الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الخميس، 16 يوليو، 2009

نحن أيضًا من العائلة الرحبانيّة يا آل الرحباني


عاصي ومنصور ليسا ملكًا لأحد وليسا إرثًا عائليًّا خاصًّا ينتظر الجميع وضع اليد عليه! عاصي ومنصور ليسا قطعة أرض ولا بئر مياه ولا جلال زيتون يتنازع ملكيّتها الأبناء والأحفاد! وهما بالتأكيد لم يعلّما أولادهما أن يتقاتلا على ما لم يتعبا في تحصيله، وإن كانا فعلا ذلك فلا نحن من أتباعهما ولا من عاشقي شعرهما وموسيقاهما ومسرحهما!
ما يجري على الساحة الرحبانيّة معيب، ولكن إن قارناه بما يجري في لبنان خفنا، فهل حان وقت إسدال الستارة على لبنان الذي صنعه الأخوان رحباني فكرة فكرة وكلمة كلمة ونغمة نغمة؟ وهل كتب لهذا الوطن أن تبدأ حكايته الجميلة مع الأخوين المنصهرين قلبًا وفكرًا لينتهي مشرذمًا مفتتًا مع أبناء العمومة الأعداء؟ كتبت في هذه الصحيفة منذ أعوام أنّ مشكلة الرحابنة الصغار هي أنّ آباءهم رحابنة كبار. يومها قيل لي إنني قسوت في حكمي وتعبيري، فتمنيّت أن يكون الأمر كذلك، غير أنّني كنت أخشى على هذه العائلة من المصير الذي تواجهه السلالات عادة: جيل يؤسّس، جيل يسلّس، جيل يفلّس. وحين ألّفت ريما الرحباني لوالدتها السيّدة فيروز أغنية "بيتي الزغير بكندا" تساءلتُ في مقالة أخرى إن كانت ريما تنذرنا بزوال "البيت" اللبنانيّ وتدعونا إلى البحث فورًا عن بديل، في "كندا" مثلاً، حيث صورة البيت الموصوف في الأغنية لا تشبه تلك التي رسمها والدها ولوّنها عمّها، أو العكس. وحين مات منصور الرحباني، كتبت متوجّهة إلى الذين عتبوا على فيروز لعدم حضورها مراسم الدفن وقلت إنّ تلك السيّدة آثرت ذلك، ربّما، احترامًا للراحل وخشية أن تسرق منه، رغمًا عنها، اهتمام الناس الذين يراقبون تحرّكاتها ويحصون أنفاسها كما يفعلون في يوم الجمعة العظيمة حين ينسون المسيح ويهتفون لفيروز.
وعندما أعلنت وزيرة التربية بهيّة الحريري عن إدخال الرحابنة في مناهج التعليم، دعوت في مقالة وجّهتها إلى المعنيين بالتراث الرحبانيّ إلى جعل هذين الكبيرين من ضمن منهج عام لتدريس تاريخ لبنان الإبداعيّ الذي قد نتفق عليه مقارنة باستحالة الاتفاق على تاريخنا السياسيّ. وحذّرت من إمكان وقوع سوء فهم لهذا الفنّ حصرًا، وتغييب أسماء أخرى كان لها دورها الإبداعيّ كذلك، عدا عن خشيتي على الفنّ الرحباني من رتابة التعليم وضيق أفق المعلّمين وجمود المناهج، إذ لا زلت أذكر بأسف كيف قوبلت فكرتي بالاستهجان حين أدخلت منذ أعوام الأغنيات الرحبانيّة في المنهج الدراسيّ لمختلف مراحل التعليم، وذلك قبل تحديث المناهج ومراسيم الدولة. وحين رفع زياد الرحباني دعوى قضائيّة لشطب اسم عاصي الرحباني (الابن) من سجّل العائلة، كتبت إنّ عاصي الكبير ما كان ليتنكّر لعاصي الصغير وهو الذي تبنّى مئات الشخصيّات وأعطى كلاًّ منها اسمًا ولغة وهويّة ودورًا وخلّد ذكرها في أذهان الناس.
إنّ شبكات التجسّس والمؤامرات ليست أكثر خطرًا على لبنان من تحطيم مبدعيه، إذ لم يقدّم أحد خدمة لأعداء لبنان أكبر من الخدمة التي يقدّمها لهم أولاد عاصي ومنصور. فأيّ عدو كان يحلم بتجنيد أيّ ابن (أو ابنة) من عائلة الرحباني ليهدم ما بناه الأخوان طوال عمرهما؟ وهل من هزيمة للبنان أقسى من تلك التي تتناثر فيها أشلاء الفنّ الرحبانيّ بعد الانفجارات الكبيرة التي يتسبب فيها ورثة ذلك الفنّ؟
لذلك لا بدّ من أن نقول لهؤلاء الأبناء إنّ كلّ واحد منّا فرد من عائلة عاصي ومنصور وفيروز، وإذا كان أبناء الجسد يتقاتلون على الإرث الماديّ، فنحن أبناء هذين الفكر والفنّ نعرف أنّ ما تركه الرحابنة لم يعد ملكًا لواحد أو ستة ما دام ملايين الناس يحفظونه ويردّدونه، من دون أن يسألوا لمن هذه الكلمة أو لمن تلك الموسيقى.

ليست هناك تعليقات: