الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الأحد، 17 يوليو 2011

بلد المربّعات الأمنيّة ولا أمان فيه


تماثيل للجيوش من الصين القديمة



في مسرحية "الشخص" للأخوين رحباني، يصرخ المسؤول الأمنيّ في وجه بائعة البندورة التي اقتحمت ساحة الاحتفال حيث يمرّ موكب "الشخص" الذي يرمز إلى صاحب السلطة: ممنوعة الوقفة بالساحة، ابعدي يا بنت ابعدي يا بنت.


هذا ما يقوله لي المسؤول الأمنيّ في كلّ مرّة يطرق على باب بيتنا ولكن من دون لحن أو إيقاع ومن دون أن أجرّ أمامي عربة لبيع البندورة. حتّى صرت أعرف ما أن أرى اللباس العسكريّ أنّه سيطلب منّي أن أبعد سيّارتي من أمام البيت لأنّ زعيمًا كبيرًا سيعبر بالقرب منّا. وفي كلّ مرّة كنت أسأل المسؤول: هل أركن سيّارتي هناك؟ فيقول:لأ، ما فيكِ، هون؟ لأ، هون؟ لأ، أين أضعها إذًا؟ فيقول لي ما معناه: روحي مطرح ما بتروحي، المهمّ تروحي من الساحة. ابعدي يا بنت ابعدي يا بنت. طبعًا هو لم يقل ذلك، بل كان يقول مهدّدًا: إن لم تبعدي سيّارتك فستأتي القاطرة للقيام بذلك. ولكن يا سيّدي السيّارة في موقف خاص أمام بيتي مباشرة، وأنتم أخليتم الشوارع المحيطة بنا في كلّ الاتجاهات ولمسافات طويلة فأين نضع كلّ هذه السيّارات؟ غير أنّ الرجل لا يعنيه الموضوع، المهم أن تنفّذ الأوامر. ولكن يا سيّدي. هناك وسائل أخرى لاستهداف حضرة الزعيم، وأماكن أخرى قد تفخّخ وأنتم لم تعيروها اهتمامًا، وحولنا عشرات مستوعبات النفايات التي لم تنظروا إلى ما في داخلها، وعشرات ورش البناء وقرب كلّ واحدة منها غرف لعمّال من جنسيّات مختلفة وأنتم لم تفتّشوا واحدة منها، وفي الإمكان أن تملأ بأطنان من المتفجّرات، وأنتم غافلون لأنّكم مشغولون بشحن السيّارات التي لم تعرفوا أين أصحابها، كما أنّكم لم تفتّشوا بيوتنا وحدائقنا التي يمكن تفخيخها، وثمّة قصور وبيوت مهجورة تصلح للمراقبة والتفجير وكان عليكم أن تبدأوا بها أوّلاً. ولكنّ المسؤول الأمنيّ يرفض في كلّ مرّة البحث معي في منطق الأمور الأمنيّة فالمطلوب منه التنفيذ لا التفكير، وعليّ أنا كذلك أن أنفّذ ثمّ أعترض.
تخيّلوا معي بلدًا فيه هذا العدد من النوّاب الحاليّين والسابقين، والوزراء، والجنرالات، وزعماء التيّارات والأحزاب، وكلّ واحد منهم يملك بيتًا في المدينة، وآخر في الجبل، وآخر على البحر، وآخر على الثلج، وكلّها يجب أن تحاط بحراسة مشدّدة وأن تقطع الطرق التي حولها وأن يمنع وقوف السيّارات إلى جانبها، نعم، تخيّلوا معي بلدًا كلّ مسؤول سياسيّ أو عسكريّ فيه يخشى الاغتيال، وكلّ مسؤول سياسيّ أو عسكريّ له مربّعات أمنيّة تزنّر أمكنة إقامته وإقامة أولاده وأحفاده وتمنع الاقتراب منها. نعم، تخيّلوا معي عدد السيّارات التي يجب إخفاؤها كلّما مرّ زعيم، وعدد المرافقين والحرّاس الذين لا يطلب منهم التفكير بل تنفيذ الأوامر وقولوا لي بعد ذلك: نيّال من له مرقد عنزة في جبل لبنان.
أحيانًا تغيم في بالي صورة هذا البلد ولا أعرف كيف أحدّد هويّته: هل هو ملهى كبير، فيه يرقص الناس ويسكرون لينسوا همومهم؟ أم هو ثكنة كبيرة، فيها أنواع من السلاح تنتظر متى تفتك بالناس؟ أم هو معبد كبير، يُقدَّم فيه الناس ذبائح باسم الدين وهو منهم براء؟ أم هو مسرح دمى كبير، تشابكت خيوطه المتّصلة بكلّ ما جرى ويجري في العالم؟ ربّما هو كلّ ذلك وأكثر، وهذه هي مأساته التي تغيّب تحت سوادها خصوصيّة هذا البلد.

ليست هناك تعليقات: