الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الأحد، 1 مايو، 2011

"حصار الثلج" لعبدالله محمّد الناصر: قصص الهزيمة



بين الصحراء العربيّة واسكوتلندا الثلج، تدور هذه القصص القصيرة كزوبعة تحمل في قلبها كلّ ما تصادفه في طريقها. وبصور التشبيه والرمز والإيحاء، وبأسلوب السخرية المرّة غالبًا، تنطلق اللغة آسرة في عنفها، سريعة في إيقاعها، هادفة في مضمونها. إنّه في اختصار الجوّ العامّ الذي يغلّغنا عندما نقرأ مجموعة الكاتب عبدالله محمّد الناصر "حصار الثلج" (صدر الكتاب في منشورات "دار الساقي" 2002) بعد مجموعة أولى هي "أشباح السراب".
تسع عشرة قصّة قصيرة، لا توفّر أحدًا من الناس، إلى أيّ طبقة انتموا، وتكاد لا تترك وجهًا من وجوه الحياة إلاّ تلتقط له صورة تذكاريّة في لحظة مصيريّة من حياته وتدخلها في أرشيف الذاكرة.
ففي "أسراب الحمام" نستمع إلى امرأة عربيّة محاصرة بتقاليد الزواج وأسر الطمع، تراقب حريّة أسراب الحمام وتحسدها. وفي "وجه خلف القضبان" تحيّة إلى الصحراء العربيّة وأهلها الذين ينبعث من وجوههم شعاع الثقة واليقين كشمس حارقة. وفي "حمار اللجنة" التي تذكّر بقصص الأقدمين، حكاية حمار في مواجهة العدالة العربيّة، يفضح غباء الأنظمة والسلطات ويؤكّد على أنّه أذكى وأعقل مخلوق في هذه البلاد. و"حصار الثلج" قصّة جميلة تنقل إعجاب الكاتب بالتكنولوجيا الغربيّة واعترافه بماديّتها أمام الأخلاق العربيّة. وفي "الانكسار" حزن الصداقات المنكسرة، وفي "التنكة" المدير الصدئ المنخور كتنكة مهترئة في رمال الشاطئ. وفي "الحرمان" حبّ محروم من اللقاء ضحيّته رجل وامرأة. أمّا "الاستغاثة" فتذكّر بـ"صلاة العنز" لأمين نخلة، وفيها تتوحّد الكائنات أمام عطش الأرض فستغيث طالبة الماء من السماء. وعندما قالت الأغنام وأشجار النخيل ما يشبه الآمين بعد صلاة الناس، انهمرت الأمطار. وأمام عدالة السماء، يبدو "حتروش" ضحيّة نموذجيّة في مجتمع غير عادل. وفي "شخير" نعي للأحلام التي لا يمكن أن تتحقّق في ظلّ الأوضاع العربيّة الراهنة. وفي "إنّه ليس هو" الفرح الذي لدى الأغنياء ولا يعرفه الفقراء. ثمّ تتوالى ثلاث قصص تذكّر بالأجواء القصصيّة لدى زكريّا تامر لناحية التصوير العنيف للفقر كما في قصّة "الحذاء" الذي يعجز الوالد الفقير عن شرائه لابنته (ثمّة فيلم إيرانيّ رائع حول الموضوع)، والشرطة التي تلاحق من يلعن الجوع في قصّة "بيت النمل"، أو التي تحقّق مع العالِم الكبير "نجيب فرحان" وتعذّبه (طبعًا!) لأنّ اسم القطّ الذي يملكه هو "الرئيس". وواضحة الإشارة إلى الرئيس المقصود بالكلام حين يجيب الدكتور المعذَّب ردًّا على سؤال المحقّق: "أقصد رئيسنا فلان...مولانا وحامي حمانا...باني نهضتنا...وأبا ثورتنا...وسبب عزّتنا...ورافع هامتنا...محارب الألدّاء، ومصادم الأعداء. أمدّ الله في عمره وجعله رئيسًا دائمًا من اليوم إلى يوم البعث" (...) (ص 96).
"الثأر" قصّة الشباب العربيّ الذي يحلم بالانتقام لمحمّد الدرّة، الفتى الفلسطينيّ الذي قُتل في حضن والده، من رُعاة قاتليه الذين يغرقون الشارع العربيّ بكلّ أنواع التخدير. تليها "نظريّة حسّان" التي تعارض نظريّة داروين مؤكّدة أنّ الانحطاط والتخلّف هما ما حصل للشعوب لا التطوّر والارتقاء كما يقول داروين. والدليل هو الشعوب العربيّة التي سيولد فيها الأطفال بلا عقول تفكّر ما دام العرب لا يستخدمونها وما دام هناك من يفكّر عنهم. أمّا "دموع في الظلام" فقصّة الحزن الذي تفجّره ذكرى الأمّ الغائبة، تليها قصّتان تتكاملان: الأولى عن "رئيس التحرير" الذي لم يكتب افتتاحيّة في حياته، والثانية عن "الأديب" ط.ز.( لاحظوا اختيار الحرفين) الذي مات قهرًا في مجتمع المال الذي لا يعيره اهتمامًا في حين يؤمن بما تقوله المذيعة الجميلة عن الأدب والأدباء.
قصص الهزيمة هذه موجعة بصدقها وواقعيّتها، وإذا كان الكاتب اختار "حصار الثلج" عنوانًا للمجموعة فربّما لأنّ الشهامة العربيّة لا تعلن عن نفسها إلاّ أمام الغرباء، وإن كانوا من النساء يكون الأمر أكثر إثارة، في حين أنّ الصديق تخلّى عن صديقه العربيّ المحتاج ولم يفرّج عن ضائقته الماديّة في قصّة "الانكسار". والأكيد أيضًا أنّ هذه المجموعة تخلو من حوار حقيقيّ، وما الأحاديث المنقولة إلاّ مناجيات داخليّة تفتقر إلى مستمع مهتمّ، أو أحلام تذوب أمام نور النهار ليغرق أصحابها في الوحدة والهزيمة. أمّا الحوارات العنفيّة فهي مع رجال الشرطة والمحقّقين. وتؤكّد شخصيّات القصص فرديّتها ونزعتها الانعزاليّة في غياب الانتماء الاجتماعيّ وحيال انكسار صورة الدولة والأمّة، سياسيًّا وحضاريًّا وثقافيًّا.
وإشارة إلى غلاف المجموعة الذي صمّمه المؤلّف نفسه ويشي بالفكرة الأساس الذي يبغيها الكاتب، فالعصافير الثمانية (لا سبعة ولا تسعة رقما الكمال) التي جمّدها الثلج على شجرة صقيعيّة الأغصان تعبّر عن جمود الحركة في لحظة معيّنة من الزمن. ولم يكن غريبًا أن يشير الكاتب مرارًا إلى أسراب الحمام والعصافير كلّما بحث عن الحريّة.
"النهار" 3 تمّوز 2002

ليست هناك تعليقات: