الجمعة، 11 سبتمبر 2009

الطيّب صالح وجائزة النبل العربيّة



يوم آخر، ورحيل آخر. كأنّ الشعراء والروائيّين تواعدوا على الرحيل معًا، شبّانًا وشيوخًا، إلى آفاق جديدة وعوالم أكثر جمالاً وأكثر سعادة وأكثر حريّة. في كلّ يوم نعي، وبعدما كانت القبائل العربيّة قديمًا تحتفل ببروز شاعر بين أفرادها، ها نحن نندب كلّ يوم شاعرًا أو روائيًّا أو فنّانًا من غير أن يكون عندنا كبير ثقة في أنّ الذين سيأتون بعدهم سيملأون هذه الفراغات الهائلة.
غير أنّي أريد اليوم أن أنظر إلى موت الطيب صالح من زاوية أخرى. فهذا الروائيّ السودانيّ الذي تعرّفت إلى رواياته منذ أن كنت على مقاعد الدراسة، يدفعني اليوم إلى تقديم التحيّة إلى هذه اللغة العربيّة الجميلة التي جمعتني أنا اللبنانيّة المسيحيّة المارونيّة بذلك الكاتب السودانيّ المسلم، على الرغم من فارق العمر واختلاف التجربة. وحين أنظر إلى الأمر من هذه الناحية، أكتشف أنّ ذلك، بمعزل عن الشعور بالأسى تجاه كلّ موت، رائع وغريب ولامحدود. ففي ذاكرتي الآن مثلاً وعلى سبيل المثال لا الحصر وفي خليط من الموتى والأحياء والأفارقة والأسيويّين والرجال والنساء: نجيب محفوظ من مصر، وغسّان كنفاني من فلسطين، ومحمد شكري من المغرب، وتوفيق يوسف عوّاد من لبنان، وحنّا مينا من سوريا، وأحلام مستغانمي من الجزائر، وغازي عبد الرحمن القصيبي من السعودية، وليلى العثمان من الكويت، وغيرهم وغيرهنّ من الأسماء التي لا مجال لحصرها. هذا في الرواية. ثمّ يقفز من الماضي شعراء البوادي والحواضر من مختلف العصور، ليتكلّموا معي باللغة نفسها فيجيبهم شعراء مخضرمون ومعاصرون من مختلف المدارس والتيّارات والاتّجاهات والانتماءات، فضلاً عن الدارسين والفقهاء والمؤرّخين وعلماء الاجتماع والرحّالة والفلاسفة، ومع ذلك ننتظر كلّنا أن يُمنح واحد منهم جائزة نوبل للآداب من دول أجنبيّة. أليست مفارقة كبرى – معيب أنّها صارت تقليديّة في بلادنا – أن تتجاهل السودان الطيّب صالح خلال حياته وتمنع روايته الأكثر شهرة ثمّ تطالب بأن يدفن في أرضها وأن يقام له مأتم رسميّ فيها؟
لماذا ننتظر التكريم من الغرب، وفي الغرب كثر يرفضون الجوائز، أأدبيّة كانت أم فنيّة، معتبرين أنّها تمنح لغايات سياسيّة وأهداف خاصّة ومصالح تخدم بعض الدول؟ وما الذي يمنع العرب عن إنشاء جائزة تفوق في قيمتها الماديّة وفي أبعادها المعنويّة جائزة نوبل؟ فلا المال ينقصهم، ولا أصحاب الكفاءات والمواهب، فإلامَ يبقى شعراؤنا وأدباؤنا على لوائح الانتظار يقدّمون الطلب تلو الطلب لتتكرّم عليهم لجنة منح الجوائز بواحدة؟
في المقالات التي حيّت الطيّب صالح بعد وفاته تأكيد على أنّ روايته "موسم الهجرة إلى الشمال" التي أسسّت لشهرته اعتبرت عام 2002 من أفضل مئة رواية في التاريخ الإنسانيّ وفق قرار اتّخذه مئة من كبّار الكتّاب الذين ينتمون إلى 54 دولة، وعلى أنّه فيها سبق سواه في الحديث عن صراع الحضارات وأنّه فضّل الحياة على الكتابة فكان إنتاجه قليلاً بالنسبة إلى عمره المديد ومع ذلك ترك أثره في الأدب والحياة بسبب إبداعه وشخصيّته. ويؤكّد رعيل الأدباء الذين كانوا مقرّبين منه على نبله وأخلاقه وحسّه الفكاهيّ وانسجامه مع مبادئه وأفكاره وعروبته وإسلامه من دون أن يتقوقع على ذاته أو يرفض الآخر أو يخشى القراءة النقديّة للدين والتاريخ والمجتمع. ومحاضراته ومقالاته وأحاديثه الصحافيّة التي تسمح لنا نحن القرّاء بأن نستكشف ذلك، تؤكّد على هذا المنحى الفكريّ الشموليّ الذي طبع أدبه من دون أن ينسيه جذوره أو يبعده عنها.
غير أنّ السؤال الذي يخطر الآن على البال ليس عن جائزة نوبل وحرمان العرب منها لولا الاستثناء المصريّ الذي يثبت القاعدة، بل إن كان ثمّة أدباء آخرون في السودان لا علم لي بهم، وعند هذا السؤال يبدو موت الطيّب صالح أكثر إثارة للحزن والأسى!

الخميس، 10 سبتمبر 2009

أيّها الشعراء! توقّفوا عن هذا الموت السخيف (إلى بسّام حجّار)


بسّام حجّار


لم يعد الشعراء العرب يموتون من الحبّ، وتوقّفوا عن الموت في ساحات القتال، وما عاد بيت من الشعر يقتلهم ولا كتاب جريء يوصلهم إلى النهاية المحتومة، صاروا يموتون من القرف من الحياة، لا بل صاروا يستسلمون لموت بطيء يتسلّل إلى خلاياهم ويأكلها خلية تلو خلية قبل أن يوصلهم جلدًا وعظمًا إلى باب القبر.
منذ يومين، حين انضمّ الشاعر اللبنانيّ المثقّف بسّام حجّار إلى قافلة الشعراء الموتى، قلت في نفسي لن أكتب عنه، ولن أنضمّ إلى سلسلة الندّابين الذين يجدون في موت أحدهم مادة لكتابة مقالة تنتظرها الصحيفة. غير أنّ غضبًا ما جعلني أتراجع عن قراري، وأفهمني أنّ سواي من الذين يكتبون إنّما فعلوا ذلك وفيهم ما فيّ من النقمة على هذا الموت السخيف الذي لا يستحقّه الشعراء، لا لأنّهم أفضل من غيرهم أو أعلى مرتبة أو أكثر قيمة في سلّم الإنسانيّة، بل لأنّهم يموتون كلّ يوم مليون مرّة كما سبق وقلت عن منصور الرحباني حين مات موته الأخير.
وبطريقة أو أخرى، كلّ الناس شعراء، وخصوصًا الأطفال.
ضاقت رفوف مكتبتي بقصاصات الصحف التي تودّع الشعراء، وها أنا في مرحلة الذاكرة الإلكترونيّة أترك فسحات لما يقال في رثاء من يرحل منهم في عصر ما بعد الورقة والقلم. وبين غبار المكتبة وبياض الشاشة صارت أعداد الذين هناك تفوق أعداد الذين هنا، ومالت كفّة الشعر إلى حيث لا صراع طويلاً مع المرض ولا خوف على الحريّة ولا موت يحصد الأطفال. في كلّ مرّة يصل إليّ خبر موت أحدهم أقول في نفسي: مات قصدًا. لم يعد يريد الصراع من أجل البقاء، ولا احتمال بشاعات هذا العالم، ولا السعي لتحصيل الرزق، ولا مقاومة السلطة، ولا تلقّي العلاج، ولا متابعة الأخبار، ولا محاولة إصلاح هذا الكون، ولا تحمّل السخفاء وثقيلي الظلّ، ولا الاستماع إلى خطابات السياسيّين وما يليها من إطلاق رصاص ابتهاجًا بكلّ هذا الموت.
أنا لم أعرف بسّام حجّار معرفة شخصيّة كما لم أعرف سواه من الشعراء، أنا أعرف ما كتبوه وما ترجموه وما أضافوه إليّ. لقد كنت دائمة الحرص على الابتعاد عنهم خشية أن تخدش نزعةٌ إنسانيّة فيهم، طبيعيّةٌ هي، الشعرَ (أو ما يصبّ فيه) الذي تعاملت معه كأنّه من عالم آخر: نظيف، وسامٍ، وهشّ، ورقيق، وجميل، وأنيق، وذكيّ، ومحبّ، وبريء. وكانت بعض التجارب القليلة كافية لتطلق صفّارة الإنذار لتنبهّني إلى أنّ القصيدة قد لا تشبه شاعرها أو أنّ الشاعر ليس نسخة طبق الأصل عن قصيدته. غير أنّي الآن أتمنّى لو التقيت بسّام حجّار، لعلّ الإنسان الذي فيه، بميوله ورغباته وأخطائه وعيوبه، خفّف من وطأة موت الشاعر المثقّف. ربّما كان تصرّف ما من تصرّفاته برّر لي موته، ربّما كان متكبّرًا، ربّما كان ثقيل الظلّ، ربّما كان أيّ أحد آخر يجعلني أضعه في خانة الذين لا يعنيني أمرهم ويموتون كلّ يوم، في كلّ مكان في العالم، وأقول في نفسي: هذه سنّة الحياة. الآن لن أعرف كيف كان بسّام حجّار الإنسان إلاّ من خلال ما كتبه عارفوه عنه، وسيبقى رحيل الشاعر الشابّ موجعًا ولن يخفّف منه أنّ شعره باق، وأنّه أغنى المكتبة العربيّة بالترجمات ذات المستوى العالي الرفيع. غير أنّني في هذه اللحظة لا يسعني سوى أن أفكّر في أهله وأصدقائه وزملائه، وأتساءل بماذا يداوون رحيله!

هل ينتقم الرجل من هيمنة فيروز على الأعمال الرحبانيّة؟



نحن، اللبنانيّين، مصابون بحالة شعريّة من الصعب أن نخرج منها في سهولة اسمها الأخوان رحباني وفيروز. قد تختلف عوارض هذه الحالة بين شخص وآخر كأن يكون الواحد منّا مصابًا بجرعة زائدة من فيروز، وآخر بهلوسة فكريّة اسمها عاصي، وثالث بميل عاطفيّ نحو منصور، إلاّ أنّنا في النهاية رحبانيّو الهوى والانتماء.
غير أنّ ذلك لا يمنع بعضنا من دراسة هذه الحالة وتحليلها في عمق ومنطق بعيدين عن الهوس الذي يرافق إعجاب المراهقين بنجوم الغناء. فإذا كانت المدرسة الرحبانيّة فكريّة جماليّة فلا يجوز أن نتعامل معها بغير هذا الأسلوب، أي أن ندرس نتاجها انطلاقًا من هاتين الناحيتين الفكريّة والجماليّة. وليس غريبًا أن نجد عددًا كبيرًا من الدراسات والأطروحات الجامعيّة عالج الإنتاج الشعريّ والمسرحيّ الرحبانيّ، ولا بدّ من أن يزداد ذلك مع دخول فنّهما المناهج الدراسيّة.
منذ انفصال فيروز عن عاصي، وابتعادها عن مسرح الأخوين، بدأت الشخصيّات الرجاليّة إذا جاز التعبير تعمل على فرض نفسها بعدما كانت الشخصيّة النسائيّة الوحيدة (فيروز) هي المهيمنة على مختلف الأعمال. لذلك رأينا في الأعمال "الما بعد فيروزية" اتجاهًا إلى البحث عن الرجل/البطل، وإلى جانبه شخصيّات نسائيّة متغيّرة، ولكن من دون نجوميّة حصريّة لواحدة معيّنة. ولذلك مرّت هدى (شقيقة فيروز) ورونزا وكارول سماحة ولطيفة التونسيّة وستمرّ هبة طوجي بطلة مسرحيّة "عودة الفينيق"، من دون أن تكون لواحدة منهنّ الهيمنة التي كانت لفيروز. ولم يستطع غسّان صليبا، مهما حاولنا أن نكون منصفين معه، أن يتحوّل النجم الساطع في أعمال منصور الرحباني وأولاده، كأنّ المطلوب منه أن يتقاسم البطولة مع سواه من الممثّلين والمطربين فكان أنطوان كرباج ورفيق علي أحمد ودخل على الخطّ حاليًا دريد لحّام وجورج خبّاز في فيلم "سيلينا" ليسيطروا بخبرتهم العالية على حضور ميريام فارس الذي تطرح حوله علامات استفهام كثيرة.
حين مات نصري شمس الدين ووضع نعشه على سطح سيّارة تاكسي حملته من الشام حيث كان يعمل خلال الحرب اللبنانيّة، وقطعت به المعابر والحواجز لتوصله من دون احتفال أو حشود إلى مدافن قريته، كانت ذاكرتنا تستعيد شخصيّة الأمير فخر الدين المعني الكبير التي خلّدها بأدائه وصوته الرائعين في مسرحيّة تحمل اسم الأمير. ولعلّها المرّة الوحيدة التي شعر فيها نصري شمس الدين بأنّ حقّه كفنّان أعطي له، ليعود بعد ذلك ليجبر على الانسحاب إلى أدوار أقلّ أهميّة، وإن كنت أؤمن شخصيًّا بأنّ الدور ولو صغر حجمه يبقى لافتًا إن قدّم في براعة واحتراف. المهمّ في هذا المجال أنّ الأخوين رحباني لم يكتبا نصًّا آخر لبطولة رجاليّة لتبقى فيروز سيّدة مسرحياتهما وأفلامهما، وفي هذا المجال يؤكّد الدكتور نبيل أبو مراد في كتابه" الأخوان رحباني: حياة ومسرح" على أنّ "المسرح الرحبانيّ هو مسرح فيروز بالدرجة الأولى، فحولها تمحورت الأحداث والأفكار والمواقف". فهل أتى الوقت الذي فيه تنتقم الشخصيّات الرجاليّة منها وتستعيد حقّها المسلوب؟ الأحاديث التي أدلى بها الممثّلون في الأعمال الرحبانيّة التي قدّمت بعد ابتعاد فيروز توحي بأنّ الأدوار التي يقدّمونها ما كانت لتأخذ حقّها من الاهتمام لو كانت فيروز موجودة، وفي هذا الإطار نضع كلام الفنّان دريد لحّام في كلامه على دور الشحّاذ في فيلم "سيلينا" إذ يقول إنّ الشحّاذ هو فيلسوف المدينة وكان يتمنّى أن يؤدّيه. وعن هذه الشخصيّة يقول المفكّر فوّاز طرابلسي في كتابه: "فيروز والرحابنة:مسرح الغريب والكنز والأعجوبة": "ويبقى الشحّاذ وهو الأكثر تمثيلاً للرسالة الرحبانيّة في هذه المسرحيّة. إنّه مجسّد الحلم. هو متفوّق على الملك وحرّ أكثر منه، لأنّه يملك ما لا يملكه الملك: الحلم. لهذا السبب يرفض أن يكون ملكًا". ولكنّ السؤال الذي يخطر على بالي:هل كان دريد لحّام سيؤدّي هذا الدور لو كانت فيروز هي البطلة؟

الأربعاء، 9 سبتمبر 2009

الكاتب المجهول خلف سواه


Kramskoy 1885
بورتريه الفيلسوف فلاديمير سولوفيوف


في أماكن كثيرة من العالم، لا يتحرّج رؤساء الدول والقادة من الإعلان عن أعضاء فريق العمل الذين يساعدونهم في العمل الإداريّ وينصحونهم ويديرون نشاطاتهم السياسيّة. لا بل من السهل جدًّا أن نعرف من يقف وراء هذه الخطّة الاقتصاديّة لذاك الرئيس، ومن رسم الخطوط العريضة للحملة الانتخابيّة لذلك المرشّح، ولا يعتبر الأمر من الأسرار التي لا يكشف عنها إلاّ مع مرور الزمن.
زعماؤنا لا يحبّون ذلك، ولا يعلنون عنه في شفافيّة ووضوح، ولن يغيّر رأيي في الموضوع مواقفهم. غير أنّني لا أستطيع إلاّ أن أحترم أولئك الذين يرضون بالبقاء خلف الكواليس، خصوصًا أولئك الذين كتبوا خطابات سجّلها التاريخ، وحفظها الناس، وتناقلتها الأقلام، ومع ذلك قبلوا أن تغيب أسماؤهم، ويحصد سواهم التصفيق، لا بل يشاركون في التصفيق والإعجاب من دون أن يقولوا أنّهم أصحاب هذه الكلمات ومطلقو هذه الشعارات. من الطبيعيّ أن نردّ على هذا الكلام قائلين إنّ كتابة الخطب وظيفة كسواها من الوظائف يتقاضى من يعمل فيها راتبه كأيّ موظّف آخر. هذا كلام صحيح، غير أنّني أعترف بأنّني لا أرى الكتابة كفعل إبداع وظيفة كسواها، وأعجز عن إقناع نفسي بأنّ هذه الكلمات التي تنال الإعجاب وتوصل قارئها إلى مناصب رفيعة وتدخل كتب الأدب والتاريخ مجهولة الكاتب ولا نعرف شيئًا عمّن حبّرها في صمت وتنازل عنها في مقابل أجر.
خلال الحملة الانتخابيّة الأميركيّة الأخيرة، تمتّ الإشارة أكثر من مرّة إلى من يكتب خطب المرشّحين، لا بل تحدّثت وسائل الإعلام عن أنّ الرئيس الأميركيّ السابق جورج بوش سمح لكاتب خطبه بكتابة خطب المرشّحة لمنصب نائب الرئيس سارة بايلن. ولم يجد أحد في الأمر ما يدعو إلى إحراج الرئيس أو المرشّحة، بل بدا الأمر طبيعيًّا كالإعلان عن اسم أيّ موظّف آخر. ولا يخفى أنّ كاتب (أو كاتبة) هذا النوع من الخطب يحتاج إلى كثير من الدراسة والمعلومات وملاءمة النصّ لواقع الحال والانصياع لرغبة الشخصيّة التي يكتب لها ومراعاة خصوصيّتها لكي يأتي النصّ على قدر كبير من المصداقيّة تجعل الجماهير مقتنعة به. وهذا جهد مضاعف يقوم به الكاتب ويتطلّب الكثير من الوقت وملاحقة التطوّرات ومواكبة الأحداث والبقاء في حال من التأهّب لتلبية نداء الواجب. ولا يستطيع أيّ زعيم مهما بلغ مستوى علمه وثقافته أن يحيط بكلّ هذه الأمور، أو أن يجد لها الوقت الكافي. وثمّة رؤساء معدودون في العالم كانوا شعراء أو صحافيّين وكانوا قادرين على كتابة خطبهم من دون مساعدة، إلاّ أنّ المواعيد والارتباطات ما كانت لتسمح لهم بالتفرّغ لتدبيج نصوص في مختلف المناسبات. صحيح أنّ لصاحب السلطة الحقّ في أن يحذف أو يعدّل أو يضع الخطوط العريضة لما يريد قوله، إلاّ أنّ الأمر يحتاج إلى فريق عمل خبير بنفسيّات الجماهير التي يتوجّه إليها الخطاب، وهي قد تتغيّر بين منطقة وأخرى أو بين حيّ وحيّ وبين يوم وآخر. وهذا ما لا يستطيع شخص واحد مهما بلغ شأنه أن يقوم به.
فإلى هؤلاء الجنود المجهولين، الذين عبروا في ليل السياسة وبين خيطان السلطة المتشابكة، وبقيت كتاباتهم ونصوصهم وخطبهم خالدة بتواقيع سواهم، ألف تحيّة، وسؤال واحد لا أنتظر جوابًا عليه: كيف تنازلتم عن أفكاركم وكلماتكم وخصوصًا لمن بدا واضحًا أنّه لا يعرف شيئًا عن مضمونها وأحيانًا لا يحسن قراءتها ولا يفهم أبعادها؟

الاثنين، 7 سبتمبر 2009

مذيعات الربط ما بين الصورة والصوت



ثمّة وظائف يعجز العقل عن فهم أهميّتها ودورها وما تقدّمه للمجتمع، وربط البرامج التلفزيونيّة واحدة منها، فأنا لم أستطع حتّى اليوم أن أفهم الإصرار عند بعض المؤسّسات الإعلاميّة على توظيف فتيات يربطن البرامج ببعضها ولا شيء غير ذلك.
أوّلاً، لماذا الإصرار على أن يكون من سيخبرك بما ستشاهده لاحقًا صبيّة لا شابًا؟ فإذا كانت الوظيفة تهدف إلى الإعلان عن برنامج ما فما المانع من أن يفعل شاب ذلك؟ ثانيًا، ماذا يفيدني كمشاهدة أن تطلّ صبيّة حسناء لتطلب منّي أن أبقى برفقة هذه المحطّة وأنا أصلاً أشاهد هذه المحطّة، ولو كنت أشاهد سواها لما سمعتها ورأيتها؟ ثالثًا، هل يصغي أحد فعلاً للعبارات المستعادة آلاف المرّات والتي تحاول مذيعة الربط أن توحي إليك بأنّها ألّفتها للتوّ، وهل قاس أحد مستوى السخف في هذه العبارات؟ فالمحطّات الغربيّة ذات الخبرة والاحتراف تخلّت عن هذه الوظيفة، واكتفت بصوت يقول لك في شكل مباشر ما هو البرنامج التالي، من دون عواطف أو كلمات شكر. أمّا عندنا فيتمّ تسجيل مشاهد الربط وكلماته، مع ما يعني ذلك من مراقبة أزياء وتسريحة شعر وزينة وجه وديكور ملائم للمناسبات، وادّعاء تأليف عبارات جديدة لمناسبات تستعاد كلّ سنة، وكلمات ممجوجة تنتقل من محطّة إلى أخرى ومن سنة إلى أخرى وهي لا تحمل أيّ جديد أو مبتكر. وإذا حاولت المذيعة أن تطعّم أسلوبها بمنوّعات تبعد الرتابة، كانت النتيجة ادّعاء في غير محله ووقته، أو خليطًا عجيبًا من أفعال الأمر ونظرات الإغراء وابتسامات التواطؤ، في غياب الثقافة (لا الشهادات) والنظرة الذكيّة.
أمّا في المناسبات الرسميّة وخصوصًا المأساويّة منها والتي تستدعي مقالاً يناسب المقام، فتبدو المذيعة حائرة: فهي لا تستطيع إلاّ أن تبتسم وأن تبدو مشرقة وسعيدة ومتفائلة، وعليها في الوقت نفسه أن تقول كلامًا لا يلائم الصورة، فيبدو المشهد غاية في السخف والاستهتار بالعمل الإعلاميّ. فضلاً عن ذلك، لا تنسى مذيعة الربط أن تذكّرنا كلّ ليلة، وخصوصًا قبل نشرات الأخبار، بأنّ فريق العمل في المحطّة حضّر لنا مجموعة من التحقيقات والأخبار ونحن مدعوون للاستماع إليها وتقدير جهود المراسلين المنتشرين في كلّ أنحاء العالم لكي ينقلوا إلينا الخبر الأكيد وتحرص على شكرنا "على حسن المتابعة". وحين نسأل عمّن يكتب هذه العبارات الساذجة يأتي الجواب أنّ الأمر يختلف بين محطّة وأخرى، ففي بعضها المذيعات هنّ اللواتي يؤلّفن ما سيقلنه، وفي غيرها هناك من يراقب ويدقّق، وفي الحالين، تمرّ مذيعة الربط بين برنامجين لتسمح لنا باستراحة نقضي فيها حاجة قبل أن نعود لنستقرّ أمام الشاشة الصغيرة.
من بين مذيعات الربط اللبنانيّات الرائدات اللواتي أعطين هذه الوظيفة أبعادًا فنيّة وثقافيّة وجماليّة وانطلقت بعضها إلى مجالات أوسع، تفرض الإعلاميّة "كابي لطيف" نفسها على ذاكرتي وهي تنقلنا من برنامج إلى آخر حين كانت إحدى نجمات تلفزيون لبنان السعيد الذكر. فقد استطاعت هذه السيّدة في بداية حياتها المهنيّة أن تجعل هذه الوظيفة البسيطة فسحة للتنوّع والابتكار، حتّى أنّنا كنّا ننتظر إطلالتها لكي نعرف ماذا ستقول فضلاً عن فضولنا لرؤية الشكل الأنيق الذي كان يتجدّد مع كلّ إطلالة. وهذا ما سمح لها لاحقًا بالانطلاق في المجال الإعلاميّ عربيًّا وعالميًّا عبر إذاعة "مونتي كارلو"، فحصدت الكثير من الجوائز تقديرًا لكفاءتها وتميّزها. أمّا الآن، فأجد صعوبة في تذكّر وجوه مذيعات الربط، كما أعجز عن ربطهنّ بالمحطّات التي فيها يعملن، فكأنّهنّ مستنسخات من خلية واحدة. وهذا يعني أنّ أداء الوظيفة، أيّ وظيفة، هو ما يجعلها ذات مستوى وصاحبة دور أكان هذا الدور ترفيهيًّا أو تثقيفيًّا، وليس هذا ما نراه على شاشاتنا، إذ لا صوت ينقلنا إلى عالم الفكر ولا إطلالة تعلق في البال.

الأحد، 6 سبتمبر 2009

لغة الندب




لغة الندب والرثاء هي اللغة التي نستعملها في أحلامنا. هي لغة الثكالى التي لا تبحث عن صور جديدة ولا تفكّر ولا تتفلسف ولا تدّعي ولا تمثّل ولا تخترع كلمات. هي لغة لا يعنيها إن سجّلها التاريخ أو احتفلت بها محافل الأدب والمتأدّبين، هي لغة متفلّتة من كلّ رقابة، مجنونة، باكية، متفجّعة، بسيطة، عفويّة، متسائلة، حيرى، منفعلة، مندفعة. لا تحمل معجمًا، ولا تعرف قواعد المشهد، ولا تعرف إلاّ نفسها ومأساتها وأسئلتها.
وعن الأطفال الذين قصفت أعمارَهم الطريّة حروبُ الكبار هذه الحكاية/ الأغنية/ المرثيّة التي لا تصلح حتمًا لما قبل النوم ولا تشبه في أيّ حال ما قد تقوله أمّ ثكلى لو أطاعتها الكلمات:
"ما عادوا عَمْ يلعبوا
قدّام البواب
تفرفطوا متل ورقة ورد
يبست بهوني كتاب:
الزْغار ماتوا
ومِشْ رح يصيروا كبار.
لبسوا حرام الدفا
وتلفلفوا وراحوا
بالبرد شو بيحلا الغفا
بس هِنْ ما ارتاحوا
عم يندهوا وين الوفا
وباب العمر
كيف ضاع مفتاحو.
الزغار عن جدّ سرّبوا وماتوا
غلّوا بقلب الأرض وتخبّوا
جوّات حالن ع السكت فاتوا
وحزن الدني بعيونهن عبّوا.
عن جَدّ نزلت دموعن
عن جدّ احترقت وجوهن
عن جدّ دابت لعبهن
وبردت شموعن.
مش رح يصيروا كبار
مش رح يتعلّموا
مش رح يعشقوا
ومرّات رح يتألّموا
مش رح يجيبوا ولاد
ولا ينطروا الْعياد.
مش للحرب الولاد
للغنا
للرقص
لَشَوفةْ حال،
للغنج
للشيطنة
لَشغلة بال
انِبعدوا عن البيت
وطوّلوا المشوار،
للعب
والضحكة
وتَ يسألوا
ميّة سؤال،
وت يكبروا
ويختيروا،
مش ت يفلّوا
وبعدن كتير زغار
مش ت يموتوا
وما يصيروا كبار".

دروس الاقتصاد في امتحان التغيرات الاقتصاديّة



مساكين تلاميذ المدارس وطلاّب الجامعات الذين يملأون رؤوسهم معلومات اقتصاديّة صارت بين لحظة وأخرى من التراث والتاريخ وعبر الماضي. ومساكين لأنّهم مجبرون، وعلى الرغم من التغيّرات العالميّة في الأنظمة الماليّة، على التصرّف كأنّ شيئًا لم يكن. فما كتب قد كتب، وما من مجال الآن لتغيير المناهج، وبالتالي سيتقدّم هؤلاء المساكين لامتحانات صوريّة يعرف المعلّمون والتلاميذ على حدّ سواء أنّ ما يكتب في كراريسها وأوراقها لا قيمة علميّة له ولا يعبّر عن واقع الحال.
وهكذا نضع يدنا على قضيّة خطيرة في التعليم والتربية إذ نكتشف عجز المناهج في بلادنا عن مواكبة التغيّرات والتطوّرات والاختراعات والأبحاث، فتبدو الكتب كلّها كتب تاريخ تحكي عن أمور انقضت ولم يعد معمولاً بها في العالم، ولكن قوانين بلداننا التربويّة لم تستطع أن تواكبها. فقبل أن يدخل درس جديد أو يحذف آخر قديم هناك مراحل وخطوات لا بدّ منها: أوّلاً يجب أن يعلم القيّمون على التربية في بلداننا بما استجدّ على الصعيد العلميّ، وليس هذا بالأمر البسيط كما قد يظنّ بعضكم، فدون ذلك ملفّات عالقة منذ سنين وتحتاج رعاية خاصّة لا تسمح بمتابعة المستجدّات ساعة بعد ساعة. ثمّ هناك مشاورات واجتماعات وأفعال وردود أفعال وتغيّرات حكوميّة وموازنة تنتظر التصديق عليها، واستشارات يتدخّل فيها رجال الدين ورجال العلم ونساء رجال الدين ونساء رجال العلم، إلى أن تعطى الأوامر أخيرًا بتعديل هذا المنهج في تلك المادة.
هنا تبدأ مرحلة تأليف اللجان بعد تقرير إلى أيّ خطّ سياسيّ أو فكريّ أو دينيّ ينتمي أعضاؤها، ثمّ تصل مرحلة اعتكاف اللجان عن عملها بسبب تأخّر وصول الرواتب، ثمّ تعود اللجان لتجتمع وتدرس وتقرّر وتنال الموافقة على مقرّراتها. غير أنّ سجالاً يدور بين القيّمين على أمور التربية حول ما إذا كان للجان دور استشاريّ أو تنفيذيّ. وبعد أن يحسم الجدل، تصدر الأوامر السامية بتعديل المناهج.
في هذا الوقت يتابع التلاميذ دروسهم كالمعتاد. يدخلون إلى الصفّ عندما يقرع الجرس، يصل المعلّم، يشرح الدرس وهو غير مقتنع بكلمة واحدة ممّا يقوله، في حين ترنو عيناه إلى الباب لعلّ الناظر يصل ليخبره بأنّ الدولة قررت أخيرًا حذف هذا الدرس من المنهج. وحين يخيب أمله ساعة بعد ساعة، وحصّة بعد حصة، يكتشف أنّ السنة الدراسيّة مرّت، وأنّ التلاميذ مجبرون على التقدّم لامتحانات يعرفون جيّدًا أنّ ما سيكتب فيها لا يشبه الحقائق في شيء. ومع ذلك، على المصحّحين واللجان الفاحصة أن تحاسبهم بدقّة إن أعلنوا الحقائق التي تعلّموها عبر التلفزيون أو الإنترنت، أو التي سمعوها من آبائهم مدراء الشركات والمصارف. فليس كلّ ما يعلم يقال، وخصوصًا إذا كان ما يُعلم لا يتلاءم مع الدرس الذي حفظه المعلّم غيبًا، وعلى التلاميذ أن يردّدوه خلفه كالببغاوات، وأن يثنوا على نظريات كانت مسيطرة على النظام الاقتصاديّ المنهار الذي جرف مع انهياره أمان عائلات لن يُعرف عددها في وقت قريب.
ونعجب بعد ذلك، لماذا يكره تلاميذنا المدارس ويفضّلون عليها شبكة الإنترنت وبرامج التلفزيون وأفلام السينما. فإيقاع التربية الممل لا يتلاءم مع السرعة التي تجري فيها الأمور خارج الصفّ. و لا يعني ذلك في طبيعة الحال اللحاق الأعمى بقطار التطوّر السريع من دون تبصّر أو تمحيص، ولكن يجب أن تكون خلايا وزارات التربية كخلايا النحل: نشاط ومتابعة وتجديد وسعي واستباق المواسم قبل أن يموت الزهر ونخسر الرحيق فلا نذوق العسل.

مشاهدات من عالم الصحافة



تخضع الكتابة في الصحف لما هو أصعب من مزاج الكاتب نفسه، فثمّة أمزجة كثيرة تتحكّم بعمليّة النشر تصل أحيانًا إلى درجة من العبثيّة والفوضى والضبابيّة تضع النصّ في مهبّ عواصف لا ترصدها نشرات الطقس أو توقّعات الفلك.
لا تزال بعض حكايات عملي "الصحافيّ" في أكثر من مجلّة وصحيفة عالقة في ذاكرتي، على الرغم من مرور نحو عشرين سنة على نشر النصّ الأوّل، وما سيروى هنا هو بعض مشاهدات تعبّر عن القلق الذي يولد فيه النصّ ويكتب وينشر أو يرفض! سياسة الصحيفة حاجز أوّل كثيرًا ما توقّفت عنده لأسأل نفسي إن كان ما كتبته يلائم الاتجاه السياسيّ (وبالتالي الدينيّ والاجتماعيّ والفكريّ) الذي تسلكه هذه الصحيفة في هذه المرحلة المعيّنة، إذ قد تتغيّر السياسة في مرحلة لاحقة، أو تتناقض مع مرحلة سابقة. ولذلك كان عليّ أن أرصد يوميًّا ميول أصحاب القرار قبل أن أقرّر إرسال النصّ. الحاجز الثاني هو الشخص المسؤول عن القسم الذي سينشر فيه النصّ، فقد يتجاهله أو يضيّعه أو يسرق فكرته أو يؤجّله إلى ما بعد مرور مناسبته أو يقرّر أنّه دون المستوى المطلوب أو لا ينسجم مع النصوص السابقة، وكلّ ذلك في إطار من الرفض المهذّب الذي يستعمل أساليب التهرّب أو المماطلة أو التسويف أو التأجيل، وعند هذا الحاجز قال لي أحد "القياديّين" في إحدى الصحف اللبنانيّة وهو يعتذر عن عدم نشر النصّ: اتّصلي بي قبل أن تكتبي وقولي لي ما هي فكرة النصّ وأنا أقول لك إن كانت تصلح للكتابة عنها أو لا، لئلاّ تضيّعي الوقت من دون جدوى. طبعًا لم يعجبه جوابي حين قلت له: وماذا إذا سُرقت الفكرة؟ لم تغب عنه صيغة المجهول التي طرحت فيها السؤال وانتهى اللقاء، غير أنّ هذا الشاعر القياديّ نشر لي نصًّا باسم مستعار أرسلته كاختبار بعد ذلك اللقاء اليتيم وأعطاه الفسحة التي لم أكن أحلم فيها، وكتب فكرة نصّي المرفوض بتوقيعه. الحاجز الثالث هو الأنانيّة التي تصيب المسؤول عن مصير النصّ إذ يخشى أن تبهت في وجهه كتابات أخرى له أو لسواه، فليس من المسلّمات الطبيعيّة اليوميّة أن نجد في عالم الإبداع من يحتفي بالنصّ إذا لم يكن هو كاتبه أو يفسح له المجال لإثبات نفسه وقيمته. وإذا كانت النزعة النرجسيّة مقبولة عند الكاتب فهي مرفوضة عند المسؤول عن الصفحات الثقافيّة أو سواها لأنّ دوره الرياديّ يقضي بالإضاءة على المواهب والترحيب بالإبداع والاحتفال بالموهبة. الحاجز الرابع هو قيمة النصّ الماديّة أي كيف يتمّ تقييم النصّ في سلّم الرواتب والمكافآت، إذ هناك صحف تقول لك: عليك أن تدفع كي ننشر ما تكتبه، فنحن نقدّم لك مساحة للتعبير وفرصة للشهرة. وعند هذا القول عليك أنت أن تقرّر ما إذا كنت من أنصار الفنّ للفنّ أو الفنّ من أجل الخبز.
ومع ذلك بقيت أكتب وأرسل إلى الصحف وبقيت المفاجآت غير المفهومة موجودة، فأحيانًا كنت أتوقّع ألاّ ينشر لي نصّ ما لمعرفتي المسبقة بطبيعته الفجّة القاسية اللئيمة، ثمّ أجده أمامي على صفحات الجريدة بكامل فجاجته وقسوته ولؤمه، ومرّات أتوقّع أن يمرّ النصّ مرور الكرام ولا يلفت انتباه أحد فإذا بي أتلقّى رسائل الإعجاب، وقد يحدث العكس فأرسل نصًا أفتخر فيه وأنتظر أن يكون حديث النقّاد والناس غير انّه ينطفئ في غفلة من الجميع. لست وحدي إذَا من يتحكّم بمصير النصّ، فالكتابة بمزاجي الخاصّ شيء ونشر النصّ بحسب نظرة المسؤولين عن الصحيفة شيء آخر، وتلقّيه بحسب مزاج الناس شيء ثالث مختلف تمامًا. ومع ذلك، عاهدت نفسي طيلة عملي في الصحافة أن أكتب بمزاجي وألاّ أسأل عن مصير النصّ، إذ كانت عندي القناعة الداخليّة أنّ النصّ إن كان فيه شيء من القيمة الأدبيّة فسيفرض نفسه عاجلاً أم آجلاً، وأنا طبعًا أتمنّى أن ينشر على عجل وقبل أن يأتي الأجل.

السبت، 5 سبتمبر 2009

يوم وقفت الدولة في حضرة الأدب


ميخائيل نعيمة الأوّل من اليسار
برفقة زملائه في مدرسة الناصرة 1903

تعود إلى ذاكرتي في شكل واضح صورة الرئيس اللبنانيّ الياس سركيس وهو يقف ليلقي كلمته في حفلة تكريم الأديب اللبنانيّ ميخائيل نعيمة في القصر الرئاسيّ. وفي اليوم التالي صدرت الصحف وهي تحمل على صدر صفحاتها الأولى ما معناه: الدولة تقف في حضرة الأدب وذلك لأنّ ميخائيل نعيمة كان على حافة أعوامه المئة وبات عاجزًا عن الوقوف طيلة المراسيم الرسميّة، فاضطرّ إلى الجلوس بينما وقفت الدولة بشخص رئيسها وأركان حكمه وقالت لناسك الشخروب: مجد صنّين أعطي لك.
لا شكّ في أنّ اعتلال صحّة نعيمة فرضت خرق البروتوكول في تلك المناسبة وأجبرت الدولة على ما لم يكن في بالها، ولكن حبّذا لو تقوم الدولة، أيّ دولة، بالوقوف دائمًا في حضرة الأدب وإلى جانبه لا في وجهه لعلّ في ذلك خلاصها ومنعتها وأسباب رقيّها وعنوان مجدها. ومع ذلك، أخشى اقتراب المفكّرين والأدباء من أركان السلطة لأنّني أخشى من تسلّط الدولة عليهم وبالتالي على إبداعهم. غير أنّ لوثة السلطة والمراكز السياسيّة تصيب بعض المبدعين وتنقلهم من جهة المراقبة والنقد والتحليل والتوجيه إلى مرحلة المسايرة والمصانعة والمداهنة والتزلّف، وعند ذلك سيموت الإبداع فيهم وسيخسرون أنفسهم بقدر ما يخسرهم الفكر، أو سيدفعون حياتهم ثمنًا إن عارضوا الاتجاه السياسيّ لدولهم كما حدث خلال العصور العربيّة كافّة، ولعلّ ابن المقفّع مثال واضح على جدليّة العلاقة بين السلطة والمثقّف. ولا شكّ في أنّ مسيرة المتنبّي الشعريّة كانت ستختلف لو أعطي الإمارة التي كان يحلم فيها، وكتابات جبران خليل جبران الثوريّة ما كانت لتحمل، ربّما، كلّ هذه الأفكار التصحيحيّة لو قبل بعرض رئيس الجمهوريّة عهدذاك صديقه أيّوب تابت وصار وزيرًا في حكومة لبنان ما قبل الاستقلال، وهذا العرض على ما يقول الدارسون هو الذي جعل جبران يكتب نصّ: لكم لبنانكم ولي لبنانيّ. ولا شكّ في أنّ تجربة طه حسين مع وزارة المعارف لم تكن على مستوى طموحه الثقافيّ، وكذلك تجربة المخرج المسرحيّ ريمون جبارة في عمله الإداريّ في تلفزيون لبنان وهي خير دليل على ما يواجهه الإبداع حين يغرق في مستنقعات السياسة والأعمال المكتبيّة، وما "الفالج" الذي أصيب به هذا المخرج وجعله شبه عاجز عن تحريك نصف جسمه إلاّ البرهان، على ما يروي جبارة، عن الضريبة التي دفعها بسبب اقترابه من ذوي السلطة والشأن الذين غلّبوا مصالحهم الشخصيّة ورغبات أزلامهم على الهمّ الثقافيّ الذي كان هاجسه. هذا من دون أن ننسى تجربة الشاعر محمود درويش ومعاناة المفكّر إدوار سعيد مع أداء السلطة الفلسطينيّة. وليس المجال هنا لدراسة واقع الحال في الدول العربيّة كلّها، وعبر العصور، ولكنّ واقع الأمور يثبت أنّ المثقّف الذي نأى بنفسه عن الانصياع لرغبات المتسلّطين، ولو في الحدّ الأدنى المتاح، بقي عبر التاريخ شاهدًا على نقاء الفكر وبقائه.
تحتاج الدولة إلى المبدع من دون أن تجعله بوقًا لها، وعليها واجب الاهتمام به من دون أن تحوّله موظّفًا حكوميًّا، وفي الوقت نفسه، على المبدع أن يترك مسافة بينه وبين السلطة، فلا يغضّ النظر عن سياستها ولا يجعلها وليّة أمره ولا يرهن إبداعه في متاجر ألاعيبها ومؤامراتها. فللسياسة متغيّرات ومصالح وأهداف، وللإبداع قيم ومثاليّة وثوابت. ولكن ليس هذا ما يحدث في عالمنا العربيّ، فإغراءات السلطة أقوى من أن يرفضها بعض المثقّفين الطامحين إلى دور قياديّ ولو حاولوا إقناع أنفسهم والمعجبين بهم بأنّهم إنّما إلى التوجيه والإصلاح يسعون. لو وعى المثقّفون أنّ كونهم ضمير الأمّة والصوت الصارخ المحقّ أكثرُ فائدة بما لا يقاس من تحوّلهم يد الحكّام المنفّذة أو كتبة خطبهم البليغة، نعم، لو وعوا ذلك فعلاً لا قولاً لكانت أمّتنا على غير ما هي عليه اليوم.

من مصلحة العرب أن يحافظوا على طبيعة لبنان



يوم واحد في صيفيّات بحمدون أو عاليه يكفي كي يكتشف الواحد منّا أنّ ما يأتي أكثر الخليجيّين من أجله إلى لبنان ليس ما نظنّ أنّهم قادمون من أجله، أو على الأقلّ ليس ما كنت أظنّ أنّهم يأتون من أجله.
كنت أظنّ أنّ الخليجيّ يأتي إلى لبنان كي يستمتع بالطبيعة الخضراء، ومناظر الوديان والجبال والهواء البارد والضباب المتسلّل من النوافذ والأبواب، غير أنّني رأيت الخليجيّين ينامون إلى ما بعد الغروب، ثم يخرجون إلى المقاهي والمطاعم، فيجلسون على الشرفات المطلّة على الشارع حيث يتسكّع المتنزّهون، أو يقبعون أمام شاشات الإنترنت للثرثرة واللعب، وعند منتصف الليل أو بعده بقليل تبدأ السهرة مع المطربة والمطرب اللذين يحييان حفلة تمتدّ إلى ما بعد طلوع الضوء. ولا يجلس إلى جهة الجبل أو الوادي إلاّ من أراد الاختلاء بمن معه بعيدًا عن الأعين، وليس لتأمّل مناظر الطبيعة. نعم، كنت أظنّ أنّ الخليجيّ يأتي إلى لبنان من أجل الاصطياف ثمّ تبيّن لي أنّ الكثيرين منهم يأتون من أجل أطياف بشريّة فنيّة ووهم حريّة.
لا حاجة للقول طبعًا أنّ هذا الكلام العامّ في عناوينه يترك لحسن الحظّ حيّزًا كبيرًا لاستثناءات تطال كلا الجانبين: الخليجيّ واللبنانيّ. ولكن ما نتحدّث عنه هنا هو الجوّ السائد في مناطق الاصطياف التي، ومن نِعَم الصيف الآمن عليها، تعرف في شهري تمّوز وآب الكهرباء والماء والإسفلت والحركة التي فيها بركة لأصحاب البيوت والمطاعم والمتاجر.
ولكن من مصلحة العرب أن يحافظوا على طبيعة لبنان. هذا ما أفكّر فيه كلّ مرّة أكتشف قصرًا قيد الإنشاء أو فيلاّ في طريق الإنجاز أو بناء من طبقات شاسعة صار جاهزًا للسكن. فهذه المساحات الشاسعة التي أزيلت منها الأشجار والنباتات والأزهار البريّة التي تعطي لبنان طابعه المميّز، وهواءه النقيّ (في الجبال طبعًا)، ومناظره الساكنة ماذا سيبقى منها إذا تحوّلت مدنًا عابقة بنكهات الأراكيل في المقاهي، وملوّثة بأصوات تدّعي الطرب والفنّ، ومدروزة بالقصور التي يزورها أصحابها خلال شهر واحد وتخلو من الحياة خلال باقي أشهر السنة؟ طبعًا لا يملك العربيّ القادم إلى لبنان مخطّطًا مسبقًا يريد تنفيذه لتشويه لبنان، وهو حين يعهد بأمر البناء لشركة مقاولات أو مكتب هندسيّ إنّما يفعل ذلك واثقًا من أنّه سيجد مع حلول الصيف منزل أحلامه، ومصيف العائلة المتكامل. ولكن بات على العربيّ المستثمر في لبنان أن يوضح لمن يضع بين أيديهم مسؤوليّة تنفيذ حلمه أنّه أتى إلى لبنان لا بسبب طرقاته المزدحمة ونظام سيره "الفوضويّ"، ولا لأنّ طريق الجبال خطرة بسبب شاحنات النقل الخارجيّ، ولا بسبب التقنين في الكهرباء والماء (لولا بعض حياء يجعلهم يفعلون ذلك خلال فترة قبل الظهر حين يكون السائح نائمًا)، ولا بسبب الغلاء أو الوضع الأمنيّ القلق، بل بسبب طبيعة لبنان المختلفة عمّا يحيط بها في العالم العربيّ. ولذلك يجب أن يكون الحفاظ على الحدّ الأدنى من مساحة الأرض الخضراء عوض القصور والشقق والمسابح مطلبًا عربيًّا أوّل في غياب أيّ تشريع لبنانيّ ينظّم هذه الأمور. ولن ينتظر أحد من مهندس، ألبنانيًّا كان أو غير لبنانيّ، أن يفكّر في حلول وطنيّة بيئية مستقبليّة في حين أنّه قادر على جني أرباح طائلة من مشروع لا يشرف عليه أصحابه.
ويوم تتغيّر طبيعة لبنان، وتنخفض الجبال وترتفع الحرارة، وتختفي الأشجار وتظهر الصحراء، فلن تكون هذه القصور إلاّ حجارة بكماء لا تستطيع أن تشهد على أيّة حضارة، وقد تمّر عصور من غير أن تسقط قطرة مطر تملأ أحواض مسابحها الفارغة، ومن غير أن يمرّ عصفور في فضائها الأغبر، ومن غير أن نجد نبتة واحدة بين رخامها البارد.

الجمعة، 4 سبتمبر 2009

ملكات الجمال والمهمّات المستحيلة

بوتيشيللي

ملكة الجمال الفرنسيّة لعام 2009 مهدّدة بحرمانها من عرشها وتاجها ولقبها إن ثبت أنّها صوّرت إعلانًا لملابس داخليّة مثيرة. ويقول المشرفون على لجنة الانتخابات إنّ هذا العمل غير لائق ويقدّم صورة لا تتلاءم مع المطلوب ممّن تحمل هذا اللقب.
من حقّ اللجنة طبعًا أن تحافظ على القوانين وتطبيقها وعدم التساهل في ما يخصّ الصورة المشرّفة التي يجب أن تكون عليها ملكة الجمال وعدم استغلال منصبها لأهداف ماديّة تجاريّة. ولكن من حقّنا أن نتساءل: أليس من شروط المباراة أن تعرض المرشّحات جمالهنّ في لباس البحر؟ أليست الهدايا والجوائز التي تنالها الملكة ماديّة وماليّة؟ ألا تهدف المتباريات إلى البروز الإعلاميّ والإعلانيّ بغية الانتقال لاحقًا إلى مجالات أخرى وأرباح أخرى؟ أم صدّق الجميع أنّ الملكات سيحققّن وعودهنّ المستحيلة التنفيذ في إحلال السلام والعدالة ومحاربة الفقر والأميّة والحفاظ على البيئة وسوى ذلك من الخطابات الرنّانة التي تلقيها الفتيات الشابّات على مسامع جمهور يصغي إليهنّ بعينيه الجائعتين؟ من المفروض ألاّ نحمّل الأمور الترفيهيّة أكثر من حجمها، وبغض النظر عن رأي كلّ منّا في هذه المباريات، لا يجوز أن نوليها الأهميّة التي تعطى لها في كلّ أنحاء العالم، وها هي وصلت اليوم إلى الجامعات في لبنان، ولم يعد المطلوب أن يعطى إكليل الغار للعلم والمعدّل المرتفع للعلامات بل للجمال والرقص الاستعراضيّ.
حين بدأت انتخابات ملكات الجمال في لبنان انتشرت في القرى والبلدات موضة اختيار ملكات محليّات ووزّعت ألقاب على عدد أنواع الفاكهة والزهور في لبنان: ملكة جمال التفّاح، ملكة جمال الزيتون، ملكة جمال الزهور، ملكة جمال الليمون، ملكة جمال الكرز، وهكذا كانت الألقاب مرتبطة بالمواسم. الآن، نحن في عصر العلم، والعلم (نورن) لمن لا يعلم، وبالتالي يجب أن تتغيّر الألقاب: ملكات جمال الكمبيوتر، ملكة جمال التلفزيون، ملكة جمال المراهقات، ملكة جمال المدرسة، ملكة جمال الجامعة. ودخلت التلفزيونات على خطوط التنظيم والرعاية والترويج والتقديم، وقدّمت المؤسّسة اللبنانيّة للإرسال حفلة أسبوعيّة لانتخاب ملكة جمال إحدى الجامعات، في حضور العمداء والمدراء والأساتذة. ونستطيع الحكم في سهولة على المستوى الاجتماعيّ لطالبات هذه الجامعات من لباسهنّ وتصرّفاتهنّ وكلامهنّ، وبالتالي صرنا قادرين على التمييز بين الجامعات ذات المستوى العالي (جماليًّا وماديًّا)، والمتوسّط، والعاديّ. أمّا مستوى النجاح والتفوّق والشهادات فذلك ما لا مكان له على الشاشات. فالمجتهدات المتفوّقات الذكيّات والأقلّ جمالاً من سواهنّ قبعن في المنازل يراقبن زميلاتهنّ على الشاشة ويفكّرن في قرارة نفوسهنّ في أنّ أمّهاتهن سيمتن في حسرة المقارنة، فالقرد لم يعد في نظر أمّه هو الغزال كما كانت عليه الحال بل الغزال هو من يحسن غزل شباكه حول طريدة دسمة، وفي عصر الأزمات الاقتصاديّة ليس من الذكاء أن نأخذ القرد بسبب ماله، فالمال سيتبخّر وسيبقى القرد على حاله.
الإشكاليّة التي تطرحها هذه المسائل هو الخوف من الوقوع في التطرّف بسبب غياب الحسّ النقديّ والتحليل المنطقيّ. فليست الحلول الرفضيّة هي الحلّ، بل السعي إلى إقامة نوع من التوازن بين تقدير الجمال والأناقة وتقدير الإبداع والاجتهاد. فالمجتمعات تنمو بالتنوّع والتكامل، والحياة تحتاج إلى عناصر، ولو متناقضة، لتكتمل دورتها. فهل يعجز عقلنا عن إيجاد مباراة جديدة لا علاقة لها بما نستورده من العالم، تجمع بين الجمال والعلم والظرف والأخلاق؟ وهل نحتاج إلى مباريات عن الجمال ونحن كنّا السبّاقين إلى التغزّل بالجمال، وشعرُنا العربيّ، وهو سجّل تراثنا وعاداتنا، شاهد على ذلك؟ أم صرنا نستسهل النسخ الآليّ الذي عوّدنا على الخمول الذهنيّ؟

مشاركة مميزة

فتاة تدخل ومعها تفاصيل حين نهتمّ بها، حياتنا أجمل - 5 تشرين الأوّل 1993

فتاة تدخل ومعها تفاصيل حين نهتمّ بها، حياتنا أجمل حضرة الأستاذ زاهي وهبي في الرّسالة الأولى، أردت أن ألفت انتباهك إلى بعض الأم...

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.