الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

السبت، 2 يوليو 2011

وصفة طعام لمليار عربيّ


ليس سرًّا أنّ أسوأ أنواع الرقابة هي تلك التي يفرضها الكاتب على نفسه، فليس بالأمر اليسير أن يجلس الواحد منّا للكتابة وفي رأسه عشرات الممنوعات والمحرّمات التي تجبره على تحايد ذلك الموضوع والتحايل على تلك الكلمة والتذاكي على رقيب يحمل سلطة التحليل والتحريم.
وليس عيبًا الاعتراف بأنّ الكاتب العربيّ يتعلّم مع التجربة والوقت كيف يغذّي هذا الرقيب الذاتيّ المقيم فيه، وكيف يمدّه بالقوّة والسلطة اللتين تخوّلانه ممارسة مهامه وصلاحياته من دون مشورة أو اعتراض. فالمعوقات التي حالت بين الكاتب والنشر، وشروط مقاربة المواضيع، ومتطلّبات الحياة اليوميّة، وما علق في لاوعيه من أخبار الكبت والمنع والسجن والتعذيب والفقر، كلّها أمور روّضت الكاتب العربيّ، وليّنت طباعه المتوحّشة، وعجنت طبعه الثوريّ، وقلّمت أظافره الجارحة، وشذّبت أنيابه الحادّة، وهذّبت كلماته العوسجيّة، أو على الأقلّ، علّمته كيف يضع قفّازات بيضاء حريريّة فوق مخالبه المسنونة.
ومع الوقت المعبّأ بالتجارب والخيبات، يصير الرقيب الخارجيّ والرقيب الداخليّ صديقين عزيزين، يتفاهمان بالإشارة، بالنظرة، بالإيماءة، ويتبادلان المعطيات والأدوار والمعلومات، لا بل يأتي وقت يجلس فيه الرقيب الخارجيّ مرتاحًا إلى وضعه، مطمئنًّا إلى سير عمله، واثقًا من أنّ الرقيب الداخليّ يقوم بعمله في رأس كلّ كاتب، ولا داعي بعد اليوم للتنبيه والتحذير والرقابة والقصّ أو المنع، إلاّ في الحالات الشاذّة حين يخيّل للكاتب في لحظة توهّم لذيذة وخطيرة أنّ الظروف اختلفت وأنّ حريّة التعبير تحقّقت.
منذ بدأت الكتابة والرقيب الذاتي يحاصرني، مرّة يقفز من رأسي ويجلس أمامي محاورًا يريد أن يقنعني بالمنطق والبرهان بالابتعاد عن هذا الموضوع الحسّاس أو عدم التطرّق إلى هذه المشكلة الخطيرة، ومرّة يصرخ في وجهي ويجبرني على تمزيق أوراقي، ومرّة يتسلّل إلى خلايا دماغي محاولاً اقتلاع الأفكار التي تنمو هناك كأنّها بالنسبة إليه حشائش ضارّة تريد التهام المزروعات الصالحة، ومرّة يرندح في صوت يجمع بين اللؤم والدلال: تذكّري الراتب، تذكّري الفواتير، تذكّري التنزيلات المغرية...حسنًا، حسنًا إخرس، سأكتب ما لا يزعج والدي ولا أخي ولا صهري ولا كاهن قريتي ولا معلّميّ منذ صفوف الروضة ولا جيراني ولا أصدقائي ولا أقربائي في الوطن والمهجر، ولا رؤساء التحرير، ولا الشعوب العربيّة. سأكتب ما تريد وما يطلبه القرّاء وما تفرضه القوانين والأعراف والديانات ولن أكون سبب عثرة لأحد، ولن أغضب أحدًا، ولن أزعج سكينة أحد، ولن أتدخّل في ما لا يعنيني، ولن أمدح أحدًا ولن أهاجم أحدًا، ولن أشير لا من قريب أو من بعيد لا إلى السياسة ولا إلى الجنس ولا إلى الدين ولا حتّى إلى القبائل الشعريّة المتناحرة، ولن أعظ ولن أعلّم ولن أثير حفيظة ناقد في صحيفة ولا بائع الجرائد، سأكتب ما تمليه عليّ ولن أناقش. فتفضّل يا حضرة الرقيب الداخليّ المنسجم تمام الانسجام مع الرقباء الخارجيّين المبثوثين في أرجاء وطننا العربيّ العظيم.
-
حسنًا: المقادير لمليار عربيّ
-
وهل سأكتب وصفة طعام؟
-
طبعًا! وهل يمكن أن تجمعي العرب حول موضوع آخر يُسمح لك بالكتابة عنه؟


هناك 5 تعليقات:

جمال السيد يقول...

إن عقل العربي في بطنه وكل ما يهمه من فلسطين هو (بيت لحم) ـــ والعرب ثلاثة: العرب والأعراب والأعاريب ؛ الأخيرة لأبي نواس

5anfour el mtayyis (ali abdel sater) يقول...

رائعة .... لقد تخطّيت ما أعجز بالتّعبير عنه لذا أعتقد أنّ كلمة رائعة يمكن أن تلخص رأيي ... لقد أظهرت من خلال كتابتك و بشكل باطنيٍّ مخفي أنّ العرب ينقسهم الرابط وتنقسهم الوحدة . ففي وقتنا هذا نجد حاجزاً بين العرب ألا وهو الطّائفة , ولا يمكن التعليق عن هذا الوضع إلّا بالكتابة والتّعبير , وعندما يستطيع الشّعب كسر هذا الحاجز , تنكشف الحجب وبذلك تظهر حريّة التعبير

كريمة سندي يقول...

جميل جدا ما قرأت فقد استمتعت بقرائته

وكلامك صحيح وهي وصفة رائعة

ماري القصيفي يقول...

إلى الصديق جمال/ عقل العربيّ في مثلّث رأسه المعدة، وقاعدته من الجيب إلى الجيب وما بينهما

إلى الصديق علي/ اشكرك على رأيك وأهنّئك على مدوّنتك

إلى الصديقة كريمة/ أهلًا بك على مدوّنتي وشكري لرأيك اللطيف

5anfour el mtayyis (ali abdel sater) يقول...

ماري :]
الشّكر الجزيل لأنّك اتطّلعت على مدوّنتي