الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الأربعاء، 21 أبريل 2010

كلية للبيع



الذئب في ثياب الحمل


رسبت مرّتين في العمل التربويّ مع أنّ مجموع سنوات التدريس بلغ 27 عامًا ومع ذلك فمدراء المدارس وصندوق التعويضات قرّروا أنّني راسبة ولا أستحقّ التعويض أو التقدير أو كلمة شكر.
في المرّة الأولى رسبت لأنّني لم أحترم ثوب الراهبة الأسود وقلت لها بالفم الملآن: أنت جاهلة وغبيّة، ولست مسؤولة إنّ عيّنتك رهبنتك مديرة دروس بعدما كنت ممرضة في مستشفى، ولست مسؤولة إن كنت لا تعرفين أنّ كلمة "سرداب" موجودة في اللغة العربيّة وكتبت ذلك على ورقة أحد التلاميذ لتقولي أنّك تراقبين عمل المدرّسين.
اصفرّ وجه الراهبة الممتلئ - والورديّ عادة - وصرخت في وجهي: احترمي على الأقل ثوبي الأسود. فأجبتها: عندما تعلّقينه على علاّقة الثياب. فما كان منها إلاّ أن طلبت من الرئيسة العامّة صرفي من العمل قائلة لها: إمّا أنا وإمّا هي.
طبعًا بقيت هي. فتأكّدت أنّ السرداب كلمة موجودة في اللغة. وضاعت سنوات أربع.
في المرّة الثانية، لم أنتظر كي أصرف فقدّمت استقالتي من عروض الغباء والبغاء التي ترتدي أيضًا ثوب الكنيسة الأسود وذلك بعد 23 سنة من التدريس، فخسرت تعويضًا كبيرًا وراتبًا محترمًا، ولن أقول عملاً أحبّه لأنّني ما اعتدت أن أعمل إلاّ ما أحبّه.
لا أدري حتّى الآن ما هي الحكمة التي تقف خلف قرار رسميّ وقانونيّ يمنع مدرّسة عزباء عن استحقاق تعويضها ما لم تنه مدّة "عقوبتها" وهي كناية عن خمس وعشرين سنة من دون انقطاع ولا أدري ماذا بعد من الشروط التي لم أفهم منطقها حتّى اليوم. 
يقول لي الزملاء: قدّمي تقارير طبيّة وتغيّبي و"متل ما بدو الفاخوري (أو الخوري) ركّبيلو دينة الجرّة" "ومع السوق سوقي" و"شو هنّي ولادك حتّى تعتلي همّن" و"قبضي معاشك وفكّري بآخرتك وطوّلي بالك وفخّار يكسّر بعضه"، " اعملي ما يطلب منك وآخر همّك التربية" و"شو إنتِ رح تقوّمي المقتاية؟" و"فالج لا تعالجي" و"حرام تخسري حقّك كرمال مبدأ"، "اضحكي عليه وسايريه وبكرا بينقلوه".
كلّ ما كتبته على صفحات الصحف عن التربية لم يشفع لي. كلّ الأفكار التي قدّمتها للذين عملت معهم لم تسعفني عند الحاجة. كلّ التلاميذ الذين علّمتهم لم يظهر لهم أثر. فإذا كنت معلّمة سيّئة فكيف بقيت كلّ هذه المدّة في التعليم؟ وإذا كنت معلّمة ناجحة فلماذا أعاقب بحرماني من تعويضي لأنّي رفضت التعليم في أجواء غير تربويّة ولا تخدم التلاميذ؟ وإذا كنت صادقة مع نفسي ومع المؤسّستين اللتين عملت فيهما ورفضت أن أكون شاهدة زور وغطاء للجهل وسوء الإدارة فلماذا أعاقب وأطالب بالبقاء سنتين أخريين ولو على حساب التلاميذ لكي أستحقّ تعويضي؟
فالخياران الآن إذًا أن أتزوّج (وهل أنا السيّدة صباح لأجد عريسًا في هذا العمر؟)، أو أن أصاب بمرض يعيقني عن التعليم (هل يعتبر التفكير مرضًا؟) أو أدفع لمدير مدرسة لكي ينقل عملي في الملاك إلى مدرسته ولو لم أدرّس. فمن الواضح أنّ دخول جمل من خرم الإبرة أسهل من خروج قرش من صندوق التعويضات أو جيوب رجال الدين.
يسألني كثيرون: وماذا ستفعلين لتأمين معيشتك في هذه المرحلة من العمر؟ (هم يعرفون أنّ الكتابة كذلك لا تطعم خبزًا... ولا بسكويتًا)، الجواب المنطقي أن أعرض كليتي للبيع فما دمت قد أمضيت أعوام عملي وأنا أقف على رجل واحدة لأعلّم (الثانية مشلولة ولكنّها صديقة وفيّة إذ ثبت علميًّا أن لا علاقة بين الشلل والوفاء)، فبالتأكيد أستطيع أن أتابع حياتي بكلية واحدة وبـ"لا جميلة" الصندوق والواسطة والمحامي والخوري والراهبة ورابطة المعلّمين والنقابة والتلاميذ والزملاء... وكلّ أقربائهم وأنسبائهم في الوطن والمهجر.

كلية للبيع؟ عرض ضدّ القانون. ولكن لماذا لا يطبّق القانون إلاّ على غير المخالفين؟
كِلية للبيع؟
كلّنا للبيع في هذا الوطن...ولكن بالمفرّق.

* ملاحظة مهمّة: التجربة الثالثة كانت ثابتة في تثبيت ما ثبت أنّه ثابت ومن الثوابت.

هناك 5 تعليقات:

Rony يقول...

إلى أفضل مدرّسة أدب عربي علمتني،

ماري، اشتقنا!
لا أدري إن كنت تتذكرينني، إذ كنت من تلاميذك منذ أكثر من عشر سنوات (1995-1996 على الأرجح).

من المؤسف أن أقرأ ما آل إليه الوضع التربوي في لبنان ولكن لا عجب : أتذكر عندما تخرّجت من الجامعة اللبنانية وأردت التعليم وعندها حاولت أن أجد عملاً كمدرّس في إحدى المدارس (وكم عديدة هي تلك المدارس التي زرتها)، كان خيبتي كبيرة، فالذي "عندو واسطة" فقط يستطيع العمل في هذا البلد.

أتمنى لك كل الخير وإلى اللقاء..

روني نعمه.

غير معرف يقول...

اسئلة:
هل تعطي نفسك حقا فيما قلتيه للراهبة المسوؤلة عنك?!!
أكان اسلوبك تربويا?
أليس عليك أن تطيعي المسؤولين عنك?
أليس هم من يضعوا سياسة مؤسساتهم?
هل يوجد مسؤول مني وجر يرضى أن يتهجم عليه المرؤوس هكذا?
أليس من العدالة ومعرفة الحيقية الوقوف على راي الكل في القضية?
ليس عدلا أن نحكم وقد سمعنا طرفا واحداً
عابر سبيل يؤمن بالإسلوب

Eva يقول...

تبدو مشكلتك كبيرة يا آنسة
أخطأت في مخاطبتك للراهبة المسؤولة... وليس على المدير أن يلم بكل المواد التي تدرس فيتحداه أستاذ الفزياء في علم الفزياء مثلاً...
لا أدري لماذا افتخرت بما قلتيه للمسؤولةعنك?!!!!!!!، وهو لا يدع للإفتخار.
أعذري صراحتي.

father Hanna يقول...

إلى روني
لقد عملت مرة في تدبير وظائف للمدرسين فعاينت الواقع عن كثب. كثيرون يريدون أن يصبحوا أساتذة ومعلمات ولا يوجد مجال يحتويهم بسبب اكتمال الملاك في المدارس. لذا يحتاج شبابنا وبناتنا إلى توجيه للتخصص في مجالات فيها التوظيف متاح أكثر من قطاع التعليم.

ماري القصيفي يقول...

إلى روني/ أشكرك على رسالتك ومحبّتك وأنت تعرف كم أحترم قدراتك وعلمك وشخصيّتك/ كنت أتمنّى لو كان في استطاعتي المساعدة
إلى إيفا/ أشكرك على صراحتك/ وأوضح لك ما يلي: أنا في التربية منذ أكثر من خمس وعشرين سنة، وأعرف طبعًا أن المسؤول التربوي لا يمكن أن يلمّ بتفاصيل كل المواد، ولكن عندما يسمح لنفسه بتصحيح أوراق التلاميذ بعد تصحيح المعلّم لها وهو ليس منسّق المادة فيكون هو من وضع نفسه في خانة المخطئ، وإذا كان المسؤول أو المدير لا يعرف شيئًا في الفيزياء فهل يحقّ له في رأيك أن يصحّح أوراق التلاميذ بعد تصحيح المعلّم لها بحجّة أنه يراقب العمل/ الراهبة المذكورة كانت ممرّضة لم تصل في تحصيلها العلميّ لأكثر من شهادة البريفيه، وحين عيّنت مسؤولة أصرّت أن تراقب تصحيح المعلّمين في الصفوف كلّها بما في ذلك الثانوية منها، فهل تجدين الأمر مقبولاً على الصعيد التربويّ؟