الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الجمعة، 5 مارس، 2010

في مناسبة عيد الأمّهات



في عيدهنّ فلنتذكّر أنّهنّ لسن خادمات
أسوأ ما يمكن أن يقدّمه أحدكم لأمّه في مناسبة عيد الأمّهات هدية تذّكرها بالأعمال المنزليّة. صحيح أنّ العدد الأكبر من الأمّهات تنازل عن الاهتمام بتدبير شؤون المنزل لصالح الخادمات، غير أنّ عددًا كبيرًا من الأبناء والبنات يستسهل اختيار هديّة تصلح للمطبخ، وبدلاً من أن يقدّمها للخادمة التي ستستعملها، يقدّمها لأمّه ويخلص من هذا الهمّ.
وفي قولنا الأمّهات لسن خادمات لا نقصد طبعًا أن نوجّه الإهانة لأحد أو ننتقص من عمل أحد، فالخدمة أساس كلّ وظيفة ومهنة مهما عظّم شأنها الناس أو احتقروها، وإذا كانت طبيعة البشر تجبرهم على وضع سلّم اجتماعيّ يمضون حياتهم في ارتقاء درجاته وهم لا يعلمون إن كانوا يصلون إلى أعلى درجة ويثبتون عليها أو سيقعون إلى أسفل دركات المجتمع، فهذا لا يعني أنّ الأمر من طبيعة الإنسانيّة التي يجب ألاّ تميّز بين عمل وآخر. ولو نظر أفراد المجتمع إلى عمل المرأة في بيتها نظرة احترام وتقدير واعتبروه مساويًا في الشكل والجوهر لأيّ وظيفة أخرى، لما شعرت المرأة بدونيّة واجباتها المنزليّة، ولما تصرّف الرجل على اعتبار أنّه السيّد الذي يتعب في العمل، وأنّ زوجته وأمّ أولاده تمضي النهار في البيت وكأنّها كانت في إجازة في منتجع لبنانيّ فاخر.
فعلى كلّ من يريد أن يقدّم هدية لوالدته أن يفكّر في الأمور التالية: إذا كانت أمّه تقوم بواجبات الأمومة فهي تستحقّ هدية لا تشعرها بأنّها مجرّد غاسلة ثياب أو طاهية طعام أو منظّفة منزل، وإذا كانت لا تستحقّ لقب الأمومة فهي تلقائيًّا لا تستحقّ هدية. الأمر بسيط ولا يحتاج إلى بروتوكول خاصّ أو شرعة معيّنة، فالاحتفال بعيد الأمّ ليس واجبًا اجتماعيًّا تفرضه روزنامة الأعياد العالميّة، وتخصّص له وسائل الإعلام مساحات إعلانيّة، وتجبر المعلّمات فيه التلاميذ على إعداد هدايا وكتابة عبارات واستظهار قصائد، وهو ليس يومًا في السنة، وهو ليس مناسبة استهلاكيّة تنتظرها المتاجر النسائيّة للتخلّص من بضائع مكدّسة، ولا أعتقد أنّ أيّ أمّ حقيقيّة تعي جوهر دورها تقبل أن تصحّ عليها أغنية فيروز: زوروني كلّ سنة مرّة/ حرام تنسوني بالمرّة.
ومع أنّ أيّامًا تفصلنا عن موعد عيد الأمّهات العالميّ، إلاّ أنّني بدأت أرصد الاستعداد غير الملائم له: ففي البيوت، أسمع من صديقات وأصدقاء تساؤلات حول هديّة العيد المناسبة، وكلّها تدور في فلك الأدوات المنزليّة وحجّتهم جميعهم أنّهم لا يعرفون ما يعجبها وما لا يعجبها، ولذلك يحسم بعضهم خياره بإعطائها مبلغًا من المال تشتري به ما تحتاج إليه، وكم من مرّة اشترت الأمّهات بهذه المبالغ ما يحتاج إليه البيت. وفي المدارس، بدأت حملات تمرين وتدريب لتقديم مشاهد تمثيليّة أو أغنيات أو مصنوعات يدويّة، وكم من تلميذ عوقب لأنّه تخلّف عن زملائه في مستوى أدائه، أو هُدّد بالقصاص أو بأنّ أمّه ستخجل به إن لم يحسن تقديم دوره أمام سائر الأمّهات. وعوض أن تأتي المناسبة تتويجًا لمسيرة مشتها العائلة معًا في اتجاه العيد، تتحوّل الأيّام التي تسبقه معاناة يتأفّف الجميع من وطأتها، وتحصد الأمّهات خيبات الأمل من جديد وهن يحصلن على هدايا افترض الأولاد أنّها ستفرح بها، أو هدايا تشبه تمامًا ما قدّم لها في الأعوام الماضية.
لا شكّ في أنّ التعامل مع صاحبات هذا العيد يختلف بحسب الفئات العمريّة والاجتماعيّة، ولكن تدبير كلّ ذلك يبقى أسهل من أن تقنع مراهقًا بمسامحة أمّه. فقد أخبرني هذا الشابّ، حين كنت لا أزال في العمل التربوي، أنّه اشترى هديّة ثمينة للخادمة الأثيوبيّة التي تهتمّ به وبأخيه الصغير وتحضّر لهما الطعام وتسهر على راحتهما، ولم يوجّه كلمة واحدة لأمّه.
وفي المناسبة، صحيح أنّ عيد الأمّهات ليس عيدًا لتكريم جانب الخدمة فيهنّ، ولكنّ الصحيح كذلك أنّ الخادمات أمّهات تركن أولادهن عند عتبة الفقر والعوز وأتين إلى بلاد غريبة يهتممن فيها بأولاد الآخرين، وبالتالي يستحققن هديّة واتصالاً هاتفيًّا يسمعن فيه أصوات أولادهنّ ما قد يخفّف من لوعة الاشتياق.

ليست هناك تعليقات: