الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الخميس، 24 نوفمبر، 2011

إلى علياء ماجدة المهدي: ماذا فعلتِ بثيابك؟


عراة...وجائعون وليسوا بعيدين عن مصر


لا تنحصر المسألة في أنّ الفتاة المصريّة علياء ماجدة المهدي خلعت ملابسها ونشرت صورها عارية على مدوّنتها الإلكترونيّة، ولكن المسألة هي في الإجابة على سؤال أساس، تتفرّع منه أسئلة ثانويّة: وماذا بعد؟ ماذا استفادت البشريّة من فعلتها هذه؟ وماذا حقّقت تلك الفتاة للمجتمع وليس لها كفرد منفصل عن هموم الجماعة؟
(William Adolph Bouguereau (1825- 1905
The Birth Of Venus

الأجساد العارية موجودة كيفما التفتنا: في المستشفيات وغرف العمليّات الجراحيّة، في مصحّات الأمراض العقليّة حيث ينزع المرضى ملابسهم أو يمزّقونها، على شواطئ العراة في بلدان متحرّرة، عند القبائل المختبئة في أدغال أميركا الجنوبيّة التي لم ترضخ بعد لمتطلّبات المدنيّة المهذِّبة، في إفريقيا حيت يموت الناس جوعًا، في الأزقّة حيث يدنق العجزة الفقراء، في اللوحات الفنيّة الراقية، في الأفلام السينمائيّة، في النوادي الرياضيّة، ولكن ما هي رسالة عريك أيّتها الفتاة؟ وماذا فعلت بملابسك حين خلعتها؟

المسيح نفسه علّق على الصليب شبه عارٍ، والقدّيس فرنسيس الأسيزي خلع في وسط ساحة مدينته ملابسه الفاخرة حين ثقل عليه مرأى الناس الفقراء العراة فأثار فضيحة حين انتقد الكنيسة الغنيّة وتصرّفات رعاتها، لكنّه أسّس في المقابل رهبنة لا تزال إلى اليوم في خدمة الفقراء والمرضى. والأمّ تريزا دي كلكوتا احتضنت الأطفال العراة لتمنحهم دفء محبّتها المجّانيّة، ورعت المصابين بالبرص الذين أهلمهم ذووهم وتخلّت عنهم دولهم، ثمّ أنشأت رهبنة تبحث عن الفقير والجائع والمهمّش لعلّها تخفّف بعضًا من آلام البشريّة. أمّا أنتِ أيّتها الشابّة ففي الدفء خلعت ملابسك لتظهري جسمك السليم المعافى، فماذا حقّقت بذلك سوى التشويش على الثورة المصريّة والإساءة إلى صورة المرأة التي حين تريد أن تتحدّى المجتمع لا تجد سوى جسدها سلاحًا ودموعها رصاصًا؟
منذ بضع سنوات، انتشر في لبنان فيلم فيديو لعارضة أزياء (نيكول بلاّن) في أوضاع حميمة مع صديقها. استدعي العاشقان للتحقيق معهما بتهمة الإخلال بالآداب العامّة والتجارة بفيلم يسوّق الدعارة. تحمّست الصحافة آنذاك للدفاع عن حريّة الناس في ممارسة الجنس، وتبارت الأقلام في الدفاع عن عارضة الأزياء التي قيل إنّها كانت ضحيّة مؤامرة دبّرها لها الصديق نفسه، شريكها في الفيلم. في الوقت نفسه كانت عشرات الاتفافات السياسيّة والاقتصاديّة توقّع بين لبنان وسورية في منأى عن اهتمام الناس والصحافيّين إذ كان الجميع مشغولًا بنسخ الفيلم ومشاهدته والتعليق عليه. ولو كانت شبكة الإنترنت موجودة كما هي الآن لكان حقّق أعلى نسبة مشاهدة. وحين ضجر الناس من مشاهدة الجسدين العاريين انتبهوا إلى اتفاقات وقّعت ولم يكن لهم رأي فيها، وقيل يومذاك إنّ نشر الفيلم كان مقصودًا في عمليّة إلهاء كبيرة تبعد اللبنانيّين عن مقاربة ملفّ العلاقات السوريّة اللبنانيّة. فهل تريدين يا آنسة علياء أن تلهي الناس بجسدك العاري عن ثورة تاقوا إليها وها هي اليوم تضيع في متاهات المزاج الشخصيّ والعناد والغباء والطائفيّة والتدخلّات الخارجيّة؟
تنسيق ألوان بين علياء وساتري جسمها على المواقع الإلكترونيّة

أنت سيّدة جسدك، وأنت حرّة فيه طبعًا، لكنّك حوّلته سلعة يتاجر بها المتحرّرون من أمثالك كما الأصوليّون من كارهيك، ولم تحقّقي في المقابل للنساء حريّة، ولا للمجتمع نهضة، ولا لأجيال الشباب هدفًا ساميًا. نظرت إلى الكاميرا بما اعتبرته جرأة ( لعلّها قحة)، لكنّك تعاميت عن النظر إلى هموم الناس وأوجاعهم وعوزهم.
لو أعطيت ثيابك لصبيّة فقيرة عارية يقضم الصقيع أطرافها، لقلنا إنّك فتاة مفعمة بالحبّ،
لو وهبت وقتك لتعليم الأميّين لقلنا إنّك اكتشفت على صغر سنّك أهميّة العلم الذي فيه قوّة المجتمع،
لو وضعت "شجاعتك" إلى جانب المرضى كي يستمدّوا منك قوّة لمواجهة آلامهم وأوجاعهم، لأكبرنا فيك القلب العطوف والضمير الحيّ.
لو كانت مهنتك هي أن تكوني موديلاً للرسّامين أو نجمة غلاف لمجلّة تهتمّ بالجسد لقلنا إنّك تقومين بعملك،
لوحة لجبران خليل جبران

لكنّ أفكارك العظيمة تمخّضت عن فكرة ساذجة لا جمال فيها ولا إبداع يعدي ولا هدف يعلّم. فليس بهذه الطريقة الفجّة غير الشاعريّة ندعو إلى الحبّ ونعترف بالجسد ونواجه رغباتنا المكبوتة.
الحريّة جميلة يا صغيرتي فلا تشوّهيها بالصغائر، وللجسد قيمة فلا تتلهّي بإخفائه تحت برقع أو تنشغلي في تسخيره أداة تلهي الناس عن همومهم الأساسيّة.
عرّي المجتمع من خبثه وغبائه ولا تكوني أداة في يد الخبثاء ومطيّة لمطامع الأغبياء. 
تحرّري من فكرة أنّ الجسد هو وحده المشكلة، ولا تكوني سببًا لمزيد من التطرّف في الذهاب بالحريّة إلى الفوضى أو في مزيد من التعصّب والتشدّد والعنف.

هناك 6 تعليقات:

وحي من الداخل يقول...

شكراً لهذا الطرح الرائع الذي آمن بالحرية ولكن للجميع.

MSMO يقول...

مقال أكثر من رائع
لك شكري وتحياتي وسلمت يداك علي هذه الكلمات الرائعة

ماري القصيفي يقول...

شكرًا للصديقين وحي من الداخل وMSMO

الحريّة في رأيي هدف أوّليّ.
نسعى إليها لأنّها وسيلتنا لتحقيق خير البشريّة لا لنقف عندها ونكتفي

dianakhader يقول...

حقا ماذا استفادت وماذا افادتنا تلك العلياء

ماري القصيفي يقول...

علينا أن نسأل من كتب معجبًا بها وبشجاعتها وفرادة عملها

عابدالقادر الفيتوري يقول...

احيانا اقول ان من يسأل عن تهور هذه الطفلة التي لا تعي رسالة ، ولا تجيد اختيار .. هم الطغاة باسم الفضيلة .. اشفق عليها وهي ترى في فعلتها اغاضة لهم ، ولا تدري كم هم في حاجة لامثالهاولفعلتها ليبرروا مشروعية دورهم