة سخيفة طويلة لا يستطيع العقل البشريّ أن يتحمل رؤيتها في نسختها الكاملة. والآتي أعظم. وبعدما اختبرنا حروب الآخرين على أرضنا ها نحن منطلقون لخوض حروبنا التي سيكون لها ألف اسم واسم وهي ليست سوى عمليّة انتحار جماعيّة بأبشع الطرق ولأتفه الأسباب.
إن وقعت الحرب فهذا يعني أنّ السلم فشل في كلّ شيء: في صقل نفوسنا وتهذيب أخلاقنا ومحو صراعاتنا، في ترسيخ انتمائنا الوطنيّ وحسّنا الاجتماعيّ ومشاعرنا الإنسانيّة، في صهرنا في رؤية واحدة ولو كنّا عشرات الطوائف وعشرات الأحزاب. فمتى صار شعب كامل يسترخص الحياة ويستطيب الموت، في حادث سير أو من أجل ركن سيّارة، فعلى السلم السلام. ويا خوفنا من حرب تحوّل الجميع مجرمين بالفعل أو بالقول أو بالتفكير، وتعِد الأطفال بحرب جديدة أجمل من تلك الموجودة في ألعابهم الإلكترونيّة. ومن يصبر إلى المنتهى سيتمنّى لو لم يخلص ويرَ هول ما يراه. فهل فينا عشرة صالحون ننجو بشفاعتهم؟

جريدة النهار - الثلثاء - 14 أيلول 2010

هناك 4 تعليقات:

Ramy يقول...

أزيك

طبعا المقال قاتل جدا بس هل اللى هيقرله هيحس بده بمرارة الكاتب و خوفه على بلد و شعب

عارفة حضرتك دة اللى كنت بتكلم فيه من كام يوم مع المدونين الوضع اللى ممكن نوصل فيه للحد ده من الكراهيه
أنك تتمنى الحرب بدون وعى لما سيحدث بعد ذلك

يعنى الشخص اللى بيتمنى الحرب ده و هو مشفهاش محسهاش

بنقول عليه فى مصر اللى أيده فى الميه مش زى اللى أيده فى النار

يمكن انا أيده فى الميه يعنى الحمد لله معشتش جو الحروب بس يمكن عشت جو الأرهاب بس برضه معشتهوش بنفسى

حرب البلد الواحدة هو ده الأرهاب عمرها ما هتكون حروب عاديه

مش هيكون مكان واحد فى بلدك أمن ليك

علشان كده مش عاوز جو الأرهاب و الحرب

يمكن انا مش خايف على نفسى بس على اللى بنحبهم

مش عاوز أوصل لدرجة أنى أتمنى الحرب
يا تشفى يا تخفى

و يارب لبنان ترجع زى ما انا كنت شايف

أسف للتطويل

و لكن الموضوع أكبر من كومنت واحد أقدر أكتبه

بالتوفيق

و ربنا يكون معاكى

و معانا و مع لبنان

ماري القصيفي يقول...

شكرًا رامي على محبّتك. معك حقّ في ما كتبته. نحن كنا في النار ونخشى العودة إليها. الحرب الأهليّة أبشع ما يواجه الشعوب لأنّ الأخ قد يقتل أخاه والجار جاره. نجّانا الله كلّنا منها

Fr. Hanna يقول...

قبل انتهائي من التحضير للمهرجان الأكل اللبناني(Lebanese food Festival) في دانا ستريت ولكس باري- بنسلفانيا، قررت أن أري الأميركان السيارة اللبنانية القديمة مستعيرا حمارا من مزرعة صديق لي، وبالمناسبة نقوم بكم جولة على ظهره للصغار والكبار، أفشل مخططي أننا بحسب القانون مجبرون على اخطار(the insurance company) للتأمين، ومائة معاملة ترفع من قدر الحمار. أريد أن أبقى علاقة ما بين الذين هم من أصل لبناني بلبنان لأنه لم يعد لدينا سوى بعض التراثيات لإبقاء الصلة، وحسبماأشارت الكاتبة أن حبنا للحرب والقتال أفسد علينا أشياء كثيرة.

Fr. Hanna يقول...

تتجه أميركا حاليا إلى انتخابات أولية للكونغرس، وتتفاوت استطلاعات الرأي بين الديمقراطيين والجمهوريين فترجح تارة كفة هذا أو ذاك، ومن المتداول به أن امكانية الخسارة كبيرة للديقراطيين، وساحات المعركة أو الولايات ذات اللون الزهري تستعد للمنازلة. هذه المعركة في لبنان نسميها معركة على المنخار، ولكن المفارقة أنك تجد الشعب الأميركي لا يتحدث بأمورها إلا لماما، ولا تأخذه إلى خصومة أو عراك وصراخ. هي أمر طبيعي، له وقته. أنها حضارة ورقي نفتقدهما.