الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الجمعة، 4 مايو، 2012

أضواء خافتة 4


Antonio Carmo

أضواء خافتة 4
صحيفة النهار - السبت 13 تشرين الأوّل 2001
***

1

في انتظار أن يتحوّل المنزل الذي عاش فيه ميخائيل نعيمة متحفًا يضمّ ذكرياته ويبوح بها لمن يزور المكان صامتًا متأمّلًا، لا بدّ من التوقّف عند وجه الأديب اللبنانيّ المنحوت في صخرة فوق مدفنه في الشخروب (بسكنتا جارة صنّين). الطريق الصاعدة هادئة إلى حيث طلب نعيمة أن يدفن، والباب المشقوق على الحياة والموت، على الحضور والغياب، والريشة التي تكتب وإن توقّفت حركتها عند لحظة معيّنة، وكلمات "ميشا" تعلن عودة صاحبها إلى الأرض التي هو منها ولها، على كلّ ذلك يشرف الوجه الذي يطلّ على الباحثين عنه، ولا يعرض نفسه مجّانًا، ليحكي – هكذا ينطق الحجر – قصّة الصخور التي وصفها صاحب الوجه في مكتبه العرزال بعدما عاش معها وقرأ فوق سطور تعرّجاتها، وكتب بين بياض رموزها ووجوهها.
لكن ما ينبغي التوقّف عنده في هذا المكان المتكتّم، إذ لا يافطة تشير إليه، هو نوعيّة الزائرين الذين يتوقّفون عنده. فمن الغريب أنّ الذين يقصدون المدفن لا يشعرون برغبة في الكلام أو الثرثرة، ومن المهمّ ان يبقى الأمر كذلك لأنّ المكان ليس للنزهة أو الفرجة بل للتأمّل، هكذا أراده نعيمة وهكذا يريده القيّمون على إرثه الفكريّ والروحيّ. وللتذكير نشير إلى أنّ الذين اخرجوا وجه نعيمة من برودة الحجر في أربعة أشهر من العمل المتواصل هم أخوة ثلاثة من آل عسّاف، وأزيح الستار عنه في التاسع من أيلول (الشهر التاسع) من العام 1999.
في انتظار تحويل منزل آل نعيمة متحفًا، وهذا ما لا نعرف إن كان سيحصل أم لا، من الواجب على الأقلّ إلقاء التحيّة على ابن بسكنتا، جار صنّين، وناسك الشخروب.

***
2

منحوتة رودي رحمة
في غابة أرز بشرّي
مشهد آخر يثير الاهتمام: زائرو غابة الأرز الذين لا يبحثون الآن عن الأرزة القديمة أو الكنيسة الأثريّة، بل عن الأرزة التي نحتها "رودي رحمة"، هكذا يسألون. والطريف أنّ أولئك الزائرين قد لا يعرفون شيئًا عن النحت، لكنّهم يتبارون في التفتيش عن معنى ما يشاهدونه، أو اكتشاف تفصيل غاب عن الآخرين فلم ينتبهوا إليه. وكم مفيد أن تجلس أمام الأرزة المنحوتة لتسمع تعليقات تريد رواية رؤيتها الخاصّة للحياة أو فهمها أمور الدين والماورائيّات، أو تفسيرها وجود المسيح مع الظهر العاري والراقصة في مكان واحد وعلى شجرة واحدة.
لا شكّ في أنّ مراقبة الناظرين إلى عمل "رودي رحمة" في غابة الأرز تقدّم كثيرًا من التفاصيل عن علاقة الفنّ بالمتلقّي. قد لا تقوم هذه العلاقة على معرفة علميّة ونقديّة متعمقة، وقد لا يكون هؤلاء من الخبراء المتخصّصين، إلّا أنّ ما لا شكّ فيه أنّ الاستماع إلى أقوالهم ورؤية تحرّكاتهم حول الشجرة في طقس احتفاليّ تتشابه في النظرات التي تتسلّق الشجرة لتصل منها إلى السماء، لا شكّ في أنّ ذلك يوحي منحوتات جديدة أو في الأقلّ كلمات من وحي لقاء الإنسان بالشجرة حاملة التاريخ وحمايته.

***
3


خلال عرض فيلم "مولان روج" تذكّرت رواية توفيق يوسف عوّاد "طواحين بيروت" وتذكّرت مجموعة إميلي نصرالله القصصيّة "الطاحونة الضائعة"، تلك الأعمال المختلفة الانتماء والرسائل الفكريّة أو الفنيّة، سواء أكانت المادة المطحونة هي الحبوب أم الناس. ولكنّي بعد أيّام من مشاهدة الفيلم استعدت مشهدًا يتكرّر في الأفلام والروايات العاطفيّة، وهو محاولة البطلة إنقاذ البطل من خطر يهدّد حياته، فتكذب عليه لتبعد عنه منافسًا غيورًا يريد التخلّص منه، فتخفي عنه مرضها القاتل لتحميه من عجزه من مواجهة موت يرغب في التشبّث بجسدها حتّى الفناء.
بعد مشاهدة الفيلم الذي بدأ صارخًا صاخبًا قبل أن يعرف بطلاه الحبّ الحقيقيّ، وخلال لقاء جمع بعض الأصدقاء، حول طاولة طعام، بدا أنّ الجميع استعاروا ما يشبه كبة نيكول كيدمان: كان كلّ واحد يخبر أولئك الذين يطالبونه دائمًا بأن يكون صادقًا مع نفسه ومع الآخرين، ما هو بعيد كلّ البعد عن الحقيقة والصدق، وقريب جدًّا ممّا يجب أن يسمعوه. إذ عندما يفعل ذلك إنّما ينقذ نفسه وينقذهم من مواجهة الحقائق، وهكذا لا يضطرّ أحد إلى مواجهة العجز البشريّ المتمثّل في رفض ما لا نستطيع تصحيحه أو السيطرة عليه أو ما لم نكن نتوقّعه  أو ما نظنّ أنّنا نعرفه لأنّنا أذكياء وبارعون في معرفة النفس البشريّة بخفاياها وغموضها... أو هكذا نخال.
بعضنا يعتقد أنّ الصداقة تشبه ذلك المكان/ الفيل حيث كانت تقيم بطلة "مولان روج": غرفة جميلة وغريبة. لكنّ الغرفة التي استغرق بناؤها أشهرًا هدمت في يوم واحد لأنّ الاستديو يريد المكان لتصوير فيلم جديد. غرفة جميلة وغريبة بيد أنّها ليست المكان الذي يوحي الالتزام والديمومة. غرفة جميلة وغريبة، لكنّ العلاقات فيها عابرة ومشوّهة، قد تكون رفقة درب قصيرة، لكنّها بالتأكيد ليست الصداقة القائمة على الصدق... ربّما على الصدقة، وربّما على المصادفة، ولكنّها ليست قطعًا ما نبحث عنه في هذه الحياة القصيرة، القصيرة ولو لم يصبنا مرض السلّ المميت.
الطاحونة التي طحنت الجميع ولم تبقِ إلّا الكلمات التي كتبها عاشق شاعر، والطاولة التي تقال حولها كلمات تحاول أن ترضي سامعها ولا تشبه قائلها، مكانان وزمانان فيهما وجوه وكلمات تحكي قصّة المشاعر الإنسانيّة التي لا تجد إلّا المشكّكين في صدقها وبساطتها وعمقها، ولا تترك مكانًا لما يشبه الكذب الذي يحمي الجميع من أنفسهم ومن الآخرين. لماذا؟ لأنّ العرض يجب أن يستمرّ ومهما كان الثمن، أليس هذا ما يردّده صاحب الصالة في "مولان روج"؟

***
4

مرّة جديدة نقول إنّ التلاميذ في المرحلتين المتوسّطة والثانويّة لا يجدون ما يقرأونه في اللغة العربيّة. مرّة جديدة نقول: باءت بالفشل  كلّ الوسائل في إقناع التلاميذ بأهمّيّة المطالعة ومتعة حمل الكتاب واكتشاف ما فيه. فلا الترغيب ولا الجوائز ولا الندوات حول الكتب أعطت نتيجة، ولا المباريات أو دعوة بعض الأدباء أو زيادة العلامات تركت أثرًا، وبقيت العداوة شديدة يشعر بها تلميذ، يبحث عن واقعه مكتوبًا فوق الصفحات، تجاه كتاب رومنسيّ النظرة والهمسة والمعالجة، ريفيّ اللغة، رجعيّ الاهتمامات، بحسب تعبير أكثر التلامذة.
فعلى مَن يراهن الأدباء المنتظرون موسم المعارض في زمن يُخشى احتضار الكتاب فيه؟

***
5

Miro

صِدقُ بعض الأدباء يعطيك درسًا يوازي في أهمّيته ما تقرأه في كتبهم. هذا ما اكتشفته للمرّة الأولى عندما شكرني أديب كبير على متابعتي ما يكتبه وينشره، وتأكّدت منه ثانية يوم اتّصلت بي السيّدة المثقّفة التي كتبت قراءة لكتابها، لتشكرني على الكتابة أوّلًا وعلى الاتّصال ثانيًا.
الاتّصالان كانا صادقين ولم يهدفا إلى مسايرة قلم يمدح ويحابي، ولكليهما تاريخ أدبيّ غنيّ يجعلهما في غنى عن طلب ذلك. لكنّ الاعتراف بالآخر الذي يكتب، واحترام الذي يقرأ هما من العلامات المطمئنة في زمن الإجحاف ونكران الجميل.
ماتعٌ أن تجد كاتبًا يشبه كتابه الجميل.


ليست هناك تعليقات: