الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الأحد، 14 مارس، 2010

لسنا وحدنا على هذا الكوكب






سألتني صديقة عربيّة تتنقّل، إقامة وعملاً، بين فرنسا والولايات المتحدّة، عن سبب إشارتي أكثر من مرّة في مقالاتي إلى الخادمات، وخصوصًا في المقالة التي نشرت في مناسبة عيد الأمّهات، حين دعوت إلى عدم اعتبار الأمّهات خادمات وإلى الانتباه إلى أنّ الخادمات أمّهات. وكانت تهدف من السؤال إلى التأكّد من أنّني لا أبالغ في تصوير الخادمات في المنازل على أنّهنّ جزء أساس من التركيبة الاجتماعيّة العربيّة.
الصديقة التي طرحت السؤال تقيم في مجتمعين لا وجود للخادمات فيهما، على الأقلّ بالشكل الذي نعرفه في بلادنا العربيّة. وهي، على الرغم من انشغالاتها وأعمالها وسفرها تهتمّ وحدها بأمورها المنزليّة وتتقاسم الأعمال البيتيّة مع زوجها وأولادها. لذلك كانت مقتنعة بأنّ الإشارة إلى الخادمات مبالغ فيها إلى أن أعطيتها أمثلة عن عائلات لبنانيّة تعرفها وتعرف عدد الخادمات اللواتي يعملن في خدمتها علمًا بأنّ السيّدات في هذه العائلة لسن من العاملات أو الموظّفات أو سيّدات الأعمال. فتذكّرت الصديقة حينذاك لقاء عائليًّا دعيت إليه في أحد بيوت بيروت، وكان فيه مجموعة من الخادمات الأسيويّات، إذ وصل أبناء صاحب البيت وبناته مع عائلاتهم وخادماتهم، ما جعل المنزل برج بابل حقيقيًّا اختلطت فيه اللهجات واللغات، وتضاربت الأوامر والنواهي، وتصارعت الحضارات وارتطمت الصواني بالأواني وعلت الأصوات حتّى لم يعد أحدٌ يسمع أحدًا، ولكنّها ظنّت أنّ هذا الأمر محصور في تلك العائلة.
لفتني السؤال والنقاش إلى ضرورة التنبّه إلى أنّنا حين نكتب لا نتوجّه إلى القارئ العربيّ فحسب بل إلى أيّ قارئ في أيّ مكان في العالم، خصوصًا مع سهولة الوصول عبر شبكة الإنترنت إلى كلّ بيت في أيّ بلد. ماذا يعني هذا الوضع؟ يعني أوّلاً، أنّ علينا أن نثق أكثر بقدرة الصحافة العربيّة على الخروج من محليّتها الضيّقة، مهما اتّسعت هذه "المحليّة"، والانفتاح على ما هو أبعد من زواريب حاراتنا وأزّقة قرانا ومحدوديّة تجاربنا. ثانيًا، أن نثق بأنّ النصّ الذي نكتبه، ولو انطلق من بيئة محدّدة ومحدودة قادر إن كان شامل النظرة والمعالجة، على الوصول إلى العالميّة التي يحلم بها كلّ كاتب، أأعلن الكاتب تلك الرغبة أم خبّأها.
لذلك، يجب ألاّ تطرح الصحافة الحديثة على نفسها السؤال الذي كان يطرحه القيّمون عليها عند التأسيس: وهو: إلى أيّ قارئ نكتب؟ إذ لم تعد الجريدة اليوميّة جريدة لأخبار الحيّ ومناكفات الجيران، بل صارت فسحة ثقافيّة تنطلق من خبر في الحيّ لتعالجه معالجة اجتماعيّة علميّة واسعة النطاق، ومن شجار بين جارتين لتصل إلى مفهوم الجيرة في عصر الفايس بوك والرسائل الإلكترونيّة. ولم يعد يجوز أن ترضخ الجريدة لرغبات الجمهور الذي قد يدفعه فضوله إلى ملاحقة الأخبار السطحيّة الآنيّة لبعض الوقت ولكن ليس طوال الوقت، وعلى كلّ حال لن تستطيع الصحافة في هذا المجال أن تنافس التلفزيون أو الإنترنت. فعلى الصحافة إذًا أن تعرف أنّها تتوجّه إلى قارئ يملك القدرة على الاختيار بين مجموعة هائلة من وسائل الإعلام العربيّة والعالميّة، ولم يعد أسير جريدة واحدة كما كان عليه الحال مع بداية عهد الصحف في العالم العربيّ.

ومن المهمّ أن نعرف أنّ هذه الصحافة التي لا تثق بنفسها تخضع، على اختلاف مستوياتها وانتماءاتها، لمراقبة تحليليّة دقيقة، في أكبر جامعات العالم التي يقصدها طلاّبنا للدراسة. وكثيرًا ما فوجئ الطلاّب العرب بوجود أرشيف كامل في مكتبة هذه الجامعة أو تلك لصحف بلادهم. فكم مهمّ أن نتذكّر إذًا أنّنا لسنا وحدنا على هذا الكوكب ولم تعد كتاباتنا تمرّ مرور الكرام وتنسى مقالاتنا عند نهاية اليوم، فحين نكتب ولو عن شأن خاصّ من شؤون بلداننا أو حياتنا، ستجد هذه الكتابات من يقرأها ويحفظها ويحلّلها ويناقشها ويجد فيها صدى لما كان يريد أن يقوله. وإن كنّا نرفض الاقتناع بأنّ الأمور صارت على هذا الشكل فمن الأفضل أن نتوقّف عن الكتابة.

ليست هناك تعليقات: