الاثنين، 12 يناير 2026

الأميرة العارية والشعب المتلصص



  اللايدي غوديفا Lady Godiva شخصيّة إنكليزيّة حقيقيّة عاشت في القرن الحادي عشر، وعُرفت بحبّها لأعمال الخير ومساعدة المحتاجين. وكان زوجها ليوفريك، أحد أقوى النبلاء الإنكليز في تلك المرحلة لكنّه على عكسها كان يفرض ضرائب باهظة على الناس. وكانت هي تلحّ عليه كي يخفّف الأعباء عن شعبه. ولكي يرتاح من إصرارها طلب منها أن تخرج عارية على حصانها وتعبر شوارع المدينة كي ينفّذ طلبها. وهذا ما فعلته. فوافق على تخفيض الضرائب.

يُقال إنّ شخصيّتَي اللايدي وزوجها حقيقيتان، لكن طلب الزوج منها أن تخرج عارية غير صحيح تاريخيًّا. وأنّ هذه الأسطورة ظهرت في مرحلة تعود إلى ما بعد وفاة الأميرة بكثير. ولكن ما يعطي الأسطورة أهميّة إضافيّة هو تصرّف الناس حيال هذا الأمر. هنا تنقسم الآراء فالبعض يروي أنّها هي التي فرضت على الناس أن يلزموا بيوتهم ويسدلوا الستائر، في حين رأى آخرون أنّ الناس حين عرفوا بشرط الأمير عليها وأنّ ما تفعله هو من أجلهم، انسحبوا إلى بيوتهم وأخلوا الشوارع ولم ينظروا إليها احترامًا له وتقديرًا لما تفعله من أجلهم.
وفي سنة 1897، رسم الفنّان جون كوليير اللوحة التي تمثّل مرور الأميرة التي أسدلت شعرها الطويل على جسمها في محاولة لستره عن العيون.
في بيروت، وفي الليلة التي تفصل بين العامين 2025 و 2026، خلع شابّ متحوّل ثيابه في أحد مطاعم بيروت، لا حبًّا بعمل الخير، ولا من أجل تخفيف الضرائب وردّ ودائع الناس، ولكن فقط من أجل ممارسة حريّته/ها. وفي المقابل كانت الأعين المتلصّصة تلتقط المشهد بجوع شديد، وكاميرات التلفونات توزّعها في لبنان وأنحاء العالم.
كانت الشراهة بادية في عيون المتفرّجين، والابتسامات تعبّر عن فرحِ مَن وجد كنزًا. في حين كان العريّ المتمثّل بجسد حائر يقف متحديًّا واثق الخطوة.
السؤال عن تصرّف الشاب المتحوّل مشروع، لكنّ الأسئلة عن رغبة الناس في رؤية الحدث مشرّع على كثير من الاحتمالات، أبسطها مخيف.
أوّلًا، لقد ساهمت وسائل التواصل الاجتماعيّ في تعويد أعيننا على مشاهد متنوّعة: أشلاء جثث وعارضات أزياء، دماء ودمار ثمّ بيوت فاخرة لفنّانات وفنّانين، رُضَّع بين النفايات وأولاد الأثرياء على مدرّجات التزلّج... تناقضات كثيرة لا تثير أيّ تساؤل. إذ يدوم تأثير الصورة لدقائق معدودات قبل أن تحذفها صورة أخرى تثير ضجّة لا تغيّر نظامًا ولا تحدث فرقًا.
ثانيًا، الجسد سلعة إن تعرّى ولوحة إعلانات إن ارتدى لأكبر مصمّمي الأزياء. هكذا ينظر الناس إلى العراة، وهكذا ينظرون إلى مرتدي آخر صيحات الموضة. أمّا أجساد المرضى والمعوّقين والمقرورين من البرد فنلتفت إليها بين وقت وآخر، وفي زمن الأعياد بشكل خاصّ.
ثالثًا: لعلّنا مدعوون إلى دراسة ظاهرة التلصص فينا كلّنا، فنحن أيضًا نتعرّى حين نكتب، ونتعرّى حين ننشر صورنا بأوضاع مثيرة، وإذا كانت الكتابة تقرّبنا من دواخل الناس لنفهمهم ونفهم أنفسنا، فعمّ نبحث حين ننشر صورنا أو ننظر إلى صور تقترب من العري ولا جمال فيها؟

ليست هناك تعليقات:

مشاركة مميزة

فتاة تدخل ومعها تفاصيل حين نهتمّ بها، حياتنا أجمل - 5 تشرين الأوّل 1993

فتاة تدخل ومعها تفاصيل حين نهتمّ بها، حياتنا أجمل حضرة الأستاذ زاهي وهبي في الرّسالة الأولى، أردت أن ألفت انتباهك إلى بعض الأم...

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.