الأحد، 1 نوفمبر 2009

لو كان عاصي الرحباني حيًّا!


فيروز وزياد الرحباني
أنا لا أريد المزايدة على أولاد عاصي الرحباني في معرفته ومحبّته، فأنا قطعًا لا أعرف عاصي الرحباني الأب بل أعمال الفنّان التي كشفت لي خفايا أفكاره وخبايا نفسه وعن ذلك سأسمح لنفسي بالكتابة.
عاصي الرحباني الذي تبنّى "غربة" و"زاد الخير" و"عطر الليل" و"هالة" و"وردة" ونظر بعين المحبّة إلى "زبيدة" و"مخّول" و"سبع" و"الشاويش" و"مختار المخاتير" و"نفنافة"، ودافع عن المحرومين والمظلومين وخلّد "فخر الدين" و"بترا" و"بعلبك" و"مشغرة" و"وادي التيم"، عاصي الرحباني الذي جعل فيروز تغنّي لـ"ريما" كي تنام، وحشد في أعماله المسرحيّة والسينمائيّة والتلفزيونيّة والإذاعيّة آلاف الشخصيّات التي أظهرها في أكثر لحظاتها جمالاً وحنانًا وخفّف قدر المستطاع من سيّئات البعض منها، حتّى لكأنّ الشرّ غير موجود في عالمه، هذا "العاصي" لم يكن ليضيق صدره بشابّ ليس من صلبه ولا من عائلته ولكان تبنّاه وأعطاه اسمًا ومنحه دورًا وأسدل الستارة على مسرحيّة الأبوّة والبنوّة التي تتناقل وقائعها الصحف، غاضًا الطرف عن نتائج المختبر وقرار المحكمة.

هلي الرحباني ابن عاصي وفيروز مع دلال حين كانت زوجة زياد وابنها عاصي
لا شكّ في أنّ المجتمع العربيّ بات على علم بقضيّة إنكار النسب التي رفعها الفنّان زياد الرحباني مطالبًا بشطب اسم الشابّ عاصي الرحباني من سجّل العائلة لأنّ فحص الحمض النووي، بحسب أقوال زياد للصحافة، أثبت أنّ هذا الشاب ليس ابنه. ولعلّها القضيّة الأولى من نوعها التي تظهر إلى هذا الشكل العلنيّ في لبنان، وتتهم فيها سيّدة بإنجاب طفل من غير زوجها، وبسبب ذلك يطالب طليقها المحاكم وبعد أكثر من عشرين سنة باعتبار الابن الذي كان نتيجة هذا الزواج لا يمتّ بصلة نسب له.
عاصي الرحباني مع ابنته ريما
وإذا كان من الطبيعيّ أن ينقسم الناس بين مؤيّد لزياد الرحباني المجروح في كرامته، ومتأسّف لوضع الابن ضحيّة هذا الزواج، ومتضامن مع الزوجة/الأمّ على اعتبار أنّ زوجها صاحب شخصيّة صعبة ولا يمكن العيش معه، فلا يعني ذلك أنّ الناس أنفسهم لم يتّفقوا على التساؤلات التالية: زياد محقّ في الدفاع عن عائلة الرحباني ووضع السدود أمام من يرغب في الانضمام إليها عن غير حقّ، مع العلم أنّ المحافظة على العائلة تصرّف غير متوقّع من زياد نفسه الذي كثيرًا ما سخر من آل الجميّل مؤسّسي حزب الكتائب بسبب وضعهم "العائلة" ضمن مثلّث الحزب بعد "الله والوطن".
عاصي الذي لا يَعرف اسمًا آخر له
ولكن ألم يشكّ في الأمر منذ ولادة الطفل الذي أعطاه اسم والده، وأخذ لهما صورة فوتوغرافيّة معًا؟ وهل أخفت الزوجة السيّدة "دلال" الأمر عن الجميع؟ وهل عاصي الابن كان على علم بحقيقة نسبه أم هو كان يشير إلى ذلك في أحاديثه الصحافيّة القليلة حين كان يعارض مقولة أنّ الفنّ وراثيّ، ويوضح أنّ موهبته في التصوير السينمائيّ لا علاقة لها بعائلة الرحباني؟أنا شخصيًّا لا تعنيني معرفة الأجوبة على هذه الأسئلة ولن يضيف اطّلاعي عليها إلى ثقافتي الرحبانيّة شيئًا مهمًا. ففي مجتمعاتنا الكثير من القضايا المحاطة بالسريّة والتكتم والتي لا نعرف شيئًا عن حقيقتها وإن عرفنا تمنّينا لو كنا لا نعرف.
زياد عاصي الرحباني
ما يعنيني من قضيّة وصلت إلى الرأي العام هو أن يترك المجال للشابّ الذي يحمل اسم "عاصي الرحباني" كي يتصالح مع نفسه واسمه ونسبه فيتابع حياته بمعزل عن هذه القضيّة، وإذا كان الوالدان أرادا أن يأكلا الحصرم فهذا شأنهما، ولكن لا يحقّ لهما أن يطلبا من هذا الشابّ أن "يضرس" بسببهما. والصحافة مدعوة إلى احترام ذلك كي لا تساهم في تشويش حياة هذا الشابّ الذي لم يعرف الاستقرار حتّى اليوم.

من عالم سائقي التاكسي 2

بيروت

كان سائق التاكسي يتحدّث عن مهنته كما تتحدّث امرأة عن اضطرارها إلى التحوّل عاهرة. قال إنّ الظروف أجبرته على ممارسة هذا العمل، وقال إنّه مجبر على التواصل مع مختلف أنواع الناس، وقال إنّ ما يراه ويسمعه يدفعه إلى اليأس من الحياة، أو على الأقلّ إلى القرف منها.
كان يريد أن يحكي، وأنا أحبّ أن أصغي. فكيف إذا كان الإصغاء يُسمعني كلام رجل يقودني إلى حيث أريد، ويتحدّث في الوقت نفسه عن الحياة وكيف قادته إلى حيث لا يريد. مشهد عبثيّ لا يمكن تفويت فرصة المشاركة فيه. غير أنّ الحكايات التي يرويها عن عالم الليل وحيوات الناس فيه كانت تحتاج إلى أكثر من توصيلة سريعة ومع ذلك كان في الإمكان بناء ذلك العالم بشخصيّاته وحكاياته من سيل الكلمات المتدفّق من فمه.
المرأة الصامتة هي أكثر قصّة تفاعل معها الرجل حتّى كدت أجزم أنّ دموعًا تترقرق في عينيه في كلّ مرّة يعيد سردها على مسمع أحدهم.
عندما ناداه عامل الهاتف، في تلك الليلة، على جهاز اللاسلكيّ ليلبّي الطلب ويحضر المرأة من حيث هي، لم يكن يعلم أنّه سيكون شاهدًا على حكاية لا تصلح للأولاد. والحكاية بدأت حين نبّهه الموظّف في مكتب التاكسي إلى أنّ المرأة التي سيقلّها إلى بيتها لن تقول كلمة واحدة، وأنّ رجلاً سيعطيه ظرفًا ورقيًّا فيه مبلغ من المال ليسلّمه إلى رجل آخر يقيم حيث ستنزل المرأة. وهذا ما حصل: صعدت المرأة وهي صامتة واجمة، انزوت في المقعد الخلفيّ وألصقت رأسها بالزجاج، ثمّ اقترب رجل وناول السائق الظرف المغلق. أصرّ السائق على أنّ من واجبه أن يتأكّد من أنّ ما في المغلّف ليس مخدّرات أو أيّ شيء آخر غير المال. فقبل الرجل. وحين تمّ كلّ شيء حسب التعليمات، انطلق السائق إلى حيث طلب منه أن يوصل المرأة. هناك، كان رجل آخر في الانتظار، فأسرع حين توقّفت السيّارة، وفتح الباب لكي تخرج المرأة الصامتة وقال لها: أسرعي، الطفل يبكي. ثمّ سأل السائق عن "الغرض" وحين استلمه فتحه ليتأكّد من المبلغ ودلف إلى المنزل خلف المرأة.
في مكتب شركة التاكسي، وجد السائق مجموعة من زملائه ينتظر كلّ منهم نوبة عمله، فشعر بأنّهم يتوقّعون منه أن يسألهم لحظة دخوله عليهم عن حكاية هذه المرأة، فلم يخيّب أملهم، وحين بدأ أحدهم بالكلام فهم السائق الحائر أنّ كلّ واحد منهم مرّ في هذه التجربة، وكلّ واحد يملك فصلاً من الحكاية.
ولكن ما أثار دهشة الرجل من ردّة فعله وردود فعل زملائه أنّهم كلّهم كانوا متعاطفين مع المرأة، وكلّ واحد منهم يتمنّى لو أنّ في إمكانه إنقاذها ممّا هي فيه. فليس شيء في كلّ قيل عنها يوحي بأنّها كانت تستمتع بمّا تفعله، بل بدت كأنّها مجرّد آلة تنفّذ الأوامر ولا رأي لها في الموضوع، أو كأنّها خنقت منذ زمن أحاسيسها ومشاعرها (إلاّ لحظة قيل لها أنّ طفلها يبكي) حتّى صارت على ما هي عليه من جمود وصمت هما أقرب إلى الموت منهما إلى الحياة. وكيف لا تفعل ذلك وزوجها يفرض عليها ممارسة الدعارة، ويرسلها في مهمّات إلى منازل في أماكن متفرّقة؟ ولكن ما لم يستطع أحد من السائقين الذين أقلّوها إلى حيث زبائنها أو أعادوها إلى منزلها أن يتأكّدوا منه هو إن كانت هي التي ترفض قبض ثمن جسدها أو إن كان زوجها هو من يفرض هذا التدبير.
يروي لي السائق أجزاء من الحكاية، وحين يصمت بعد عبارة: الله يستر على كلّ الناس، يترك لي من دون أن يعلم الحريّة الكاملة لتخيّل المرأة التي تهرع إلى طفلها، وتمارس أمومتها بعدما استنزف الآخرون أنوثتها وإنسانيّتها.

السبت، 31 أكتوبر 2009

في عالم سائقي التاكسي 1

صخرة الروشة - بيروت


في ازدحام السير الخانق، انطلق سائق التاكسي في الشكوى: دوران طوال النهار على الطرقات، غلاء بنزين في وقت ينخفض السعر في العالم، زبائن مزاجيّون (أكثرهم نساء)، غلاء وأقساط مدارس، لا قانون مفروضًا لتنظيم السير، زحمة سيّارات. كان من الواضح أنّ الرجل على شفير الانهيار.
من عادتي أن أطلب من مكتب التاكسي حين أتّصل كي يرسلوا سيّارة أن يكون سائقها من النوع الصامت كي لا يكلّمني طوال الطريق، وألاّ يسمعني أغنيات أو نشرات أخبار. الشرط الأوّل سببه أنّني أعترف برغبتي في الإصغاء إلى قصص الناس، وبالتالي فإن بدأ السائق في الكلام فسأنجرف حتمًا في الحديث مع ما في ذلك من استفهام واستيضاح وإسداء نصائح وتقديم مشورة. أمّا سبب الشرط الثاني فهو أنّني لا أحتمل أن يفرض عليّ الرجل رأيه السياسيّ حين يختار المحطة التي تذيع نشرات الأخبار، ولا أحتمل ذوقه الفنيّ إن قرّر أن يسمعني أغاني حديثة من اختياره. ولكن من الواضح أنّ المكتب لم يحذّر السائق أو لم يجد سواه متوفّرًا في ذلك الوقت، فانطلق منذ لحظة انطلاق السيّارة إلى الاسترسال في شكاوى هي أقرب إلى المناجاة مستفيدًا من صمتي الذي كنت أتمنّى لو بقيت غارقة فيه.
غير أنّ إعلان الرجل عن أنه يفكّر أحيانًا في أن يضع المسدس على صدغه ويطلق النار ليرتاح من هذه الدنيا، دفعني إلى التنبّه إلى أنّ ثمّة ما يجب أن يقال وأن لا بدّ من الاستفهام والاستيضاح وتقديم النصيحة.
باح الرجل بقصّته التي تشبه قصصًا لا تحصى، إلاّ أنّها بالنسبة إليه حالة نادرة وخطيرة لم تعد تحتمل. هو في الأساس محاسب، عمل في كبريات الشركات، سافر إلى أكثر من دولة خليجيّة حيث وصل إلى مراكز مرموقة، خسر ماله في أحد المصارف، استغنت عنه الشركة حين بدأت بتخفيض عدد موظّفيها القدامى لارتفاع رواتبهم. فلم يكن أمامه إلاّ "هذا العمل". قال ذلك كأنه يعتذر عن خيار فرض عليه فرضًا أو كأنّ "هذا العمل" مهين ومعيب ويخجل الإنسان السويّ من ممارسته.
بدا من اللغة التي استخدمها الرجل في وصف عمله السابق أنّه صادق، فهو يجيد اللغات الأجنبيّة، ويذكر أسماء الشركات في وضوح ومعرفة أكيدة، وكذلك أنواع المهام التي أوكلت إليه.
بيني وبين نفسي أردت أن أعتبر الحديث عن انتحاره مجرّد فشّة خلق، وفكّرت للحظة في إطلاق جملة ساخرة فأطلب منه مثلاً أن يوصلني آمنة ثمّ ينتحر، ثمّ تراجعت وأنا أتذكّر تصرّفات مدروسة عمليًّا ونفسيًّا رأيتها في الأفلام الأميركيّة حين كان متخصّصون يقولون ما يجب أن يقال عند محاصرة راغب في الانتحار ومحاولة إقناعه بالعدول عن قراره. وقلت في نفسي إنّ الأمر ليس لعبة والمغامرة بحياة الناس لا تحتاج إلى مزيد من المتطوّعين بعدما أظهر حكّامنا براعة في ذلك لا تبارى.
حين وصلت إلى وجهتي، كنت قلت كلامًا كثيرًا وجررت الرجل، وهو راغب في ذلك، إلى تفريغ شحنة سلبيّة من الغضب والعنف وبدا كأنّه استعاد هدوءه. حين ترجّلت من السيّارة، فكّرت للحظة في أن أطلق نصيحتي الأخيرة وأذكّره بالمثل القائل: شوف مصيبة غيرك بتهون مصيبتك. إلاّ أنّني خشيت أن أقنعه عبر هذا الكلام، بأن ليس في الحياة سوى المصائب، فأضاعف من رغبته في الموت تخلّصًا من آلامه وآلام سواه.

الأحد، 25 أكتوبر 2009

وقت ضائع

على شاطئ البترون - إطلالة على السور الفينيقيّ


ثمّة أماكن تجرّني إلى التفكير وإن قصدتها هرباً منه.
والمضحك أنّ صالونات التجميل وتزيين الشعر التي أكره ارتيادها في رأس القائمة. فالوقت الطويل الذي أمضيه في هذه الغرف الواسعة الدافئة الغارقة في النور الأبيض وثرثرات النساء يجعلني في حالة ارتخاء وملل كقطّة فوق غطاء سيّارة، تسرق الدفء من الشمس المتردّدة ومن محرّك السيّارة الحارّ في يوم شتائيّ بارد. في هذا المكان ذي الروائح والعطور المختلفة الأثمان والمستويات تتوالى المشاهد المجانيّة _ أي التي تقدّم عروضها من دون مقابل، إذ أنّ فاتورة الحساب في المؤسّسات التجميليّة ليست بسيطة أبداً – لا أجد عملاً إلاّ المراقبة، إذ تبدو المطالعة الجديّة بلا فائدة. أمّا تقليب صفحات المجلّات النسائيّة فعمل هامشيّ لاإراديّ لا يعيق المراقبة بل يكمّلها:
نساء يحاول "العطّار" أن يصلح ما أفسده الدهر من أشكالهنّ وشعورهنّ، اتصالات هاتفيّة لا تنقطع أعرف منها ما يجري مع أولادهنّ وخدمهنّ وأصدقائهنّ وأزواجهنّ وأعمالهنّ، شعور مصبوغة، شعور مقصوصة، أصابع مطلية، أقدام منقوعة في مياه فاترة، فراش تتنقّل من رأس إلى رأس، أحاديث سخيفة في السياسة ونظرات تبحث لتطمئنّ إلى عدم وجود دخيلات على الجو والمحيط.

أتابع المشاهد بعينين ذابلتين، وألتقط الأصوات الضبابيّة وأفكّر: لقائي بك هو الذي يدفعني إلى تحمّل كلّ هذه الضجّة، وإلى دفع مبلغ كبير من المال. ومع ذلك فإنّ اللقاء سينتهي بشجار عنيف وسنفترق وأنا ألعن الساعة التي أقنعت نفسي فيها بالذهاب إلى صالون التجميل من أجل خاطرك لأنّك تريدني أنيقة وعلى الموضة وحضاريّة لا أشبه تلك التي أضاعها أهلها في الغابة فكبرت متوحّشة، حسب تشبيهك الذي تريده مستوحى من الأفلام السينمائيّة التي تدمن مشاهدتها.
لماذا أفعل ذلك من أجلك؟ لماذا أهدر الوقت في أمور أعرف أنّها لن تعيد الأمور بيننا إلى ما كانت عليه؟ عندما نلتقي أخبرك عمّا سمعته عند المزيّن، ونضحك قليلاً قبل أن تعطيني ملاحظات تحاول أن تجعلها طريفة عن شكلي الجديد فتأتي جارحة قاسية لئيمة لأنّ المزيّن "ضحك عليّ" واللون لا يليق بي والتسريحة لا تناسب عمري، و"القَصّة" لا تلائم وجهي. وعندما أغرق في سكوت أهبل يشبه ذاك الذي كنت فيه عند المزيّن، تمتدّ المسافات بيننا من جديد، وتغور الأرض تحت مقعدي، وأقع في حفرة عميقة لا أريد أن ينقذني أحد منها.

ليتنا نعشق لبنان مثلكِ


العزيزة سهير،
أبكتني رسالتك إذ ليس سهلاً على الإنسان أن يقف على أطلال ماضيه من دون أن يبكي، والوقوف على الأطلال ليس محصورًا بعصر أو صحراء أو قبيلة. أبكي على صورة لبنان التي رسمتها بكلماتك العفويّة الصادقة وخصوصًا حين قلت، في تعليقك على مقالتي يوم السبت 29 تشرين الثاني في صحيفة البلاد البحرينيّة: "كتاباتك عن لبنان وموسم عصر الزيتون والبيوت المهجّرة هي ما شدّ انتباهي أكثر، إذ كنت أتساءل أين أصحاب هذه البيوت؟ أين ذهبوا؟ هل قتلوا؟ هل هاجروا ولن يعودوا؟ أين هم عن حدائقهم المهجورة والتي بالرغم من ذلك ما زالت تثمر وما زال الخوخ والدرّاق والعنب يتساقط على الأرض بعد نضجه لأن لا يوجد من يقطفه". أبكي وأنا أسأل نفسي: ماذا فعلنا بهذا البلد الجميل؟ ماذا فعلنا له؟
البارحة، يا صديقتي، اتّصل بي الكاتب والفنّان المبدع غازي قهوجي ليخبرني عن أمسية شعريّة لأميرة يابانيّة تعشق لبنان وطلبت في زيارتها الأولى أن تزور الشاعر الكبير سعيد عقل. والأميرة الشاعرة التي ستلقي شعرها، مصحوبًا بالموسيقى اليابانيّة، في حفلتين (30 تشرين الثاني في البيال و2 كانون الأوّل في الأونسكو)، تعرف كلّ شيء عن لبنان، وتكتب عنه قصائد جميلة وتصفه وتشتاق إلى ما قرأته عنه. ومع ذلك، فثمّة بيننا من يتساءل: لماذا قد يحبّ أحدهم هذا البلد الذي يحلم أبناؤه بالهرب منه؟
ليتنا أحببنا لبنان مثلك ومثل هذه الأميرة يا سموّ الوفيّة المخلصة؟ ليتنا أحببنا لبنان وأعفيناه من الحرب وأبقينا على أهله فيه، ليتنا نتذكّر الناس فيه كما تتذكّرين جيرانكم في "عاليه"، ليتنا نعرف قيمة الشجر والثمر كما تعرفينها، ليتنا نسأل عن الذين هجّروا وماتوا وهاجروا كما سألت في رسالتك عن أصحاب البيوت! ولكنّنا لم نفعل، لم نحبّ ولم نتذكّر ولم نسأل، وها نحن اليوم نقف على أطلال ماض مجيد ونصلّي كي تنجح الجهود المبذولة في الداخل والخارج كي لا نقع في التجربة من جديد. فالأمر يتطلّب أعجوبة، وإلاّ فلا خلاص.
إنّ أكثر ما يخيفنا يا جارتنا في الجبل هو ألاّ نتعلّم من الماضي وألاّ يتعلّم سوانا، كأنّنا لا نقرأ ولا نسمع ولا نرى، ولا نعرف كم سهل الهدم وكم سريع الزوال وكم قريب الموت. ولذلك أمرّ مثلك أمام القصور والبيوت المهجورة وأطرح أسئلتك ولا أنتظر الجواب، لأنّني أخاف من أن يسرق ما سأعرفه الدمعة الأخيرة التي أحتفظ بها إلى يوم نحتفل بالسلام والأمان.
كلّ واحد منّا ارتكب خطيئة في حقّ هذا البلد، إن بالفعل أو باللافعل، وإن بالكلام أو بالصمت، ولن يكون خلاص ما لم نعترف بذلك فيحمل بعد ذلك كلّ واحد من اللبنانيّين والعرب أولاده، كما فعلتِ مع أولادك الأربعة، ويأتي بهم إلى لبنان ويجعلهم يكتشفون الجمالات التي فيه، ويعلّمهم كيف تكون محبّة الأرض والوفاء للإنسان.
وإلاّ فسنبكي معًا على أطلال يزورها السائحون ويلتقطون الصور أمام حجارتها الصمّاء، وعند ذلك لن يكون هنالك ثمار أو أشجار.

الجمعة، 23 أكتوبر 2009

حكاية الشجرة التي اختفت من إطار نافذتي

منطقة قبّ الياس - لبنان
في اليوم الخامس عشر من نيسان من العام 2009، اختفت شجرة الكينا التي لم تخرج للحظة واحدة من إطار نافذتي الشماليّة. شجرة عتيقة عتيقة كأنّها مغروسة في ذلك الحقل منذ تكوين العالم، عالمي أنا ربّما، ولكن ليس هذا هو المهمّ، المهمّ هو أنّها اختفت.
كانت إلى صباح ذلك اليوم لا تزال تلوّح لي بأعالي أغصانها من فوق حيطان المبنى الذي أخذ يرتفع بيني وبينها، ومع ساعات النهار الأولى، كان العمّال النشيطون قد رفعوا الحاجز الخشبيّ استعدادًا لتدفّق كميّات هائلة من الباطون، ستقف من الآن وصاعدًا سورًا منيعًا بيني وبين شجرتي الكبيرة العتيقة.
الغريب في أمر علاقتي بهذه الشجرة أنّني لم أسع يومًا للاقتراب منها، أو لاكتشاف الأرض حيث زرعت، أو لمعرفة لمن تعود ملكيّتها، كنت مطمئنّة إلى وجودها عالية شامخة خضراء وارفة، تملأ نافذة غرفتي من بعيد بشكلها الذي لم تصغّر حجمه المسافة، فبقيت كبيرة وعالية تلوّح لي وألوح معها...إلى أن كان ذلك اليوم.
الستائر المسدلة طوال النهار والليل على النافذة منذ بدئ العمل في المبنى الحديث، كانت تدفعني للاطمئنان عنها خلسة عن الأعين، غير أنّني في ذلك اليوم رفعت الستائر، لأنّ الجدار الحاجب ساتر أمين يردّ أعين العمّال عن الغرف المواجهة لهم ويمنع عينيّ عن الاستمتاع بمنظر الشجرة، ورصد حركة الهواء وتراقص أغصانها مع إيقاعه المتغيّر المتجدّد.
عندما كان الناس قديمًا يبنون بيوتًا كنّا نقول لهم: الله يعمّر معكم. وكان الجيران يساعدون في العمل في ما كنّا نسمّيه يوم "العونة"، وكانت النعاج تذبح يوم صبّ السقف ليأكل الجميع من ذبيحة البناء، لأنّ البيت الجديد يعني أنّ ثمّة عائلة جديدة ستضاف إلى سجّل العائلات، و"نيّال البيت اللي بيطلع منّو بيت".
أعترف أنّني أجد صعوبة في تهنئة أصحاب الأرض بالمبنى الجديد الذي أقيم على أنقاض ذكريات الطفولة والمراهقة والشباب، خصوصًا أنّ صاحب الأرض لن يقيم فيه بل بيعت شقق المبنى قبل أن يبدأ العمّال بحفر الأساس ووضع الدعائم. صاحب الأرض لا ذكريات له في الأرض، هو ورثها عن والده الذي ورثها عن والده، غير أنّه لم يعتن بها حين صارت له، ثمّ قطع أشجارها ونقل تربتها وأقام فيها بناء على الطراز الحديث اشترى شققه مغتربون وسائحون يأتون مرّة في السنة ثمّ يتركون المبنى جدرانًا واقفة تحجب عنّي رؤية شجرة الكينا في الجهة المقابلة. فكيف أفرح لصاحب الأرض ببنائه الجديد وهو لم يبنه ليقيم فيه بل ليتاجر بالتراب الذي مشى عليه والده وجدّه، وبالبيوت التي تشبه الفنادق؟ "نيّال البيت اللي بيطلع منّو بيت"، غير أنّ البيوت التي "تطلع" اليوم تشبه كلّ شيء إلاّ البيوت: فلا عائلة تجتمع فيها، ولا حفلات تقام على شرفاتها، ولا ضيوف يقرعون الباب زائرين، ولا صبحيّات نسائيّة تروى فيها حكايات أقرب إلى الخيال. بيوت اليوم: غرفة نوم وحمّام ومطبخ للوجبة سريعة، أي كلّ ما له علاقة بقضاء الحاجات البدائيّة الأساسيّة.
ومن أجل سرير وحمّام ووجبة طعام على عجل، خسرت أنا منظر الشجرة وربح صاحب الأرض الملايين من الدولارات.
قبل أسابيع من الانتخابات النيابيّة في لبنان، قرّرت مجموعة من النساء في إحدى البلدات معارضة أزواجهنّ وعدم انتخاب مرشّح كان باع منزل والديه وليس عنده مكان يستقبل فيه الزائرين. قالت النساء إنّ الذي باع بيت أجداده وأرض آبائه لن يتردّد في بيع البلدة ومصالح الوطن، ولذلك لن ننتخبه ولو كان من العائلة.
غير أنّني أجزم بأنّ المرشّح سيصل إلى المجلس النيابيّ، وبأنّ يومًا قريبًا سيأتي وتُقطع فيه الشجرة التي لم أعد أراها لأنّ صاحب تلك الأرض سيبيع كذلك أرضه لترتفع بناية جديدة يقيم فيها عابرون في أزمنة التجارة.

الخميس، 22 أكتوبر 2009

كنت أعرف




كنت دائمًا أعرف أنّ أهمّ درس على الإنسان أن يتعلّمه هو متى ينسحب من قضيّة أو علاقة أو معركة أو سهرة أو موعد أو شهرة أو عمل.
معك، تأكّدت أنّ هذا الدرس سيجنّبني الكثير من الآلام، ويحميني من كثير من الجراح.
معك، تأكّدت أنّ الانسحاب هو الهدف الوحيد الذي عليّ أن أنظر إليه منذ اليوم الأوّل للقائي بك.
لأنّني كنت أعرف!
منذ اليوم الأوّل عرفت بأنّك لن ترى سواك، ولن تعجب بسواك، ولن تحبّ سواك.
منذ اليوم الأوّل عرفت بأنّك لا تستمع إلاّ إلى أقوالك ولا تضحك إلاّ لأخبارك الطريفة، ولا تدمع عيناك إلاّ إذا تذكّرت من جعلك تتألّم برحيله.
منذ اليوم الأوّل عرفت بأنّ كرمك استعراض، وذكاءك استعلاء، ومحبّتك استثمار.
منذ اليوم الأوّل عرفت بأنّك تخطّط لتكون محبوب الجماهير، وتخطّط لتكون أنيقًا، وتخطّط لتكون مثقّفًا، وتخطّط لتكون نجمًا.
منذ اليوم الأوّل عرفت بأنّك تتغذّى من دماء ضحاياك، وتنمو بأفكار تابعيك، وتكبر بعلاقات لا تدوم إلاّ بقدر "داعي العمل" وتنتهي بـ"داعي السفر" أو الضجر.
لم يكن اليوم الأوّل يومًا واحدًا، كان أيّامًا / محطّات أكتشف عند كلّ منها أنّني فعلاً كنت أعرف، وأنّني حاولت ألاّ أعرف، وأنّني تمنّيت لو لم أكن أعرف.
كنت واضحًا كالشمس ولكنّك مثلها تبهر من يتحدّى إشعاعاتك وتعمي من يحدّق إليك وتحرق من يحاول أن يقبض عليك في راحة يده.
كنت جارفًا كنهر شتائيّ ولكنّك مثله تتخطّى السدود التي لا تلائم خطّ سيرك، وتتسلّل إلى حيث تجد ثغرة، تدفّقك يروي الأرض... أو يغرقها.
كنت صادقًا كمجرم يتباهى أمام ضحيّته الجديدة بجرائمه التي لم تكتشفها العدالة.
وكانت حجّتك القويّة أنّ ضميرك مرتاح، وحاولت دائمًا أن أذكّرك بأنّ كلّ الذين نفذّوا أحكام الإعدام كانت ضمائرهم مرتاحة لأنّهم كانوا ينفّذون الأوامر ويقومون بالواجب، وأنّ كلّ الذين قتلوا في الحروب وقصفوا ودمرّوا وشوّهوا وخطفوا كانت ضمائرهم مرتاحة لأنّهم كانوا يدافعون عن القضيّة، وكلّ الذين صرفوا الموظّفين من أعمالهم كانت ضمائرهم مرتاحة لأنّهم أرادوا إنقاذ المؤسّسة وليس الذنب ذنبهم إن كان الثمن خراب بعض البيوت وتشريد بعض العائلات.


غالبًا ما تحاول النساء العاشقات أن يدخلن تغيّرات ما على شخصيّات الرجال المعشوقين. ولكنّي لم أقع في هذا الفخّ! لم أدّع أنّني بطلة في "مهمّة مستحيلة" أو أنّني "المرأة الخارقة" التي لا يعصى عليها رجل، أو أنّني قدّيسة أجترح الأعاجيب وأتحدّى طبيعة الإنسان والعلاقات. لا! لم أفعل! لأنّني كنت أعرف منذ اللقاء الأوّل أنّك لن تتغيّر إلاّ إذا صبّ التغيير في مصلحة طموحك، ولن تصير إنسانًا آخر إلاّ إذا اعتبرت أنّ الإنسان الآخر يستحقّ عشقك له أكثر من الذي كان موجودًا، ولن تدخل أيّ تعديلات على شخصيّتك إلاّ إذا تمّ ذلك تحت الأضواء وأمام عيون الجماهير وعلى خشبة في مسرح يتّسع لملايين المعجبين والمريدين والأتباع والمؤمنين.
كنت أعرف، لا لأنّني أشدّ ذكاء من سواي، بل لأنّني أحببت أكثر من سواي، ومن يحبّ يعرف أكثر وقبل كلّ الناس.

الأربعاء، 21 أكتوبر 2009

من ليس له يطلب منه


نكاد نقتنع، نحن الفقراء، بأنّنا مسؤولون عن التلوّث والأمراض والأوبئة ومشاكل البيئة والتكاثر السكانيّ والقضاء على الثروات الطبيعيّة واستهلاك مواردها التي باتت شحيحة.
فوسائل الإعلام مثلاً لا تتوقّف عن دعوتنا إلى عدم الهدر في المياه والكهرباء والتخفيف من تلويث البيئة، ولكن إذا أحصينا كميّة المياه التي تستهلكها عائلة فقيرة نجد أنّها لا تشكّل نقطة في مسبح عائلة ثريّة، وإذا راقبنا دلو المياه الذي يأخذ منه الفقير ما يكفيه للاستحمام نجد أنّ الكميّة المستهلكة لا تكاد تكفي كي يغسل طفل ثريّ أسنانه. وإذا حسبنا كميّة الملابس التي تحتاج إلى غسل وأوعية الطعام التي يجب أن تجلى الأوساخ عنها لوجدنا أنّ الفقراء لا يملكون الكثير من الثياب ويخشون إن غسلوها بكثرة أن تهترئ ويخسروها، وهم يلحسون صحونهم حتّى آخر حبّة رزّ فلا يهدرون إذًا الكثير من المياه. ومع ذلك فمطلوب منهم أن يقتصدوا عند الاغتسال والتنظيف كي يستطيع أحد الأثرياء أن يفتح رشّاش الدوش على جسمه ليزيل التشنّج عن كتفيه وعطور النساء عن جسده.
وعلى الفقير الذي يملك لمبة واحدة أن يطفئها وينام باكرًا، لكي تستطيع إحدى سيّدات المجتمع أن تضيء الثريّات الكريستال في صالونها الفخم خلال سهرة فنيّة تجمع نخبة من أهل البلد. وهو طلب منطقيّ إذ يقول المثل عندنا: نام بكّير وقوم بكّير وشوف الصحّة كيف بتصير، والعتمة تسمح للفقير بتأمّل القمر والنجوم ما يدفعه لكتابة الشعر الذي سيستمتع الثريّ بقراءته.
وعليه أن يرتدي ملابس مصنوعة من النايلون والبوليستر ويترك القطن الصحيّ والحرير الطبيعيّ النادر للثريّ، وعليه أن يأكل من مستوعبات النفايات ويبتلع الفضلات لكي يساعد في التخفيف من التلوّث بدل أن تبنى مصانع لإعادة تدوير النفايات.
صحيح أنّ الأثرياء هم الذين يملكون الآلات التي تلوّث الطبيعة وتساهم في توسيع ثقب الأوزون ورفع حرارة الأرض، ولكنّهم لا يفعلون ذلك إلاّ مرغمين وتحت وطأة ظروف قاهرة وفي سبيل المصلحة العامّة.
وبما أنّ الفقراء أكثر بكثير من الأغنياء من الطبيعيّ أن يستهلكوا كميّة أكبر من الهواء، ولذلك يتمّ الآن إعداد حملة إعلانيّة ضخمة تهدف إلى تنبيه الفقراء إلى مخاطر أنانيتهم وتوجيههم إلى ضرورة المساهمة في حلّ مشكلة الأرض، وذلك بالطلب منهم أن يمتنعوا عن عمليّة الشهيق، والاكتفاء حاليًّا بالزفير لأنّهم يسحبون الأوكسجين من أمام أنوف الأثرياء.
ولكن المشكلة معنا نحن الفقراء ليس لها حلّ، فإن طلب منّا إطفاء المصابيح أنجبنا الأطفال أي المزيد من الفقراء، وإن طلب منّا التوقّف عن الشهيق متنا ولن يجد الأغنياء من يخدمهم. ولذلك سيبقى الفقر المشكلة التي تؤرق الأغنياء. وربّما هنا نتساوى.

الشعر لغة الإنسان الأولى



     عند اللحظة الأولى للولادة نلتقي بالشعر. كلمات بسيطة مفعمة بالمشاعر وممزوجة بموسيقاها الداخليّة الناعمة تصل إلينا ما أن نأخذ النفس الأوّل ونطلق الصوت الأوّل لا بل قبل ذلك بكثير، أي عند لحظة التكوّن. نعم، عند هذه اللحظة بالذات تبدأ علاقتنا بالشعر ونمضي حياتنا كلّها ونحن نبحث عنه في كلّ ما يحيط بنا: في وجوهنا ووجوه من حولنا، في مأكلنا، في ملابسنا، في أثاث بيتنا، في لقاءاتنا بالناس، في خلوتنا مع أنفسنا، في صلواتنا، في الأفلام التي نشاهدها، في الأغنيات التي نسمعها، في الغيوم والبحر والشمس والحبّ والموت وكلّ شأن من شؤون الحياة.
     ولذلك فالشعر هو الذي يبقى.
*****
     في مكتباتنا الخاصّة نحتفظ بأعداد كبيرة من الكتب، وحين يخطر على بالنا أن نتخلّص من بعضها بسبب ضيق المكان ولنفسح المجال لسواها، لن نفكّر في التخلّي عن ديوان شعر. وحين نفكّر في إعادة قراءة كتاب، لن تطال يدنا إلى كتاب شعر.
    الدراسات والأبحاث؟ نعود إليها لعمل ما، لإثبات رأي، لتحليل قضيّة، للتفتيش عن معلومة. أمّا الشعر فأمر آخر.
    الروايات؟ نادرًا ما نعيد قراءة رواية، لأنّنا متى وصلنا إلى النهاية، تنطفئ الدهشة أو تخفت، إلاّ في الروايات ذات النَفس الشعري. فنحن نعود إذًا إلى الشعر لا إلى النثر، ولذلك فالشعر أمر آخر.
    التاريخ، الجغرافيا، العلوم، الفنون، كلّها موجودة في الشعر، ومن دون الشعر لا قيمة لها.
******
     الفيلم الأميركيّ  Contactمن بطولة جودي فوستر، قدّم تحيّة للشعر من خلال إظهار عجز العلم عن التعامل مع الجميل والغامض والساحر. ففي الفيلم الذي شاهدته عشرات المرّات بسبب تحيّته للشعر، تكون البطلة عالمة تبحث عن حياة خارج هذا الكوكب، وعندما أقنعت حكومات الدول بأنّ مخلوقات من كوكب آخر اتّصلت بها، جرى إعداد مركبة لرحلة استكشاف بهدف التأكّد من وجود هذه الكائنات. وحين تصل العالمة إلى حيث من المفترض أن يكون "العالم الآخر" وأمام جمال ما رأت، تمتمت في دهشة: كان يجب أن يرسلوا شاعرًا ليصف لهم ما أرى.
    فالشعر بمعنى آخر قادر على التعبير عمّا تعجز عنه أيّ لغة تعبيريّة أخرى.
******
    لا خلاص لنا إلّا بالشعر. لا حياة لنا إلّا في الشعر. ولذلك يجب أن نحتفل، كما كان العرب يفعلون قديمًا، عندما نكتشف بيننا شاعرًا، أو من يتذوّق الشعر. ولكنّنا عوض ذلك نحتار كيف نهاجمه أو نسخر منه أو ننتقده بشكل لاذع لا يصحّح مسيرة ولا يقوّم أسلوبًا. ففي عصر الصورة غير الشعريّة، بل الفجّة الوقحة المباشرة النثريّة، رائع أن نجد بين الشباب من يرغب في الشعر. رائع أن يكون ثمّة إنسان يؤمن بالكلمة وقدرتها وسحرها وجمالها، ويحاول مرّة بعد مرّة بعد مرّة أن يعبّر بواسطتها عمّا يشعر به ويفكّر فيه. فالشعر ليس الطريق السهل والمناسب للوصول إلى الشهرة أو تحصيل المال أو استلام السلطة، ومع ذلك اختاره أحدهم، وفي هذا العصر بالذات، ليكون وسيلته للتعبير، لا بل راح إلى أبعد من ذلك، ودعانا كلّنا إلى الاحتفال معه بخطوته الأولى على درب الشعر، الشعر نفسه الذي تكوّن مع كلّ واحد منّا لحظة كنّا. ومع ذلك لم نلبّ الدعوة، ولم نقرأ ما كتبه، أو سخرنا ممّا كتبه.
    صحيح أنّ النقد البنّاء والعلميّ ضروريّ ومطلوب ولا تستقيم الحركة الشعريّة من دونه، وصحيح أنّ رفوف المكتبات مثقلة بملايين الكتب التي لا تجد من يقرأها، وصحيح أن ليس كلّ ما يكتب يستحقّ أن يحمل صفة الشعر ولن ينال جوائز، ومع ذلك، أجد نفسي حاليًّا منحازة إلى الكتابة والشعر مهما كان المستوى وكيفما كانت اللغة وأيّا تكن القيمة الأدبيّة. فلن يخلو ديوان من جملة شعريّة، ولن يعجز أحدهم عن تحقيق أعجوبة القصيدة، فلذلك دعوا الجميع يكتبون الشعر فذلك أفضل مرّة من الخطب السياسيّة، والاقتتال المذهبيّ، والصراع الطائفيّ، والحوار الإيديولوجيّ، والمناظرات الفكريّة. دعوا الجميع يقولون الشعر ويتذوّقونه لأنّهم بلا شكّ سيصيرون بشرًا حقيقيّين يعرفون الجمال والسلام.
     فيا أيّها النقّاد في الصفحات الثقافيّة احتفلوا مع الشعراء ولو بجملة واحدة قبل أن يقضي علينا نثر هذه الحياة.

الاثنين، 19 أكتوبر 2009

ومن يعنيه أمر التاريخ؟



ما رأيكم في هذه العبارات: التاريخ لن يرحم هذا الزعيم، التاريخ سينصف ذلك القائد، التاريخ سيسجّل لفلان مواقفه المشرّفة، وعلى فلان مواقفه المشينة...وما إلى ذلك من كلام يختلط فيه الترغيب بالترهيب؟ بربّكم، هل هناك حقًّا من يعبأ بأمر التاريخ، ومتى فعل ذاك الزعيم ما يريده، ومتى نفّذ ذلك القائد ما في رأسه، فهل سيعنيهما فعلاً ما سيسجّله التاريخ لهما أو عليهما؟
ها هو تاريخ البشريّة أمامنا، نقرأه ونضع علامات الاستفهام حول ما ورد فيه، وننتظر كلّ يوم مفاجأة جديدة قد تنسف كلّ "الحقائق" التي كانت من المسلّمات غير القابلة للجدال. وإذا كان التاريخ المعروف يحمل كلّ هذه الهشاشة، فكيف بما غاب عنّا ممّا جرى منذ بداية العالم؟ لا شكّ في أنّنا عرفنا شيئًا وغابت عنّا أشياء، وبالتالي فثمّة الكثير الكثير ممّا لا نعرفه، وما نعرفه لا نثق في صحّته. ومع ذلك يخيف بعضنا البعض الآخر من التاريخ، التاريخ نفسه الذي يكتبه المنتصرون ويمحوه المنتصرون.
ولذلك ففي لبنان لا يوجد كتاب للتاريخ، إذ إنّ قاعدة لا غالب ولا مغلوب جعلت من المستحيل كتابة تاريخ واحد يُجمع عليه كلّ الأفرقاء، ولذلك كان المخرج اللائق هو عدم كتابة تاريخ لم يتمّ الاتفاق على أصوله وفروعه وأبطاله وشهدائه وجغرافيّته. ولذلك قلنا لأولي الأمر (عبر صحيفة النهار اللبنانيّة): يا جماعة دعونا نكتب التاريخ المتّفق عليه: تاريخ العلم والفلسفة والفنّ التشكيليّ والغناء والمسرح والشعر والزجل والتلفزيون والعمارة والزراعة والصناعة والأزياء والرقص والفولكلور والرياضة، غير أنّ الجماعة خافوا من أن تصل القراءات المختلفة لتاريخنا إلى هذا الجانب الإبداعيّ فتزرع فيه الأحقاد والضغائن فتجاهلوا النداء واستمرّ تلاميذنا على جهلهم، يعرفون كلّ ما تبدعه المخيّلة الأجنبيّة من حسنات وسيّئات وتغيب عنهم تمامًا قدرات أبناء بلدهم الفكريّة والفنيّة والعلميّة.
ومن المخيف أن تكون ذاكرة الحرب عندنا هي الأكثر نشاطًا على صعيد التأريخ، فالآباء ينقلون لأولادهم تجاربهم وحروبهم وبطولاتهم وأحقادهم ويغذّون فيهم العنف والغضب والرغبة في الانتقام والثأر، ما يجعلنا نخشى الدوران من جديد في حلقة من الحروب لا نعرف متى تنتهي. ولذلك وعلى الرغم من عمل دؤوب تقوم به الجمعيّات الأهليّة في المجتمع المدنيّ من أجل محو آثار الحرب نشعر بأنّ جمرًا ملتهبًا يختبئ تحت رماد الهدوء الإقليميّ الحذر، وكلّ خشيتنا من أن تهبّ العاصفة من جديد لتضيف فصلاً جديدًا إلى فصول معاناتنا.
ومن المؤكّد أن لا أحد من زعمائنا سيخاف عند ذلك من التاريخ الذي يقال إنّه لا يرحم، لأنّه سيكون مشغولاً بمخاوف أكثر واقعيّة.

الأحد، 18 أكتوبر 2009

وهم الحريّة


عندما لا تكون حرًّا تعرف أنّك لست حرًّا وتسعى جاهدًا كي تنال هذه الحريّة. وفي أغلب الأحيان ستموت قبل أن تحقّق غايتك، أو تقتل لأنّك تكاد تقترب من تحقيق حلمك.
مع اقتراب ذكرى اغتيال جبران تويني، يعود إليّ موضوع الحريّة، في الكتابة وسائر وسائل التعبير، ليضعني أمّام حيرة صغيرتيه غابريلاّ وناديا حين تكبران وتتساءلان إن كان الأمر يستحقّ أن يتركهما والدهما الشاب قبل أن تتعرّفا عليه، لماذا؟ لأنّه أراد تسجيل موقف بالدم بعدما وضع عنوانه العريض بالحبر.
هل ذهب جبران ضحيّة الحريّة التي نظنّ، نحن الذين نكتب على اختلاف مستوياتنا وصحفنا وأنواعنا الأدبيّة، أنّ فيها خلاصنا ومستقبلنا؟ أم ضحيّة وهم الحريّة وسرابها المخادع في صحراء عقلنا العربيّ؟ من المعروف طبيًّا وعلميًّا أنّ مرضى الوهم يعانون من العوارض الجسديّة والنفسيّة نفسها التي يعاني منها المصاب بالمرض فعلاً. ولذلك نحن مصابون بوهم الحريّة الخطير والمعدي والسريع الانتقال. فنحن، ولأنّنا نظنّ أننا أحرار: نكتب ونعشق ونسافر ونعمل ونتزوّج وننجب، معتقدين في قرارة نفوسنا أنّ كلّ هذا الذي نفعله إنّما نفعله بإرادتنا ولم يمله أحد علينا. ولو كنّا نعرف أنّنا لسنا أحرارًا لما عذّبنا أنفسنا بفعل أيّ عمل أو نشاط لأنّنا في عمق وجداننا نعرف أنّ العبد "لا يحسن الكرّ والفرّ، بل الحلب والصرّ" على ما قاله عنترة بن شدّاد العبسيّ عن نفسه قبل أن تحتاج القبيلة إلى شجاعته وتهبه الحريّة من دون أن تسمح له بممارستها حيث يريد ومع من يريد.
أيّة كذبة خطيرة تلك التي يجعلونك تصدّقها وتنادي بها وتعمل من أجلها؟ وبماذا أنت حر؟ ومتى كنت أيّها القارئ من طبقة الأحرار، وأيّ عمل أنجزته وكنت فعلاّ فيه حرًّا لا تخضع لقانون الجاذبيّة أو أوامر الطبيب، أو تعليمات المسؤول عنك أو تقلّبات السوق والمصارف أو حرارة الطقس أو رغبات الجسد من جوع وتعب وشوق ورغبة؟ ولا مرّة. هل تعلم لماذا؟ لأنّك تخاف.
نعم فالخوف هو عدو الحريّة الوحيد. الخوف من الموت يجعلك أسير الدواء، والخوف من القتل يبقيك أسير المنزل، والخوف من الفقر يفرض عليك أن تكون أسيرًا لعبوديّة العمل، والخوف من الوحدة يجبرك على أن تكون أسير الآخرين، والخوف على من تحبّ يحبس الكلمات في قلبك فتعجز عن قول الحقيقة، والخوف من السلطة يجعلك عبدًا لكلمات التبجيل.
ما من أحد منّا حرّ. على الأقلّ ليس في هذا العالم!
ما من أحد منّا حرّ. ولكنّنا جميعنا مصابون بوهم الحريّة وهو مرض لا يقتلك إلاّ متى اكتشفت أنّك مصاب به.

مشاركة مميزة

فتاة تدخل ومعها تفاصيل حين نهتمّ بها، حياتنا أجمل - 5 تشرين الأوّل 1993

فتاة تدخل ومعها تفاصيل حين نهتمّ بها، حياتنا أجمل حضرة الأستاذ زاهي وهبي في الرّسالة الأولى، أردت أن ألفت انتباهك إلى بعض الأم...

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.