الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الجمعة، 10 نوفمبر، 2017

فلتمطر السماء ولتهتزّ الأرض (2011)







     ضجر الكون منّا، وملّ الناس في بقاع الأرض أخبارنا، وتخلّت عنّا حكومات العالم، ولن يكون لنا خلاص إلاّ بطوفان يغرق قبحنا وعهرنا وغرورنا، أو زلزال يدمّر معابدنا وأنفاقنا وأبراجنا. لعلّ المصيبة تجمع الناجين منّا بعدما فرّقتنا الأهواء والنزعات والأطماع. الحروب جرّبناها، واتفاقات السلام أثبتت سذاجة رُعاتها والمراهنين عليها، وحكومات الوحدة الوطنيّة بيّنت كم نحن مشرذمون، فلم لا نجرّب فناءً لا يبقي ولا يذرّ، أو كارثة طبيعيّة لا نتّهم أحدًا بها، أو موتًا جماعيًّا يولد من رماد ضحاياه شعب جديد؟

     أؤمن بأنّنا صرنا نستحقّ عقاباً من هذا النوع بعدما أُعطينا الفرصة تلو الفرصة لكي لا نخسر الفردوس مرّة جديدة. إنّنا اليوم مشاريع شؤم وفساد ونتن. الأب المتحمّس لزعيمه مشروع فجيعة يتحقّق لحظة يروح ابنه ضحيّة هذه الحماسة، والأمّ المتعصّبة لمذهبها مشروع ثُكل يبدأ العمل به متى اصطاد التعصّبُ المواجه وحيدتها على قارعة الطريق، وطلاّب الجامعات مشاريع قيد التنفيذ تحويلهم قنّاصين وسفّاحين ومجرمي حرب أو مخطوفين ومعوّقين ومدمنين. وحين يتحكّم الغباء بالأبوّة، وتتغلّب القسوة على الأمومة، وتغرق صروح العلم في الجهل والتطرّف، يزول كلّ أمل وينطفئ كلّ رجاء ويحيق الموت البطيء المرعب الموجع بكلّ حيّ. عند ذلك، لا بدّ للسماء من أن تُشهر علينا بروقها، وتصرخ بنا مرعدة، وتمطرنا بمياه معموديّة تخلّصنا من شرورنا أو بنار وكبريت يأكلان آثامنا، ولا بدّ للأرض من أن تهتزّ تحت أقدامنا وتقذفنا بلهب باطنها، ثمّ تبتلعنا لتطهّر وجهها من دنس وجودنا.

     سئم منّا الجميع، ولم نسأم من التقاتل. تعب منّا الجميع ولم نتعب من الكذب والخداع والتذاكي والسرقة والقتل. استسلم العالم أمام جنون ما نحن فيه وأوصد أبوابه في وجه وقاحتنا، ولم نتوقّف عن تسوّل المناصب والثروات وجوازات السفر. فلتمطر السماء غضبًا، ولتهتزّ الأرض اشمئزازاً، قد أدّى هذا الوطن رسالته، وانتهى دوره، وصار على اللبنانيّين أن يعترفوا بأنّهم لم يستحقّوا هذه الأرض، وبأنّ الشعارات التي رفعوها في تمجيد أنفسهم والتبشير برسالة بلدهم ونشر حضارتهم صارت كلّها ذكريات جميلة تروى لأطفال يعرفون أنّ ما يسمعونه ليس إلاّ حكايات تجمع ما بين الماضي والمتخيّل ولا علاقة لها بالواقع. وما علينا الاعتراف به الآن من دون تردّد أو خجل، هو أنّ هذا البلد ليس طائرًا يطير بجناحيه المسيحيّ والمسلم، بل هو طائر يرقص رقصته الأخيرة بسبب المسيحيّ والمسلم، وهو لم يعد بلد الرسالة الحضاريّة، بل بلد الرسائل الملغومة ما بين القوى الإقليميّة، وليس صحيحًا أنّه أكبر من أن يُبلع وأصغر من أن يُقسّم فقد تقاسمته وحوش الجشع وابتلعته حيتان الطمع وانتهى الأمر. وصار من السخف أنّ نردّد أنّ اللبنانيّ ناشر فكر وعلم بعدما صار ناشر عرض وعهر، ولم يعد عندنا حروف أبجديّة نصدّرها، بعدما شوّهنا الحروف والكلمات حين مسخناها تسميات تثير السخرية والبكاء.


     لا شكّ في أنّنا ننتفض ما بين حين وآخر على تشاؤمنا، ونقرّر ألاّ نرضخ لسوداويّة واقعنا، فنقول بأنّنا في أزمة وسوف نخرج منها كما فعلنا سابقًا، وبأنّ تاريخنا يشهد على أنّنا شعب يحبّ الحياة ولا يعرف الهزيمة. ثمّ ماذا؟ وإلى متى نستمرّ في خداع أنفسنا ونحن نتوهّم أنّ الوطن الذي كنّا نعرفه لا يزال هو نفسه أو أنّنا قادرون على اجتراح أعجوبة نفض الموت عنه وبثّ الحياة فيه، الحياة اللائقة الكريمة العظيمة. نتصرّف كالمريض الذي يرفض الاعتراف بمرضه فيؤخّر علاجه واحتمال شفائه. وسنكون أشدّ الناس مكابرة إن لم نعترف بأنّ وطنًا آخر يتكوّن على حساب الوطن الذي قتلناه ونطعنه كلّ ساعة للتأكّد من أنّه لن يقوم من موته، وبأنّنا نزداد طائفيّة ومذهبيّة وتحزّبًا وتقوقعًا وحقدًا ومرارة وكرهًا وغضبًا وجهلاً وغباء ونرفض الاعتراف ولو بجزء من ذلك.

أنا شخصيًّا لم أعد أريد أن أضع اللوم على "الآخر" في ما ينتظرني في هذا البلد، أيّاً تكن هويّة هذا "الآخر". فليكن غضب السماء علينا هو سبب موتنا وليأت الطوفان الغامر على عجل؛ وليكن ضيق صدر الأرض منّا هو سبب فنائنا، وليقع الزلزال المدمّر في أسرع وقت. ولتأت النهاية على غير يد الناس ولنضع اللوم على الطبيعة، فقد تعبنا من مقاومة بعضنا وتخوين بعضنا وإلغاء بعضنا، وآن أوان الاعتراف بهزيمتنا الحضاريّة والإنسانيّة، فقد نجد سلامنا الداخليّ حين نتوقّف عن تصديق هذه القصيدة الجميلة التي اسمها لبنان، والتي حوّلها ضيقُ أفُقنا موضوع إنشاء سخيفاً يُفرض على تلامذة المدارس المنتظرين موعد الرحيل عن هذا البلد إلى غير رجعة.
***
صحيفة النهار - الثلاثاء 25 كانون الثاني 2011

هناك تعليق واحد:

وادي المعرفة يقول...

Farewell, happy fields,
Where joy forever dwells! hail, horrors! hail
كان لوسيفر كبير الملائكة وملاكاً مستنيراً قبل طرده من الفردوس..

إن ّكل فونيم(phoneme) في صرختك ينمُّ عن عقل سليم وينبض بوطنية صادقة.
واستمطار غضب السماء ، والإستقواء بالخالق العظيم هي فلسفة ماري لـ" وضع اللوم على الطبيعة" إبقاء على دم الإخوة اللبناني.
كبيرة يا مي حتى حلّ الغضب