الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الأربعاء، 24 مارس، 2010

أغنية الزعما فلّوا من لبنان حين نسمعها من غير اللبنانيّين

جبيل - لبنان

أغنية "الزعما فلّوا من لبنان" حين نسمعها من غير اللبنانيّين


كم يجرح القلب ويهين الوجدان أن تسمع أغنية تنتقد بلدك بأصواتِ مَن ليسوا من بلدك! هذا ما خطر لي وأنا أسمع بعض الهواة وهم من جنسيّات عربيّة يغنّون فرحًا على شاشة لبنانيّة: الزعما فلّوا من لبنان، ثمّ يضحكون، ويرقصون، ويغمزون الكاميرا، ويغرون الصبايا، وينتظرون التصفيق من جمهور أكثره من اللبنانيّين. ويعودون ليكرّروا اللازمة، مرّة بعد مرّة، وهم يؤكّدون بأنّ الزعماء تركوا لبنان، و"كبرت فينا فرحتنا وصار فينا نعيش بأمان وصارت جنّة دنيتنا". وحاولت أن أنسى الأمر، أو بالأحرى أتناساه، إلى أن فوجئت بالتسجيل على اليوتيوب وقد شاهده أكثر من خمسين ألف مشاهد حتّى لحظة كتابة هذه السطور.

لا يقع اللوم في طبيعة الحال على المشتركين الهواة الذين يهوون لبنان طبيعةً وشعبًا. ولكن كان على المسؤولين عن برنامج "ستار أكاديمي" الذي عرضته المؤسّسة اللبنانيّة للإرسال أن يراعوا الذوق العام ويحترموا أبسط شروط المواطنيّة فلا يطلبون من مشتركين عربًا أن يغنّوا ويزغردوا مع "الفرسان الأربعة" اللبنانيّين بأنّ "الزعما فلّوا من لبنان". مع العلم بأنّ العرب كانوا يتمنّون لو كان لهم حريّة التعبير التي لنا لكي يغنّوا فرحين هازجين إنّ زعماءهم رحلوا إلى غير رجعة، هذا إذا رحلوا.

مذلّ أن تصير المعاناة اللبنانيّة وسيلة ترفيه وتسلية وبأسلوب فيه الكثير من الاستخفاف، في حين يفرض علينا تقديس أبسط مشكلة عربيّة. ولكننا لا نستطيع أن نعتب إلاّ على أنفسنا، فنحن الذين حوّلنا قضيّتنا مهزلة كبرى دعونا إليه المشاهدين من كلّ أنحاء العالم، ومن لم يستطع أن يأتي حملناها إليه في الأغنية الساخرة والبرنامج الكوميدي والطرفة اللاذعة والمسرحيّة الهزليّة. ونسينا أنّ الفرق كبير بين النقد البنّاء وغسيل الدماغ الذي تتعرّض له أذهاننا حين نردّد وأطفالَنا بشكل غير واع شعارات خارجها يثير الضحك وباطنها يثير الرعب. مع أنّ المواطنيّة تقتضي من أبناء الوطن أن يحسنوا تحمّل هذه المسؤوليّة كي لا تجنح بهم أهواؤهم الآنيّة نحو استسهال التجريح بالبلد وهدم أسسه تحت ستار الترميم. إنّ عبارات مثل: "بس مات وطن"، و"بعبدا لمين؟" و"كلّنا ع الوطن"، و"هيدا بلد؟ لأ، مش بلد"، وسواها كثير، ترسخ في لاوعي الجماعة وتلتصق باللغة اليوميّة ويتناقلها الناس ساخرين هازئين، ما يجعل صورة الوطن ورموزه نكتة سمجة، لا قيمة لها ولا مستوى ولا جمال.

تضعنا الحريّة التي أتيحت لنا كلبنانيّين أمام مسؤوليّاتنا تجاه هذا البلد ذي الخصوصيّة الفريدة، وتدفعنا لمراجعة ما نكتبه وننشره ونفضحه والتساؤل عن الأهداف البعيدة المدى لما نفعله. فكلّ منّا ينفعل في موقف ما، ويعبّر عن غضبه على ممارسات شاذّة وفساد إداريّ وخلل اجتماعيّ وفراغ فكريّ، فالمدينة الفاضلة ليست في هذا العالم، ولكن السؤال الأساس هو: ماذا بعد هذا الانفعال؟ وهل يبنى وطن ليس فيه من الفنّ المزدهر إلاّ السخرية والتجريح من دون أيّ بديل؟

تحضرني في هذا السياق مقالة للأديبة السوريّة كوليت خوري قرأتها في مجلّة "المستقبل" التي كانت تصدر في فرنسا، وفيها حكاية فيلم أميركي شاهدته الكاتبة ويحكي عن تحقيق بوليسيّ يجرى في قضيّة مقتل رئيس الجمهوريّة. وخلال التحقيق يتبيّن أنّ الرئيس كان يخون بلاده، فعمل المحقّق مع زوجة الرئيس على إخفاء الحقائق عن الناس كي لا يحطّموا صورة قائد ملهم يفتخر به الناس ويحزنون على موته. أمّا نحن فنشوّه صور العظماء في بلادنا ولا نرى إلاّ القبائح في شعوبنا، ثمّ نتباهى ونؤلّف أغنيات في مديح ذلك.

ليست هناك تعليقات: