الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الجمعة، 17 يوليو، 2009

كوني جميلة واصمتي


Sois belle et tais toi - by Lawrichai

أخيرًا عرف الرجل كيف يطبّق القول الشائع:كوني جميلة واصمتي، واستطاع بواسطة العلم أن يقنع المرأة بأنّ السكوت الذي كان من ذهب سيكلّفها ما هو أغلى من الذهب وستصمت وستكون جميلة ومطيعة ومبتسمة في شكل دائم ولن تبدو على ملامحها سوى علامات الرضا والجمال والصبا.
السيليكون، عمليّات التجميل، الأقنعة اللاصقة لإخفاء التجاعيد عند الظهور العلنيّ، وسوى ذلك كثير من الاختراعات الطبيّة التجميليّة التي عدا عن أنّها جعلت النساء متشابهات، فقد أعاقت قدرتهنّ على الكلام بسبب البشرة المشدودة أو المنفوخة أو المتورّمة أو المشوّهة بسبب عطب طارئ خلال العمليّة لن يستطيع التقنيّون أن يصلحوه إلاّ بعمليّات أخرى. وهكذا ما بين غرف العمليّات، والبنج المخدّر، والتورّم الذي يلي العمليّة، والانعزال في المنزل في انتظار التعافي، ثمّ كلام قليل وأحيانًا غير مفهوم بسبب ما طرأ على الوجه من تغيّرات جعلته كقناع لا يتفاعل، ثمّ الصمت المفكّر للتخطيط لعمليّة تجميل جديدة، تعيد توزيع الشحوم من جديد من حيث تتكاثر وتشوّه إلى حيث تندر وتُطلب لتنفخ وتجمّل. وخلال كلّ ذلك، وبعده، تكون المرأة في مرآة نفسها جميلة، وفي نظر الرجل ساكتة، وهكذا يرضى الطرفان، ويعمّ السلام في المنزل والمجتمع والكرة الأرضيّة.
ما يدفعني لتأمّل وجوه النساء المتجمّلات العاجزات عن الكلام هو الأسارير الهادئة الساكنة، أحيانًا تخيفني إذ تبدو كوجوه المومياءات الجامدة، وأحيانًا تدفعني إلى الضحك بسبب شكلها المرسوم من دون فنّ أو تعبير أو خصوصيّة، ولكنّها غالبًا ما تطمئنني إلى أنّني لن أكون ضحيّة ثرثرة أو محاضرة أو تغيّر في المزاج، فالمرأة "المحنّطة" أمامي عاجزة عن الكلام والغضب والانفعال وكلّ ما ستقوم به إن أرادت أن تعبّر عن شيء هو بعض الإشارات من يديها لا تثير صخبًا ولا تحدث صداعًا. فأنا منحازة إلى الجمال والصمت فكيف إذا اجتمعا في امرأة لا همّ لها سوى أن تكون جميلة وشابّة ولو كلّفها ذلك الصمت الذي يصير فعلاً من ذهب في مثل هذه الحالة؟
منذ فترة، بدأ أحد المصارف اللبنانيّة يقدّم قروضًا لعمليّات التجميل، وكانت الإعلانات تتوجّه طبعًا إلى النساء مع أنّ الرجال بدأوا بمعالجات تجميليّة حتّى أن بعض رجال السياسة خضع لعمليّات إزالة التجاعيد قبل موعد الانتخابات وطباعة الصور والملصقات وإجراء المقابلات. المهمّ في عرض المصرف هو في أنّه يتوجّه في طبيعة الحال إلى الموظّفات والعاملات وذوات الدخل المحدود. فالثريّات وصديقات الأثرياء لا يحتجن قروضًا مصرفيّة، وهكذا يقدّم المصرف للفتاة المتواضعة الحال إغراء يعدها بالجمال والصبا ولو على حساب وضعها الاقتصاديّ، لأنّ المصرف ليس بنك خدمات أو مؤسّسة خيريّة. وثمّة من وقعن في التجربة، ولسن أبدًا من المحتاجات لعمليّات تجميل بسبب تشوّه خلقيّ أو حريق أو حادث سير بل أثبتت التجربة أنّهن من اللواتي يردن أن يزددن أنوثة و"جاذبيّة قاتلة" ونستعير التعبير من عنوان فيلم لغلين كلوز ومايكل دوغلاس.
وفي هذا المجال، أعترف بأنّني لا أعرف إن كان ثمّة نساء طبيبات متخصّصات بعمليّات التجميل، فأكثر الذين نسمع عن براعتهم وشهرتهم في العالم رجال، غير أنّ الأمر يدعو إلى التحرّي والتحليل للمعرفة ما إذا كانت المرأة تطمئنّ لتسليم وجهها (خصوصًا وجهها) لامرأة أخرى وتثق بأنّها لن تخرج من تحت رحمة مشرطها مشوّهة، أو لماذا لا تختار النساء التخصّص في عمليّات التجميل، فهل يخفن على مريضاتهنّ من مشرط قد لا يطيعهنّ وهن يرممّن وجهًا للمرّة رقم كذا لسيّدة ثريّة ضجرة لا تريد أن تكبر في السنّ ولا تعرف كيف تقوم بعمل يفيد البشريّة، وتريد أن تشبه "باربي" مهما كلّف الثمن؟

ليست هناك تعليقات: