الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الجمعة، 4 نوفمبر 2011

سيّد الهوى وأسيره (النصّ الثامن والثلاثون من كتابي رسائل العبور - 2005)


(Hugo Gerhard Simberg (1873- 1917
The Wounded Angel 1903

أنت الملاك الذي أخفى جناحيه تحت عباءة رغباته، وانطلق في الأرض شيطانًا مبتدئًا.
تمشي في حقل التجربة، وفي عينيك براءة طفل، وفوق جبينك سحابة عشق.
أصابعك عشر خطايا، وعلى لسانك عشر وصايا، وبفيض مائك تغتسل البغايا.
أنت الذي نزل من رحم امرأة إلى جحيم نفسه، وغادر الطفولة على صهوة الشهوة إلى أرض الرجولة المسوّرة بأذرع نساء بيضاوات كالحليب.
في حضن المحرّم سريرك، وموسيقاك المفضّلة شهقات العاشقات الباكيات لذّة وعشقًا.
لا تخلع جلدك إلّا في العتمة كي لا ترى في عيون نسائك جناحيك الصامتين.
ولئلّا تتفوّه بالكلمات التي تميط اللثام عن سرّك لا تفتح فمك إلّا لالتقاط الشرارة/ الحلم المتوهّجة في ليل الشبق كطفل جائع مغمض العينين يترك لشفتيه أن تقوداه إلى حيث النعمة.

أغرتك ملذّات الأرض فخلعت بياض اطمئنانك وارتديت القلق الأسود وتسلّلت هاربًا من سماء القناعة.
وكنت تعلم أنّ إلهك لن يتدخّل، ولن يحاول ردعك عن مواجهة التجارب التي تنتظرك ولا قوّة لك عليها، فوثقت بأنّ حريّة اختيارك لن تمسّ.
تظاهرت بالهرب مع علمك بأن لا شيء يخفى على سيّدك، وتظاهرت بأنّك إنسان مع علمك بأن لا إنسان يشبهك.
كنت ملاكًا مبتدئًا وصغيرًا وبقيت مبتدئًا وصغيرًا حين أردت أن تصير شيطانًا. فجناحاك أوسع من جلد إنسان، والنور الساطع من عينيك أقوى من أن تحجبه نظّاراتك الشمسيّة الحديثة.
أيّها المقلّد الفاشل، داعبتْ يداك أجساد النساء الدافئة المبلّلة، لكنّ كلمات العشق وألفاظ الشهوة بقيت مهموسة خافتة خجولة كأنّك لا تريد لأحد سواك أن يسمعها. وداعبَ لسانُك آذان النساء المحترقات بجحيم الرغبة لكنّ الكلمات وقعت عنه حين حاولت أن تعِد بما تثق بأنّك لن تفي به.
لقد عرفت دائمًا ما هي الكلمة وماذا يعني أن تتفوّه بها.
Sabrina Biancuzzi
جرّبت الجسد والحسد والغرور والجشع والأنانيّة والكذب والقسوة وفشلت. وكان جسمك يصاب بالتعب بعد كلّ امتحان، وكانت روحك تغرق في حزن غريب كأنّ مغامراتك الجريئة امتصّت طاقتك وتركتك فارغًا إلّا من التوق.
وكم وجدت لنفسك الأعذار التي تسمح لك بخوض تجربة بعد أخرى بعد أخرى، وكم حاولت في المقابل خلع جلدك لتفرد جناحيك في رياح العودة إلى سماء سلامك، لكنّك كنت مكابرًا ومصرًّا على اكتشاف كلّ ما يعرفه الإنسان، كلّ ما جرّبه الإنسان، كلّ ما هو عليه ذلك الإنسان الذي فعل سيّدك من أجله كلّ هذا الذي فعله.
أنت الملاك الذي يرى ويسمع غير أنّك الآن تريد أن ترى وتسمع بأصابعك وجلدك، وأن تكتشف قدرة حواسّك على استعذاب كلّ ما يحيط بها: أن يتذوّق لسانك كلّ أصناف الطعام والشراب، وأن يتنشّق أنفك كلّ أنواع العطور الذائبة في مسام الأجساد، وأن تسمع أذناك تنهّدات الوله، وأن تجلس مع كلّ أصناف البشر، وأن تستحمّ بالمياه الباردة وأن تغتسل بالمياه الدافئة، وأن تتصبّب عرقًا، وأن تداعبك أيدي النساء والرجال، وأن تخترق الشهوات مسامك، وأن تنفجر عواطفك صراخًا وماء ودموعًا، وأن يجرح الحصى قدميك، وأن تمزّق الآلام أمعاءك، وأن تتعب حتّى النوم، وأن تنام حتّى الحلم، وأن تحترق بالشوق، وأن تبترد باللقاء.
أردت أن تصير إنسانًا بلا جناحين أبيضين، غير أنّك في كلّ ما فعلت كان الناس يسألونك: من أنت؟ ومن أين أتيت؟

غريب أنت أيّها الملاك الشيطان، غريب وخائف.
غريب غربةَ الرجل الأوّل على سطح القمر.
وخائف خوفَ أوّل إنسان نزل إلى الجحيم.
ومع ذلك قرّرت أن تتخلّى عن جناحيك الكبيرين القويّين الأبيضين. قرّرت أن تصير إنسانًا مكتمل الإنسانيّة، وأن تحسم أمرك وتتخلّص من ملائكيّتك المعلّقة على كتفيك لتعيش على الأرض كسائر ناس الأرض، وأن تعرف الضعف والممنوع والأرق والوجع والجوع والشوق والحرمان. وعبثًا حاول الملائكة، رؤساء وعناصر، كبارًا وصغارًا، أن يثنوك عن عزمك. كنت مصمّمًا على الغرق حتى النخاع المنساب في عظامك في تجارب سمعت بها ولم تختبرها.
لكنّك فجأة، وفي قمّة هيجان جسمك واشتعال روحك، وقعت في الحبّ الذي يختصر الحياة كما لم تعرفها بعد. أحببت الحبّ الذي عرفت سكينته يوم كنت ملاكًا، وأحببت الحبّ الذي عرفت توهّجه يوم صرت إنسانًا.
ولحظة فهمت أنّك سيّد الهوى وأسيره، وأنّك تحبّ بروحك وجسدك، وأنّك تخلي ذاتك لتمتلئ بالآخر، وأن جناحين جديدين قويين أبيضين يعودان ليرفرفا فوق كتفيك، خفت خوفًا عظيمًا، ورفضت الاستسلام لحبّ اعتبرته هزيمة، ولعطاء اعتبرته تراجعًا، فهربت وهِمْت بين السماء والأرض ملاكًا جبانًا تشفق عليه الملائكة، وشيطانًا فاشلًا تسخر منه الشياطين.
(من كتاب: رسائل العبور- 2005)

ليست هناك تعليقات: