الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الأربعاء، 31 مارس 2010

مشاركتي في تحقيق للزميلة الشاعرة عناية جابر في جريدة "السفير"



أيها الكاتب ماذا تعني لك الموسيقى وماذا تحب منها؟

كلها أو بعضها موروث أو مرتجل من دون استعداد



بين الفنون كافّة، تفاعل مؤكدّ. التفاعل الأبرز والأكثر تواشحاً وامتداداً في التاريخ، وربما حتى يومنا هذا، هو ما يجمع بين الشعر والموسيقى. الأحرى، ما يجمع ما بين الموسيقى والغناء من جهة، والكتابة الإبداعية على وجه العموم، من جهة ثانية. الحقيقة أن هذا التفاعل يُرضيني، ويشغلني ويحفّزّ من اهتمامي الشخصي المتواضع بالشعر والموسيقى على السواء، ومن رغبتي الملحاحة الدائمة للوقوف على آراء أقران لي في هذا الشغف الثنائي الفتنة، خصوصاً أننا في وقت لم تعد فيه المكابرة تُجدي في حقيقة أن الموسيقى والغناء ليسا في أحسن حالاتهما، ومركب الفن الجميل يكاد يُغرق الجميع إذا لم تُحسن أدارة دفته.
ليس في سؤالنا عن علاقة الكتّاب والشعراء بالموسيقى والغناء: أيّ الأنواع يُحبّ وأيّ الأصوات يسمع، أيّ عملية تلصّص مجانية، الغاية هي الوقوف على علاقة قوية أو أقلّ قوة بين الحرف والنغم، وتوخيّ معرفة أمزجة كتّابنا لجهة علاقته بتراث بلده الفني أو تخطيه الى سماع الموسيقات الغربية بتفرعاتها كافّة. عن علاقة بعض الشعراء والكتّاب سألنا كلا من الشاعرة الأردنية زُليخة أبو ريشة، 
والكاتبة الشاعرة اللبنانية ماري قصيفي، والكاتب الروائي المصري خالد الخميسي، والكاتب المغربي (يعيش في لبنان ) راوي المرنيسي، والشاعرة المصرية جيهان عمر، وكانت حصيلتنا هذه الإجابات ذات الصلة العميقة بموضوعنا هنا:
زليخة أبو ريشة: بيت موسيقى
الشاعرة زليخة أبو ريشة لا تكاد تفرّق في أجابتها أو لا تعرف غلبة الأسبقية لعلاقتها بالحرف أو بالنغم، وهي هنا قصّت علينا الحكاية من أولّها الى آخرها:
ًلما كنتُ رضعتُ الشعر مع حليب الأم؛ فأبي شاعرٌ، وكذلك جدي وإخوتي جميعاً، وأبناء وبنات العمومة، فإنَّ الميل الفطريَّ للموسيقى قد وجد تحققه، خصوصاً أنَّ بيئة أسرتي المتصوّفة تُعنى عنايةً خاصةً بالنشيد، حيث هو طقسٌ أساسيٌّ في حلقة الطريقة اليشرطية. لقد فتَّحتُ عينيَّ إذاً على الشعر والنشيد الصوفي والموسيقى العربية في مقاماتها المتنوعة من صبا ونهوند وسيغا وبيات وحجاز وشارغا وفارسي وغيرها، والتي كانَ يعزفها على العود والدي عبد الرحمن، رحمه الله. أضيف إلى ذلك أنَّ أذني حظيت بتهذيبٍ مبكِّرٍ وصقلٍ ومران بسبب الأصوات الشجيَّة التي كانت حولي، صوت والدي الذي يشبه إلى حدٍّ كبير صوت القارئ المصري الشيخ محمد رفعت، وصوت والدتي آمنة الذي كان رقيقاً وحيياً، وأصوات إخوتي في النشيد وتجويد القرآن يحيى وأحمد، وصوت شقيقتي الصغرى هيفاء الذي هو مزيج رائع من فيروز وأم كلثوم.، بالإضافة إلى أصوات عدد من المريدين الذين كانت تعلو في حلقة الذكر وتُجَلّي. وحضرتُ في وقتٍ مبكر نقاشات فنية في الموسيقى العربية، حيث كانت عمتي سارة أيضاً عالمةً من علماء عصرها بها.
هذه هي المنابع الأولى لعلاقتي بالموسيقى العربية. ولما تبلورَتْ ذائقتي مستقلَّةً عن محيطي، افتُتِنتُ، وما أزال، بموسيقى الرحابنة وصوت فيروز. وكان هذا الافتتان طاغياً بحيثُ لم أتذوَّق ما كانت بناتُ جيلي وأبناؤه يتذوقونه، مثل عبد الحليم ونجاة وشادية وفايزة أحمد. بل إني كنتُ مستقلِّةً عن ذائقة أهلي في حبِّ أم كلثوم وعبد الوهاب، اللذين لم أنتبه إليهما إلا بعد وفاة أم كلثوم.
وعلى هذا فإنَّ الموسيقى تحفُّني أينما كنتُ؛ في البيت ومع الأهل وفي منتدياتها. كما أنَّ حضور العروض الموسيقية الراقية مطلبٌ كنت أسعى إلى تحقيقه أينما سافرت. واقتناء تسجيلاتٍ لموسيقى البلد الذي أزور أمر حرصتُ عليه حرصي على زيارة متاحف الفنون المعاصرة والمكتبات فيه، وذلك من أجل اكتمال الصورة الثقافية لهذا البلد لديَّ.

ماري قصيّفي: الآلة الواحدة

لماري قصيّفي، علاقة مزاجية صرفة بالسماع بشكل عام، موسيقى كانت أو غناء، علاقة غير ممنهجة، وغير خاضعة لشروط وأفضليات، بل تُمليها أحوال القلب ورغباته، وحالات الروح في طمأنينتها أو في كربها، تقول ماري:
«يتحكّم مزاجيّ بعلاقتي بالموسيقى والغناء. أحبّ الموسيقى بجميع أنواعها: الشرقيّة والغربيّة، ولا وقت محدّدًا لأيّ منها أو لنوع من أنواعها. قد يدغدغ سمعي الجاز صباحًا مع فنجان قهوة وجريدة في مطعم أنيق، أو يطربني صوت أم كلثوم ظهرًا لأهرب عبره من ازدحام الحياة، وصوت فيروز ليلاً مع أنّ الإذاعات تبثّ أغنياتها عند الصباح ولو كانت الأغنية: سهار بعد سهار. حين أكون مكتئبة أحتاج إلى أغنيات عبد الحليم في الأفلام ولو كان بعضها حزينًا كأنّ حزن تلك الأيّام أكثر شاعريّة من حزننا العقيم، وحين أكون مبتهجة أرتاح لصوت صباح في مسرحيّاتها القديمة وهو فيها يشبه احتفال الشعانين، أمّا صوت وديع الصافي في «رح حلّفك بالغصن يا عصفور» فينقلني إلى عالم ميشال طراد الجميل. أحبّ الأغنيات الفرنسيّة القديمة المليئة بالشعر، والأميركيّة المجبولة بالإيقاع. ولكن لا شيء يمنع أن أستسلم لساعات لناي جوزف أيّوب أو قانون إيمان حمصي. فأنا أفضّل في الموسيقى الاستماع إلى آلة واحدة ولا أحتمل غالبًا عجقة الفرق السيمفونيّة. ولكن في كلّ الأحوال الاستماع إلى الموسيقى أو الغناء لا يمكن أن يتمّ مع أيّ عمل فكريّ أو ذهنيّ آخر، فالأمر يحتاج إلى كثير من الانتباه والمشاركة كما في أيّ طقس مقدّس. ومع ذلك، فلا غرابة في أن تمرّ أيّام، أرفض فيها الاستماع إلى أيّ نوع من الموسيقى والأغنيات، كأنّ جمالها قد يشوّهه ما يحيط بي من ضجيج السيّارات والجرّافات والكسّارات والتصريحات.
خالد خميسي: ثلاثون سنة
الكاتب والروائي المصري خالد خميسي «إرهابي الهوى» بكل ما يتعلق بالغناء الكلاسيكي المنتج في فترة الثلاثينيات من القرن الماضي، ويجد استحالة ذهنية في متابعة ما أنتج من جديد، مع استثناءات لأصوات قليلة جديدة قادرة، تُذكرّ بالقديم، عن علاقة الخميسي هذه جاءتنا الإجابة التالية:
«دار حوار عنيف بيني وبين صديق للعائلة تخطى الثمانين من العمر اتهمنى فيه بأنني منزوع عن واقعي لأنني لا أستمع للغناء الذي تم إنتاجه خلال العقود الأربعة الأخيرة. أعلن دائما لأصدقائي بلا فخر ولا شعور بالعار أنني أستمع فقط للغناء المصري الذى تم إنتاجه فى الفترة الممتدة من 1930 إلى 1970. أجد صعوبة ذهنية فى تلقي الأغنية المصرية التي تم إبداعها قبل عام 1930. وبعد هذا التاريخ أجد استحالة ذهنية للاستماع لما ظهر خلال الأربعين عاما من 1970 إلى بداية 2010. بالطبع الاستثناءات تثبت دائما القاعدة. فسيد درويش هو الاستثناء لما قبل عام 1930. ومحمد منير وعلى الحجار هما الاستثناء لمرحلة ما بعد 1970. لا أنكر أنني أعجبت بأغنية هنا ولحن هناك خلال الأربعين عاما الماضية ولكن ذلك يدخل ولا شك في عالم الاستثناء. كان سبب الحوار هو إعجاب صديقي بعمرو دياب وعدم تقديري الخالص له. وتوقعت أن ينتهي الأمر في أنه خلاف بسيط في الذوق لا يفسد للود قضية. ولكن أصر صديقي على الخوض في تفاصيل الموضوع وبدأ يسألني عن فلان وفلانة من المغنين ووجدني لا أعرفهم وهم رموز هذا العصر في الغناء. حاولت أن أشرح له وجهة نظري:
يبدو لي يا سيدي الفاضل أن الموسيقى هي أكثر الفنون حساسية ورهافة في تأثرها بأزمة الوطن. أزمة الهوية التى طالما تحدثنا عنها وأزمة حضارتنا وأزمة كينونتنا، أجدها كلها تبزغ بوضوح الشمس من كل لحن استمعت إليه منذ عام 70 وحتى الآن. الموسيقى هي التجسيد الدقيق للشعور الوطني. يمكنني القول إن المحتوى الثقافى للموسيقى هو الرابط الأساسي بين المواطن ـ الإنسان وثقافته. فهي تتشكل وتشكل اللاوعي الجماعي، كما تشكل النسيج المشاعري للعالم الذي نعيشه والذي يحدد هويتنا. في مرحلة ما بعد ثورة 1919 تجلى حلم تشكل الوطن مع الوعي الحر بصياغة مشروعنا الثقافي العام. وانطلقت الآلات الموسيقية والحناجر تعزف عصارة وجداننا. تدفقت مصر بكل زخمها في كل مازورة موسيقية داخل كل لحن. وبزغت قامات موسيقية طاولت السماء، أمثال محمد عبد الوهاب ومحمد فوزي والقصبجي والسنباطي وزكريا أحمد ومنير مراد وغيرهم الكثير وصدح المطربون لا يحد صوتهم حد وكأن العالم رهن إشارتهم وعرض المحيط غير كاف لعرض أصواتهم. وماجت أرواحنا معهم وتشكلت بهم ومعهم هويتنا. وبدأت بعد يوليو 52 مرحلة أخرى من مشروعنا الوطني وظهرت قامات عملاقة جديدة كالطويل والموجي وبليغ وغيرهم كثير. عبروا جميعا وبكل صدق عن جرس روح هذا الوطن بتشكيلاته المختلفة.
راوي المرنيسي: وطن واحد
راوي المرنيسي ليس أنه «فاهم « موسيقى من الدرجة الممتازة فحسب، بل يُتابع شغفهُ هذا، درساً ويوُليه جهداً كما لو الموسيقى بالنسبة له، تعويض مُربح عن إقامة في بلد ليس بلده، أو كما لو الموسيقى وطن ثان:
«من سنين، عشت شبه وحيدٍ في بيروت، وصدفةً عرفت بتمارين سماع الموسيقى الكلاسيكية كل اثنين لاتيان كوبليان في المركز الثقافي الفرنسي (لا زلت استمتع بفكرة أني كنت الشاب الوحيد، بينما أصغر المواظبين كان في الخمسين). كان يتخلل الشرح عن الموسيقى الكلاسيكية مقطوعات عديدة لزم وقت طويل لجمعها. صرت أحضر حفلات موسيقى الحجرة يوم الخميس في قاعة بيار أبي خاطر وحفلات الأوركسترا الوطنية أيام الجمعة في كنيسة اليسوعيين. هذه كلها كانت دورية ومجانية – وإلا ما كنت لأحضر أي منها – وكانت حفلات أخرى تعقد في الاسمبلي هول في الجامعة الأميركية في بيروت، أكثرها مجاني أيضاً. وصرت أهوى الموسيقى الكلاسيكية. كنت قبل مجيئي إلى بيروت قد نجحت في امتحان الصف السابع من مادة القيثارة في معهد موسيقي خاص في مدينة القيروان بتونس، على مقربة من الجامع، وكنت في بيروت أواظب ليلاً، بعد دروس الجامعة، على عزف مؤلفات القيثارة لرودريغو، فرناندو سور، فيلا لوبوس وغيرهم. يومَ قرأت عن استضافة معهد سرفانتس لكبار العازفين من اسبانيا وأميركا اللاتينية ضمن سلسلة أمسيات لعزف القيثارة في الاسمبلي هول - على مدى يومين أو أكثر، لم أعد أذكر - بقيت لأسبوعين أتمرن يومياً ضعف عدد الساعات، في اعتقادٍ خفيٍّ مني بأن التمارين على بعض المقطوعات الواردة في البرنامج سيجعل تجربة سماعها، الفريدة بذاتها، في مصاف آخر. ثم اكتشفت عوالم باخ ومسرّاته وصدف أن قرأت لفؤاد التكرلي عن ليليّات شوبان، فجمعت ثلاثين دولاراً أذكر واشتريتها بعزف كلاوديو أرراو الاستثنائي. وتعرفت على صوت فاتح نصرت علي خان. وأماليا رودريغز وغوغوش الآسرتين. كانت الموسيقى آنذاك جزء أساسياً من عالمي الداخلي وخففت من وحدتي في مدينة غريبة ومنعت عني الكثير من التفاهات والقسوة.
جيهان عمر: تخريب
للشاعرة المصرية جيهان عمر، علاقتها بالموسيقى والغناء، ولها عنهما حكاية تحكيها لنا هنا:
« الحياة بدون الموسيقى.. محض خطأ هكذا أؤمن مع نيتشه واعتبرها جزءا بديهيا من علاقتي بالحياة ولكنني لم أفكر في هذه العلاقة إلا حينما كنت استعد للذهاب لكوريا الجنوبية في منحة أدبية لمدة ستة أشهر إذ كيف سأحيا بدون موسيقاي المفضلة.
على جهاز اللاب توب, وضع لي احد الأصدقاء كل ما يقطع على الحنين إلى مصر والموسيقى الشرقية. ولكنني كنت أفكر في شيء آخر, لماذا لا اترك نفسي لاكتشاف هذا العالم الجديد بموسيقاه التي لا اعلمها في هذا الجانب الآخر من العالم ؟ ومع ذلك لم يطاوعني قلبي في ترك فيروز وعبد الوهاب, سيلين ديون, بوتشيللي ورحمانينوف.
وهناك شاهدت فيلما كوريا كلاسيكيا وكانت البطلة الجميلة تغني «بانسوري» وهوالغناء التقليدي الكوري, الذي يحكي غالبا قصة حب بصوت قوي وجميل بمصاحبة الطبل, فأحببت «البانسوري» وصرت أتتبع عروضه النادرة... وعلمت كم يحبون الغناء ويقدرون الصوت الجميل.
وفي احد العشاءات - التي كانت تضم ادباء من مختلف الجنسيات - اقترح احدهم أن يغني كل أديب جزءا من أغنية بلغته الأصلية, استمتعت بغنائهم, على اعتبار أنني أجهز اعتذارا حين يحين دوري, ولكنهم لم يقبلوا عذر عدم إجادة الغناء, وإن ادعيت هناك إصابتي بالبرد مثلا, ستكون عربة الإسعاف بانتظاري! فوجدتني اغني لفيروز أغنية أحبها.. وتظاهرت كمحتالة أنني أحفظ كلماتها بإتقان, وزادتني إيماءات الإعجاب ثقة, فتماديت في تخريب اللحن الجميل ليتناسب و قدراتي المحدودة... ومع صخب التصفيق كنت اهمس لفيروز أن تسامحني على هذا الذنب الكبير.
جريدة السفير - الأربعاء - 31 آذار 2010



الثلاثاء، 30 مارس 2010

وأنا كذلك الأمّ الحزينة






وأنا كذلك الأم الحزينة
يوم الجمعة الحزينة، ينفجر الحزن في الإذاعات والتلفزيونات والبيوت والكنائس، فيذهب "المؤمنون" إلى رتبة دفن المسيح وهم يرتدون ملابس الحداد، ويتسابق الرجال لحمل نعش المصلوب، وتقرأ الأناجيل الأربعة التي تصف مشهد الصلب والموت (لماذا لا تقرأ أناجيل أربعة يومي الميلاد والقيامة؟)، وتدمع العيون حين تصدح الأصوات المرنّمة "أنا الأمّ الحزينة". 
هذا نحن، شرقيّون نحتفل بالموت، ولا نعرف كيف نحيا، وإلاّ لكنّا تذكّرنا أنّ كلّ أمّ ترغب في أن تصرخ من صميم القلب: وأنا كذلك الأمّ الحزينة وما من يعزّيها:
أنا الأم الحزينة التي لا تملك ثمن الدواء لابنتها المريضة/ 
أنا الأمّ الحزينة التي تعجز عن تسديد قسط المدرسة/
أنا الأمّ الحزينة التي لا تعرف إن كانت مستقرّة في عملها أو ستطرد عند نهاية الشهر/
أنا الأمّ الحزينة التي هاجر ولدها ليبحث عن أمنه وأمانه وطعامه خارج بلده/
أنا الأمّ الحزينة التي تعرّض أولادها للاعتداء على حقوقهم وأجسادهم وعقولهم في المؤسسات الدينيّة ولن يشفي جرحها اعتذار أو أسف/
أنا الأمّ الحزينة التي قتل أولادها في حروب الآخرين/
أنا الأمّ الحزينة التي خُطف وحيدها ولا تعرف إن كان عليها أن تبكيه ميتًا أو أسيرًا معذّبًا/
أنا الأمّ الحزينة التي تنظر إلى إعاقة ولدها وتشعر بالذنب لأنّها عاجزة عن اجتراح معجزة شفائه/
أنا الأمّ الحزينة التي تبيع كرامتها كي تشتري قوت عائلتها/ 
أنا الأمّ الحزينة التي تتسوّل على الطرق/ 
أنا الأمّ الحزينة التي لم تنفعها ثروتها في حماية ابنها من الإدمان والانتحار... 
هل أتابع؟ 
كثيرات هنّ الأمّهات الحزينات، ولكن ليس لجميعهنّ إيمان مريم وثقتها بأنّ لها من يواسيها في السماء وكذلك على الأرض، وليس صحيحًا القول عنها: وما من يعزّيها. وهل تعدم معزيًّا من اختارها الآب أمًّا لابنه، والتي لم تتخلّ عنها السماء لا في حياتها ولا عند انتقالها إليها؟ ولكن ماذا عن سائر الأمّهات؟ ومن يعزّيهنّ خصوصًا في هذا الشهر الذي يُحتفل فيه بيوم المرأة العالميّ وعيد الأمّ وعيد الطفل وعيد البشارة؟
يجب ألا يشغلنا حزن مريم عن أحزان مثيلاتها من الأمّهات، بل لعلّه يفتح أعيننا على مآسيهنّ وآذاننا على تنهّداتهنّ، إذ كيف يمكن أن تقتنع السماء بمظهر الأسى على وجوه الناس تضامنًا مع امرأة لم يعاصروها ولم يعرفوها وعاشت منذ أكثر من ألفي سنة وكانت تعرف مصير ابنها، في وقت يتعامى كلّ واحد منهم عن آلام من حوله. يكاد الأمر يبدو تمثيليّة كبرى لولا العَشرة الصالحون. لذلك يبدو الاحتفاء بمريم في عيد البشارة المفترض أن يجمع المسيحيّين والمسلمين (ماذا عن أبناء الطائفة الإنجيليّة؟؟ هل سئلوا عن رأيهم في الموضوع؟؟) غريبًا حين ننتبه إلى أنّ المسلمين لا يرون فيها الأمّ الحزينة لأنّ ابن ستنا مريم لم يصلب بل شبّه لهم أنّهم صلبوه، في حين أنّ ابن السيّدة العذراء صلب ومات وقام في اليوم الثالث كما جاء في الكتب. فهل نتّفق على مريم السعيدة بابنها ونختلف على مريم الثكلى؟
لا أستطيع شخصيًّا أن أرى مريم كما صوّرها التقليد أو كما صوّرتها الأفلام. فالفتاة العذراء التي قالت للملاك: فليكن لي بحسب قولك، وآمنت بأنّها ستحبل من الروح القدس، لا يمكن أن تكون أمومتها ليسوع وتتلمذها عليه قد جعلاها أقلّ إيمانًا وبالتالي أكثر تفجّعًا بسبب رفضها المصير الذي كان من المفترض أنّها وابنها ويوسف ينتظرونه. طبعًا ذلك لا يعني أنّها قتلت إحساس الأمومة فيها نحو ابنها، ولكنّها لن تكون مريم/ والدة الإله/ أمّ الله/ إن لم يكن حزنها على البشريّة أكبر وأعمق. ونحن، إن لم نسمع في ترنيمة "أنا الأم الحزينة" صدى لأحزان أمّهات الأرض كلّها فإنّما نحن صنوج ترنّ ونحاس يطنّ، ولن نخدع السماء بأصواتنا مهما بدت جميلة.

صحيفة النهار - الثلاثاء 30 آذار 2010

الأحد، 28 مارس 2010

مفاجآت (من كتابي لأنّك أحيانًا لا تكون)


أطلقت اسمك على ابني

لعلّه يكون جميلاً وذكيًّا

ولكنّه، رغم كلّ تمنيّاتي،

بدأ يشبه والده.

*****

من السهل أن نقول إنّنا نحبّ الناس جميعًا

خصوصًا حين نقيم بعيدًا عنهم.

*****

ننحني لإله...

تلمس جبهتنا رائحة الذين انحنوا كثيرًا

يليق بنا الخشوع

نتحوّل علامات استفهام

فوق صفحة التراب.

*****

خلعت نظّارتيك

فصرت أرى جيّدًا

الحزن المرسوم دوائر

حول عينيك.

*****

أغار من الطريق

تصل إليك قبلي.

*****

شجرة لوز أزهرت في كانون

فحسدتها الشجرات العارية.

كم هي مستعجلة!

كم ستندم!

*****

لكي أعطيك أكثر ممّا أعطيتك

دعني آخذ من غيرك

ولو على سبيل الاستعارة.

*****

مشكلة الدُرج في الخزانة

أنّه يبقى منغلقًا على نفسه ولو كثر جيرانه.

*****

عندما يقلق الذين نحبّهم

نصاب بالحزن مرّتين:

مرّة لأنّهم قلقون

ومرّة لأنّنا عاجزون

عن حمايتهم من القلق.

*****

لا تشكرني على المشاركة...

ولا تخف منها.

*****

يحلو لك أن تظنّ أنّك طائر حرّ

لا ينتمي إلى أرض ولا يتعلّق به تراب.

ولكنّك تنسى أنّ الطيور تنتهي

أسيرة في قفص أو

ضحيّة في عين بندقيّة أو

مختبئة في قلب شجرة عميقة الجذور.

الأربعاء، 24 مارس 2010

أغنية الزعما فلّوا من لبنان حين نسمعها من غير اللبنانيّين

جبيل - لبنان

أغنية "الزعما فلّوا من لبنان" حين نسمعها من غير اللبنانيّين


كم يجرح القلب ويهين الوجدان أن تسمع أغنية تنتقد بلدك بأصواتِ مَن ليسوا من بلدك! هذا ما خطر لي وأنا أسمع بعض الهواة وهم من جنسيّات عربيّة يغنّون فرحًا على شاشة لبنانيّة: الزعما فلّوا من لبنان، ثمّ يضحكون، ويرقصون، ويغمزون الكاميرا، ويغرون الصبايا، وينتظرون التصفيق من جمهور أكثره من اللبنانيّين. ويعودون ليكرّروا اللازمة، مرّة بعد مرّة، وهم يؤكّدون بأنّ الزعماء تركوا لبنان، و"كبرت فينا فرحتنا وصار فينا نعيش بأمان وصارت جنّة دنيتنا". وحاولت أن أنسى الأمر، أو بالأحرى أتناساه، إلى أن فوجئت بالتسجيل على اليوتيوب وقد شاهده أكثر من خمسين ألف مشاهد حتّى لحظة كتابة هذه السطور.

لا يقع اللوم في طبيعة الحال على المشتركين الهواة الذين يهوون لبنان طبيعةً وشعبًا. ولكن كان على المسؤولين عن برنامج "ستار أكاديمي" الذي عرضته المؤسّسة اللبنانيّة للإرسال أن يراعوا الذوق العام ويحترموا أبسط شروط المواطنيّة فلا يطلبون من مشتركين عربًا أن يغنّوا ويزغردوا مع "الفرسان الأربعة" اللبنانيّين بأنّ "الزعما فلّوا من لبنان". مع العلم بأنّ العرب كانوا يتمنّون لو كان لهم حريّة التعبير التي لنا لكي يغنّوا فرحين هازجين إنّ زعماءهم رحلوا إلى غير رجعة، هذا إذا رحلوا.

مذلّ أن تصير المعاناة اللبنانيّة وسيلة ترفيه وتسلية وبأسلوب فيه الكثير من الاستخفاف، في حين يفرض علينا تقديس أبسط مشكلة عربيّة. ولكننا لا نستطيع أن نعتب إلاّ على أنفسنا، فنحن الذين حوّلنا قضيّتنا مهزلة كبرى دعونا إليه المشاهدين من كلّ أنحاء العالم، ومن لم يستطع أن يأتي حملناها إليه في الأغنية الساخرة والبرنامج الكوميدي والطرفة اللاذعة والمسرحيّة الهزليّة. ونسينا أنّ الفرق كبير بين النقد البنّاء وغسيل الدماغ الذي تتعرّض له أذهاننا حين نردّد وأطفالَنا بشكل غير واع شعارات خارجها يثير الضحك وباطنها يثير الرعب. مع أنّ المواطنيّة تقتضي من أبناء الوطن أن يحسنوا تحمّل هذه المسؤوليّة كي لا تجنح بهم أهواؤهم الآنيّة نحو استسهال التجريح بالبلد وهدم أسسه تحت ستار الترميم. إنّ عبارات مثل: "بس مات وطن"، و"بعبدا لمين؟" و"كلّنا ع الوطن"، و"هيدا بلد؟ لأ، مش بلد"، وسواها كثير، ترسخ في لاوعي الجماعة وتلتصق باللغة اليوميّة ويتناقلها الناس ساخرين هازئين، ما يجعل صورة الوطن ورموزه نكتة سمجة، لا قيمة لها ولا مستوى ولا جمال.

تضعنا الحريّة التي أتيحت لنا كلبنانيّين أمام مسؤوليّاتنا تجاه هذا البلد ذي الخصوصيّة الفريدة، وتدفعنا لمراجعة ما نكتبه وننشره ونفضحه والتساؤل عن الأهداف البعيدة المدى لما نفعله. فكلّ منّا ينفعل في موقف ما، ويعبّر عن غضبه على ممارسات شاذّة وفساد إداريّ وخلل اجتماعيّ وفراغ فكريّ، فالمدينة الفاضلة ليست في هذا العالم، ولكن السؤال الأساس هو: ماذا بعد هذا الانفعال؟ وهل يبنى وطن ليس فيه من الفنّ المزدهر إلاّ السخرية والتجريح من دون أيّ بديل؟

تحضرني في هذا السياق مقالة للأديبة السوريّة كوليت خوري قرأتها في مجلّة "المستقبل" التي كانت تصدر في فرنسا، وفيها حكاية فيلم أميركي شاهدته الكاتبة ويحكي عن تحقيق بوليسيّ يجرى في قضيّة مقتل رئيس الجمهوريّة. وخلال التحقيق يتبيّن أنّ الرئيس كان يخون بلاده، فعمل المحقّق مع زوجة الرئيس على إخفاء الحقائق عن الناس كي لا يحطّموا صورة قائد ملهم يفتخر به الناس ويحزنون على موته. أمّا نحن فنشوّه صور العظماء في بلادنا ولا نرى إلاّ القبائح في شعوبنا، ثمّ نتباهى ونؤلّف أغنيات في مديح ذلك.

الأحد، 21 مارس 2010

حقائق


عندما تشعر بالوحدة

صلّ، أكتب، شاهد فيلمًا مضحكًا،

ولكن لا تتّصل بصديق...

*****

لا أنظر إليه كرجل

ومع ذلك أغار عليه كامرأة.

*****

أنت لا تحبّني

أنت مغرم بحبّي لك.


(من كتابي لأنّك أحيانًا لا تكون)

الجمعة، 19 مارس 2010

احتجاج


ارتفع سعر البنزين. لم يقل أحد شيئًا.

ارتفعت الضرائب على الموادّ الأساسيّة. لم يقل أحد شيئًا.

ارتفعت وتيرة التعديّات. لم يقل أحد شيئًا.

التقينا في مكان عامّ. ارتفعت الأصوات احتجاجًا.

*****

إذا كان واقع المرأة البيولوجيّ

يفرض عليها مزاجيّة غير خاضعة

إلاّ لإيقاع الجسد.

فما هو عذر الرجال؟

*****

قال لي الضفدع

حين اكتشف انّني أراقبه بحنان:

لا تضيّعي وقتك ولا تهدري عاطفتك

فلن أكون أبدًا أميرًا ساحرًا.


(من كتابي لأنّك أحيانًا لا تكون)

الخميس، 18 مارس 2010

الثورجيّ لنمر فريحة



"الثورجيّ" لنمر فريحة: رواية الأحلام المنكسرة في الوطن الكذبة
الأدباء والقيّمون على دور النشر يخطئون حين يظنّون أ نّالطريقة الوحيدة للتعريف بالكتب هي عبر مجموعة من الصحافيّين والنقّاد الذين يكتبون في صفحات ثقافيّة لا يقرأها إلاّ المعنيّون بالشأن الثقافيّ، أو من خلال حفلات تواقيع يدعى إليها الاهل والاصدقاء والزملاء ولا يلبيها الا المهتمون وهؤلاء اهل العرس وليسوا في حاجة الى دعوة. وقد تكون الطريقة الانسب لنشر الكتاب وجعل الثقافة في متناول من يتكاسل في طلبها هي في حمل الكتب الى المدارس ودعوة الكتاب الى منابر المؤسسات التربوية حيث تقام حلقات الحوار والمناقشة بين الكاتب والمعلمين والتلامذة.
اعود للتذكير بهذا الطرح الذي سبق ان دعوت اليه اكثر من مرة، في مناسبة صدور رواية "الثورجيّ" لنمر فريحة، عن "دار النهار"، اذ كلّما قلّبت صفحة من صفحات الكتاب تخيّلت، وأنا المنغمسة في الهمّ التربويّ، أنواع الأسئلة التي سيطرحها تلامذة المرحلة الثانويّة على الكاتب، خصوصًا أنّ الرواية تحكي سيرة مراهق ثائر كما هم التلامذة في هذه المرحلة من العمر، وكم أرغب في الاستماع الى آراء تلامذة المدارس وطلاب الجامعات حول النهاية التي وضعها الروائي لبطله المنكسر. هذه المناقشة المتخيلة في ذهني اليست هي ما كان يفعله "جميل"، بطل الرواية، في العائلة والمدرسة والقرية والمدينة والجامعة والحزب؟ أليست هذه أهداف الكتابة: أن تدفع القراء الى طرح الاسئلة والتفتيش عن الاجوبة لا ان يحفظوها ويردّدوها كالببغوات؟ ألن تكون ندوة مناقشة في الجامعة أو المدرسة أو النادي الثقافي أحبّ على قلب نمر فريحة، وأي كاتب معنيّ بالهموم الوطنية التربوية الثقافية، من حفلة توقيع رسمية تفرضها ضرورات النشر في وطن لا يعرف الناس فيه بأمر صدور كتاب إلاّ عبر هذا النوع من المناسبات الاجتماعيةالثقافية؟
وحين أدعو الى جعل هذه الرواية مادة لمناقشة في المدرسة أو الجامعة فإنّما أدعو الى إعادة الاعتبار الى منابر المدارس والجامعات وتحويلها خلايا تفكير وتحليل، تطرح فيها مختلف أنواع الاسئلة من دون محاذير أو رقابة أو أحكام مسبقة. فكيف اذا كانت الرواية تقدم مواد دسمة فيها تركيبة غنيّة متآلفة في سياق طبيعيّ غير مفتعل من المواضيع التي تخطر على بال أي شاب يسعى الى تحقيق وجوده في هذا الوطن: القرية، العائلة، الحب، الجنس، العلم، الفقر، الفكر العقائدي، الحرب، الموت، الهزيمة، الثقافة، المدرسة، الجامعة، الوطن، الهجرة، الصداقة، العمل. كلّها وسواها ينساب عفوية في سيرة شاب اكتشف انه يريد ان يساهم في تغيير المجتمع نحو الافضل (أليست هذه حال كثيرين منا؟)، فكان انكسار الحلم عنيفا (اليس هذا ما اصاب الذين حاولوا التغيير بالفكر والعلم والثقافة؟) امام الفساد المستشري في النفوس والنصوص
.
لا يستطيع قارئ الرواية أن يتناسى تجربة نمر فريحة الشخصية في العمل الوطني والرسمي وهو يتابع ما تعرّض له بطله من ظلم واعتداء وحرمان، لا بل يسهل على العارف بالامور ان يكتشف الاشخاص المقصودين بهذه الاوصاف او تلك النعوت. ولكن الكاتب يعرف بحكم التجربة والمعاناة ان قارئ روايته، ان كان من اهل الفكر الاصفياء والحالمين الانقياء، لا بد مر بهذه التجربة واختبر المعاناة التي حفرت في الفكر والوجدان. ثم، هل من مسؤول أو زعيم أو حزبي لا يشبه بشكل او بآخر أولئك الموصوفين في الرواية؟
ان نمر فريحة لا يريد ان يكتب رواية تهتم بشكلها فقط، وهو لا يسعى الى لفت الانتباه بتركيبة روائية غرائبية تستدعي التفكيك. لا بل اراه راغبا في ان يحذر مباشرة وصراحة من ان الفساد الذي اصاب كل شيء قضى على امكان الحلم بالتغيير وهو اسوأ ما يصيب شعبا. فالوطن الذي اكتشفه "جميل" خلال مسيرته في الحياة والعمل والحزب لا يشبه ما قرأ عنه في الكتب. هو الوطن/ الكذبة. هو قبر الثورة، من أجله وبسببه خسر الارض والوالدين والسمعة والحبيبة والعمل والمستقبل والامان. حتى أنّ جميلا فقد الثقة بالاجيال الجديدة الآتية واعتبر أنّها تحمل فسادًا موروثًا لا بدّ له من أعمار كثيرة كي يطهر ويتنقى. وكأنّ الكاتب هنا يرمي كرة التفاؤل في ملعب المستقبل البعيد على غير كبير أمل منه بأنّ اللاعبين سيحسنون اللعب بروح رياضيّة شريفة
.
في بداية الرواية، يطرح جميل سؤالا يطرحه كثيرون منّا: لماذا لم يثر اللبنانيّون خلال الحرب العالميّة الاولى على الأتراك ما داموا سيموتون جوعًا في نهاية الأمر؟ والمضحك المبكي في الجواب الذي وجده جميل أنّ اللبنانيّين، حتّى عندما يقرّرون الثورة على الفساد والظلم، لا يستطيعون إلاّ أن يكونوا فاسدين ظالمين. هذا هو مختصر تاريخ لبنان كما صنعه سياسيّوه وكما أتيح لنمر فريحة أن يكتبه أخيرًا في شفافيّة وحريّة ومسؤوليّة.
النهار - الخميس 18 آذار 2010

الأحد، 14 مارس 2010

لسنا وحدنا على هذا الكوكب






سألتني صديقة عربيّة تتنقّل، إقامة وعملاً، بين فرنسا والولايات المتحدّة، عن سبب إشارتي أكثر من مرّة في مقالاتي إلى الخادمات، وخصوصًا في المقالة التي نشرت في مناسبة عيد الأمّهات، حين دعوت إلى عدم اعتبار الأمّهات خادمات وإلى الانتباه إلى أنّ الخادمات أمّهات. وكانت تهدف من السؤال إلى التأكّد من أنّني لا أبالغ في تصوير الخادمات في المنازل على أنّهنّ جزء أساس من التركيبة الاجتماعيّة العربيّة.
الصديقة التي طرحت السؤال تقيم في مجتمعين لا وجود للخادمات فيهما، على الأقلّ بالشكل الذي نعرفه في بلادنا العربيّة. وهي، على الرغم من انشغالاتها وأعمالها وسفرها تهتمّ وحدها بأمورها المنزليّة وتتقاسم الأعمال البيتيّة مع زوجها وأولادها. لذلك كانت مقتنعة بأنّ الإشارة إلى الخادمات مبالغ فيها إلى أن أعطيتها أمثلة عن عائلات لبنانيّة تعرفها وتعرف عدد الخادمات اللواتي يعملن في خدمتها علمًا بأنّ السيّدات في هذه العائلة لسن من العاملات أو الموظّفات أو سيّدات الأعمال. فتذكّرت الصديقة حينذاك لقاء عائليًّا دعيت إليه في أحد بيوت بيروت، وكان فيه مجموعة من الخادمات الأسيويّات، إذ وصل أبناء صاحب البيت وبناته مع عائلاتهم وخادماتهم، ما جعل المنزل برج بابل حقيقيًّا اختلطت فيه اللهجات واللغات، وتضاربت الأوامر والنواهي، وتصارعت الحضارات وارتطمت الصواني بالأواني وعلت الأصوات حتّى لم يعد أحدٌ يسمع أحدًا، ولكنّها ظنّت أنّ هذا الأمر محصور في تلك العائلة.
لفتني السؤال والنقاش إلى ضرورة التنبّه إلى أنّنا حين نكتب لا نتوجّه إلى القارئ العربيّ فحسب بل إلى أيّ قارئ في أيّ مكان في العالم، خصوصًا مع سهولة الوصول عبر شبكة الإنترنت إلى كلّ بيت في أيّ بلد. ماذا يعني هذا الوضع؟ يعني أوّلاً، أنّ علينا أن نثق أكثر بقدرة الصحافة العربيّة على الخروج من محليّتها الضيّقة، مهما اتّسعت هذه "المحليّة"، والانفتاح على ما هو أبعد من زواريب حاراتنا وأزّقة قرانا ومحدوديّة تجاربنا. ثانيًا، أن نثق بأنّ النصّ الذي نكتبه، ولو انطلق من بيئة محدّدة ومحدودة قادر إن كان شامل النظرة والمعالجة، على الوصول إلى العالميّة التي يحلم بها كلّ كاتب، أأعلن الكاتب تلك الرغبة أم خبّأها.
لذلك، يجب ألاّ تطرح الصحافة الحديثة على نفسها السؤال الذي كان يطرحه القيّمون عليها عند التأسيس: وهو: إلى أيّ قارئ نكتب؟ إذ لم تعد الجريدة اليوميّة جريدة لأخبار الحيّ ومناكفات الجيران، بل صارت فسحة ثقافيّة تنطلق من خبر في الحيّ لتعالجه معالجة اجتماعيّة علميّة واسعة النطاق، ومن شجار بين جارتين لتصل إلى مفهوم الجيرة في عصر الفايس بوك والرسائل الإلكترونيّة. ولم يعد يجوز أن ترضخ الجريدة لرغبات الجمهور الذي قد يدفعه فضوله إلى ملاحقة الأخبار السطحيّة الآنيّة لبعض الوقت ولكن ليس طوال الوقت، وعلى كلّ حال لن تستطيع الصحافة في هذا المجال أن تنافس التلفزيون أو الإنترنت. فعلى الصحافة إذًا أن تعرف أنّها تتوجّه إلى قارئ يملك القدرة على الاختيار بين مجموعة هائلة من وسائل الإعلام العربيّة والعالميّة، ولم يعد أسير جريدة واحدة كما كان عليه الحال مع بداية عهد الصحف في العالم العربيّ.

ومن المهمّ أن نعرف أنّ هذه الصحافة التي لا تثق بنفسها تخضع، على اختلاف مستوياتها وانتماءاتها، لمراقبة تحليليّة دقيقة، في أكبر جامعات العالم التي يقصدها طلاّبنا للدراسة. وكثيرًا ما فوجئ الطلاّب العرب بوجود أرشيف كامل في مكتبة هذه الجامعة أو تلك لصحف بلادهم. فكم مهمّ أن نتذكّر إذًا أنّنا لسنا وحدنا على هذا الكوكب ولم تعد كتاباتنا تمرّ مرور الكرام وتنسى مقالاتنا عند نهاية اليوم، فحين نكتب ولو عن شأن خاصّ من شؤون بلداننا أو حياتنا، ستجد هذه الكتابات من يقرأها ويحفظها ويحلّلها ويناقشها ويجد فيها صدى لما كان يريد أن يقوله. وإن كنّا نرفض الاقتناع بأنّ الأمور صارت على هذا الشكل فمن الأفضل أن نتوقّف عن الكتابة.

الخميس، 11 مارس 2010

الأربعاء، 10 مارس 2010

الاثنين، 8 مارس 2010

احترام




أحترم حرّيتك

كما يحترم حرف النون النقطة المعلّقة فوقه.

لن أخنقك كي لا أصبح مجرّد وعاء فارغ.
(من كتابي لأنّك احيانًا لا تكون)

السبت، 6 مارس 2010

بحر وجبل


لا يريد الجبل من البحر أن يصير مثله،

يريد منه أن يسمح لثلوجه بالذوبان في قلبه

ولا يريد البحر من الجبل أن يصير مثله،

يريد منه أن يسمح له بغسل رجليه.


(من كتابي لأنّك أحيانًا لا تكون)

هدوء نسبيّ


تأخذ حبّة المهدّئ وتذهب إلى العمل
تبتلع حبّة أخرى وتذهب للقاء صديق
تتناول نوعًا آخر وتذهب لعيادة مريض
بين العَصَب والغَضَب نقطتان تشبهان الدمعتين.
(من كتابي لأنّك أحيانًا لا تكون - ص 8)

رجل جديد


يعود الإعجاب بك
جديدًا كلّ مرّة
كـأنّك كلّ مرّة
رجل جديد.
(من كتابي لأنّك احيانًا لا تكون - ص8)

بكاء


تحت العواصف والمطر

لا تخجل حبال الغسيل من البكاء

ولا الواجهات الزجاجيّة

ولا أغصان الشجر

ولا عواميد الكهرباء

أمّا أنت

فكأولاد الملوك

منذور للجفاف.
(من كتابي لأنّك أحيانًا لا تكون - صفحة 8)

الجمعة، 5 مارس 2010

غياب



"أنت مريضة، سأتركك لترتاحي!

أنت متعبة، سأتركك لتستعيدي نشاطك،

أنت غاضبة، سأتركك لتهدأي

أنت حزينة، سأتركك لتتخطّي الأزمة،

أنت مشغولة، سأتركك لتنهي عملك.

...

يبدو أنّه لا يفعل سوى تركي...
(من كتابي لأنّك أحيانًا لا تكون - ص 7)

خوف



تخاف أن تكون مسؤولاً عن فرح الآخرين
تخشى أن تكون مسؤولاً عن حزن الآخرين
ولكنّك
لا تفعل إلاّ ذلك.
(من كتابي لأنّك أحيانًا لا تكون - صفحة 7)

في مناسبة عيد الأمّهات



في عيدهنّ فلنتذكّر أنّهنّ لسن خادمات
أسوأ ما يمكن أن يقدّمه أحدكم لأمّه في مناسبة عيد الأمّهات هدية تذّكرها بالأعمال المنزليّة. صحيح أنّ العدد الأكبر من الأمّهات تنازل عن الاهتمام بتدبير شؤون المنزل لصالح الخادمات، غير أنّ عددًا كبيرًا من الأبناء والبنات يستسهل اختيار هديّة تصلح للمطبخ، وبدلاً من أن يقدّمها للخادمة التي ستستعملها، يقدّمها لأمّه ويخلص من هذا الهمّ.
وفي قولنا الأمّهات لسن خادمات لا نقصد طبعًا أن نوجّه الإهانة لأحد أو ننتقص من عمل أحد، فالخدمة أساس كلّ وظيفة ومهنة مهما عظّم شأنها الناس أو احتقروها، وإذا كانت طبيعة البشر تجبرهم على وضع سلّم اجتماعيّ يمضون حياتهم في ارتقاء درجاته وهم لا يعلمون إن كانوا يصلون إلى أعلى درجة ويثبتون عليها أو سيقعون إلى أسفل دركات المجتمع، فهذا لا يعني أنّ الأمر من طبيعة الإنسانيّة التي يجب ألاّ تميّز بين عمل وآخر. ولو نظر أفراد المجتمع إلى عمل المرأة في بيتها نظرة احترام وتقدير واعتبروه مساويًا في الشكل والجوهر لأيّ وظيفة أخرى، لما شعرت المرأة بدونيّة واجباتها المنزليّة، ولما تصرّف الرجل على اعتبار أنّه السيّد الذي يتعب في العمل، وأنّ زوجته وأمّ أولاده تمضي النهار في البيت وكأنّها كانت في إجازة في منتجع لبنانيّ فاخر.
فعلى كلّ من يريد أن يقدّم هدية لوالدته أن يفكّر في الأمور التالية: إذا كانت أمّه تقوم بواجبات الأمومة فهي تستحقّ هدية لا تشعرها بأنّها مجرّد غاسلة ثياب أو طاهية طعام أو منظّفة منزل، وإذا كانت لا تستحقّ لقب الأمومة فهي تلقائيًّا لا تستحقّ هدية. الأمر بسيط ولا يحتاج إلى بروتوكول خاصّ أو شرعة معيّنة، فالاحتفال بعيد الأمّ ليس واجبًا اجتماعيًّا تفرضه روزنامة الأعياد العالميّة، وتخصّص له وسائل الإعلام مساحات إعلانيّة، وتجبر المعلّمات فيه التلاميذ على إعداد هدايا وكتابة عبارات واستظهار قصائد، وهو ليس يومًا في السنة، وهو ليس مناسبة استهلاكيّة تنتظرها المتاجر النسائيّة للتخلّص من بضائع مكدّسة، ولا أعتقد أنّ أيّ أمّ حقيقيّة تعي جوهر دورها تقبل أن تصحّ عليها أغنية فيروز: زوروني كلّ سنة مرّة/ حرام تنسوني بالمرّة.
ومع أنّ أيّامًا تفصلنا عن موعد عيد الأمّهات العالميّ، إلاّ أنّني بدأت أرصد الاستعداد غير الملائم له: ففي البيوت، أسمع من صديقات وأصدقاء تساؤلات حول هديّة العيد المناسبة، وكلّها تدور في فلك الأدوات المنزليّة وحجّتهم جميعهم أنّهم لا يعرفون ما يعجبها وما لا يعجبها، ولذلك يحسم بعضهم خياره بإعطائها مبلغًا من المال تشتري به ما تحتاج إليه، وكم من مرّة اشترت الأمّهات بهذه المبالغ ما يحتاج إليه البيت. وفي المدارس، بدأت حملات تمرين وتدريب لتقديم مشاهد تمثيليّة أو أغنيات أو مصنوعات يدويّة، وكم من تلميذ عوقب لأنّه تخلّف عن زملائه في مستوى أدائه، أو هُدّد بالقصاص أو بأنّ أمّه ستخجل به إن لم يحسن تقديم دوره أمام سائر الأمّهات. وعوض أن تأتي المناسبة تتويجًا لمسيرة مشتها العائلة معًا في اتجاه العيد، تتحوّل الأيّام التي تسبقه معاناة يتأفّف الجميع من وطأتها، وتحصد الأمّهات خيبات الأمل من جديد وهن يحصلن على هدايا افترض الأولاد أنّها ستفرح بها، أو هدايا تشبه تمامًا ما قدّم لها في الأعوام الماضية.
لا شكّ في أنّ التعامل مع صاحبات هذا العيد يختلف بحسب الفئات العمريّة والاجتماعيّة، ولكن تدبير كلّ ذلك يبقى أسهل من أن تقنع مراهقًا بمسامحة أمّه. فقد أخبرني هذا الشابّ، حين كنت لا أزال في العمل التربوي، أنّه اشترى هديّة ثمينة للخادمة الأثيوبيّة التي تهتمّ به وبأخيه الصغير وتحضّر لهما الطعام وتسهر على راحتهما، ولم يوجّه كلمة واحدة لأمّه.
وفي المناسبة، صحيح أنّ عيد الأمّهات ليس عيدًا لتكريم جانب الخدمة فيهنّ، ولكنّ الصحيح كذلك أنّ الخادمات أمّهات تركن أولادهن عند عتبة الفقر والعوز وأتين إلى بلاد غريبة يهتممن فيها بأولاد الآخرين، وبالتالي يستحققن هديّة واتصالاً هاتفيًّا يسمعن فيه أصوات أولادهنّ ما قد يخفّف من لوعة الاشتياق.

في مناسبة عيد المعلّم



كتاب مفتوح إلى وزير التربية


هذه بعض نصائح أسمح لنفسي بإسدائها إليك يا وزير التربية والتعليم العالي على أمل أن تتّسع لها مفكّرتك التي ستكون ملأى بطلبات الأوسمة للمربّين ورعاية احتفالات التخرّج وتوقيع مراسيم تعيين معلّمين كان أنفع للبنان لو كانوا معلّمي بناء لكي تصحّ أغنية وديع الصافي: عمّر يا معلّم العمار وتتحقّق نبوءة زكي ناصيف ويرجع يتعمّر لبنان:

1- على الوزارة أن تلغي كلمة التربية من قاموسها وتكتفي بكلمة التعليم (الواطي والعالي) لأنّ ما يجري في مدارس لبنان هو مجرّد وضع علامات على الأوراق والأجساد والنفوس طبعًا، ولا علاقة له بالتربية لا من قريب ولا من بعيد.

2- على الوزارة أن توصي بحذف مصطلحَي "تلامذة" و"أولياء التلامذة" من قاموسها والاستعاضة عنها بمصطلَحَي "زبائن" و"أولياء نعمة المعلّمين"، فالتلميذ وخصوصًا في المدارس الخاصّة من فئة خمس نجوم وما فوق زبون والزبون دائمًا على حقّ. لذلك لا يستطيع معلّم أن يوجّه أي ملاحظة إلى أيّ تلميذ لأنّ هذا الأخير سيقول له في صوت واثق: والدي يدفع لك راتبك فلا تتكلّم معي بهذا الأسلوب!

3- على الوزارة أن توصي المدارس، وخصوصًا تلك التي تقيم علاقات توأمة وتبادل خدمات مع دول أجنبيّة أن تولي المطبخ اللبنانيّ اهتمامًا بالغًا، فلولا المائدة اللبنانيّة والمازات الشهيّة والمقبّلات الغنيّة والحلويات الشرقيّة لما نالت أيّ مدرسة رضا الدولة الراعية مناهجها ولما حصلت على الموافقة على أدائها. فالمثل اللبنانيّ الذي يقول: طعمي التم بتستحي العين، يصحّ عند زيارات التفتيش التربويّ (عفوًا التعليميّ) التي تقوم بها اللجان الغربيّة، ولكثرة ما يأكل هؤلاء الموظّفون الفقراء الآتون من بلاد لا تقيم لهم وزنًا إلاّ على قدر وظائفهم ينعسون وتذبل عيونهم فيغضّون الطرف عما يرونه ويمنحون المدارس المضيفة رضاهم المعويّ ويطالبون بلدانهم بالبقاء في لبنان لمراقبة سير الأمور عن كثب رغبة في مزيد من التعاون...والطعام.

4- على الوزارة أن تلغي الامتحانات الرسميّة إذ لا يجوز أن يمارس أولادنا العادات الفرنسيّة والتقاليد الأميركيّة في كلّ تفاصيل حياتهم اليوميّة ما عدا في الامتحان حيث قد يكرم الواحد منهم أو يهان. فلماذا الامتحانات الرسميّة الموحّدة في وقت يتشرذم فيه كلّ شيء؟ تلاميذ يحصلون على المسابقات مسبقًا وآخرون يحرمون منها، تلاميذ مدارس خاصّة وآخرون تلاميذ مدارس رسميّة، تلاميذ مدارس دينيّة أصوليّة وتلاميذ مدارس علمانيّة، تلاميذ لا يجيدون اللغة العربيّة وتلاميذ لا يجيدون إلاّ اللغة العربيّة، تلاميذ يخضعون لمناهج غربيّة وتلاميذ يخضعون لمناهج عربيّة.

5- على وزارة التربية أن تضع الأولاد الذين يرتادون المدارس تحت رعاية جمعيّات الرفق بالحيوان وذلك في ما يتعلّق بحمل الحقائب المدرسيّة (برذعة الحمار لها جيبان متوازيان). فهذه الجمعيات لا ترضى بأن تحمل أي دابّة ثقلاً قد يعرّضها للأذى أو موزّعًا في شكل غير متواز أو ألاّ تراح من حملها على دروب القرى. ولذلك تكون هذه الجمعيّات أكثر رأفة ورحمة ورفقًا بالأطفال حملة الأثقال.

6- على الوزارة أن تعتبر يوم الطالب اللبنانيّ الذي حدّد موعد الاحتفال فيه في 13 نيسان يوم شكر وتقدير يقدّم فيه المجتمع اللبنانيّ للتلامذة والطلاّب أسمى آيات الشكر والتقدير لأنّهم احتملوا هذه الأنظمة التعليميّة ولم يعلنوا حربًا جديدة على البلد الذي يسمح بها، ولأنّهم يستيقظون قبل شروق الشمس لكي يتوجّهوا إلى مؤسّسات تجاريّة أو مختبرات للمناهج أو حقول اختبار حيث تمارس عليهم شتّى أنواع الأمراض النفسيّة التي يحملها معلّموهم الذين هم إنتاج الحرب اللبنانيّة الذائعة الصيت: عنف، فقر، أمراض عصبيّة، جهل، تعصّب، حزبيّات، أصوليّات، شعور بالدونيّة، مزاجيّة، أمراض نسائيّة وولادات وأعراض سنّ اليأس (على اعتبار أنّ المعلّمين في طور الانقراض أمام سيطرة المعلّمات)، تشبّث بالآراء وعدم احتراف، محسوبيّات،...

وفي الختام، نتمنّى على معاليكم أن تحسنوا اختيار مستشاريكم ومن الأفضل أن يكونوا من المطرودين من المدارس لأنّكم بذلك تكونون محاطين بنماذج معبّرة جدًّا عن واقع التعليم في لبنان.

الاثنين، 1 مارس 2010

إذا كنت من هؤلاء فلا تقرع بابي!




إذا كنت من شهود يهوه وترغب في تبشيري بعهدك الجديد كما قرأته أنت وقرّرته أنت فلا تقرع الباب! أو إذا كنت غير مارونيّ وتريد أن تخبرني بأنّ الموارنة هم الذين خربوا البلد أو غير شيعيّ وتريد أن تقول لي إنّ الشيعة أكلوا البلد أو غير سنيّ وتريد أن تحذّرني من أنّ السنّة يؤسلمون البلد أو غير درزي وتريد أن تنذرني ممّا سيحصل للمسيحيّين إن تعرّض وليد جنبلاط للخطر فلا تقرع الباب! أو إذا كنت علمانيًّا وتريد أن تهاجم رجال الدين فلا تقرع الباب!

وإذا كنت رجل دين وتريد أن تهديني إلى حظيرة الخراف فلا تقرع الباب! أو محسوبًا على 14 آذار أو 8 آذار وتريد أن تشتم الفريق الآخر المعادي، أو مدنيًّا وتريد أن تعطيني رأيك في الفرق بين أداء الجيش وأداء قوى الأمن الداخليّ أو إذا كنت من رجال الأمن أو الجيش وتريد أن تخبرني كيف يمكنك أن تكسر "أكبر راس" في البلد، أو إذا كنت مرشّحًا للمجلس البلديّ وتريد أن تعرف رأيي في انتخابك فلا تقرع الباب!

إذا كنت من المصروفين من عملهم وتريد أن تشكو أمامي همومك ومشاكلك، أو من متتبّعي المسلسلات التي تبدأ ولا تنتهي إلاّ مع طلوع الروح وتريد أن تعاتبني لأنّني لا أتابعها فلا تقرع الباب! أو إذا كنت من الوطنيّين الغيارى وتريد أن تدلي بصوتك في موضوع زواج نايلة تويني ومالك مكتبي! أو إذا كنت لا تقرأ مجلّة علميّة ولا تعرف أبسط ما يجري في عالم الطبّ وتريد أن تشرح لي خفايا التلوّث الذي يصيبنا من المأكولات والمياه والهواء! أو عاشقًا للفنّ وتريد أن تخبرني عن موقفك من الصراع العميق بين نانسي عجرم وهيفا وهبي أو بين نوال الزغبي وطليقها! أو لا تقرأ كتبًا ولا صحفًا ولا مجلاّت ولا قصاصات أوراق وتريد أن تعطيني رأيك في عدم حصولنا على جائزة نوبل! أو إذا كنت تريد أن تخبرني عن أطيب أركيلة وأطيب منقوشة وآخر مطعم فتح في بيروت فلا تقرع الباب!

وإذا كنت ستطلب منّي أن أتحدّث مع أطفالك باللغة الفرنسيّة لأنّهم لا "يفهمون عربي"! أو ستعطيني رأيك في قصّة شعري وأثاث بيتي وماركة سيّارتي! أو ستحدّثني عن فواتير الكهرباء والمياه وأقساط المدارس والتأمين! أو ستصف لي أعراض الإتش وان إن وان وتعطيني رأيك في اللقاح! أو ستخبرني عن معاناتك مع أدوية الأعصاب! أو ستشكو لي مأساتك مع مديرك الجديد الذي لا يستحقّ أن يحلّ ويربط! أو إذا كنتِ من النساء اللواتي يكرهن الرجال ويكرهن الحياة ويكرهن العزوبيّة وأنت فوق الأربعين من عمرك وفشلت في مختلف أنواع العلاقات العاطفيّة! أو إذا كنت رجلاً تريد أن تعلمني بعدد النساء اللواتي أغرمن بك! أو إذا كنت من الجيل الجديد الذي يتّهم الجيل القديم بالرجعيّة والتخلّف أو من الجيل القديم الذي يتّهم الجيل الجديد بالكسل والاتّكاليّة فلا تقرع الباب!

وإذا كنت من أنصار ذلك الفريق الرياضيّ أو تلك الصحيفة أو تلك المحطّة التلفزيونيّة! أو تابعًا لجمعيّة خيريّة أو طالب مساعدة أو بائع يناصيب أو بائع روزنامات! أو آتيًا لدعوتي إلى عرس ابنك وتحمل معك رقم حسابه المصرفيّ لتزوّجه على حسابي! أو ستروي لي تفاصيل آحر رحلة استجمام قمت بها أو كم صار عندك أصدقاء على الفايسبوك! أو ستزورني لتحلّل لي لماذا وقعت تلك الجريمة ومن ارتكب تلك المجزرة وما هي الأسباب الخفيّة التي لا يعلم بها سواك لسقوط الطائرة الأثيوبيّة! أو من مردّدي آخر طرفة وقحة سمجة غبيّة تتناقلها برامج النكات المتفشيّة، فلا تقرع الباب!

إذا كنت من هؤلاء أو ممّن يمتّ إليهم بصلة أو قربى في الوطن والمهجر فلا تقرع الباب لأنّني اكتشفت أنّني لست الله وبالتالي فلا شيء يدعوني كي أفتح لك الباب!