السبت، 31 ديسمبر، 2011

بهاء الولادة (من كتاب رسائل العبور - 2005)



...وصديقي الذي يعبر الآن إلى مجد أيّامه جميل كلحظة الولادة التي تكتشف نفسها مع مرور الساعات، والتي تفرض وجودها كلّما ازدادت تشبّثًا بالحياة.
هو نفسه لم ينتبه إلى هذا الجانب من شخصيّته إلّا مع تقدّمه في العمر، كأنّما الأعوام التي مضت شغلته عن النظر إلى شكله الخارجيّ. وعندما امتلأ داخله بالغنى الذي يجب أن يكون فيه، التفت إلى المرآة ورأى ما كان يراه في عيون الآخرين.
الآخرون هم الذين هتفوا بجماله، أو أشاروا إليه في حياء، فلم يصدّقهم. وظنّ أنّ الأمر كلّه مجرّد انفعال صارخ أو مجاملة مهذّبة. ومن أجل هذا الظنّ فقط تقبّل كلامهم بمحبّة وتواضع. ولكن مع مرور الوقت، بدأ الداخل الذي نضج ينضح أكثر فأكثر إلى الخارج، وظهر على وجهه ما يشبه الفرح ولكنّه ليس فرحًا، أو ما يشبه السكينة ولكنّه ليس هي، أو ما يشبه المحبّة ولكنّه ليس منها فقط. كأنّ ما على وجهه مزيج من هذه كلّها، فيشعرنا، نحن الناظرين إليه، بفيض من الحنان والدفء، كاللذين تمنحنا إيّاهما لحظة صلاة عميقة، أو لقاء حبّ صادق.
كان الجمال الذي فيه ممزوجًا بالذكاء والكرم وخفّة الظلّ والتهذيب والخجل والجرأة. ولم يكن من السهل أن نفصل بين عناصر هذا المزيج، كأنّ جماله لا يكتمل إلّا بذوبانها بعضها في البعض الآخر، من دون أن يفقد أي عنصر منها كينونته وخصوصيّته.
ومع ذلك، فإنّ هذا الرجل الذي لم يكتشف صورة الإله فيه بعد، يؤمن إيمانًا ثابتًا بعدم اكتماله. وهكذا عرفنا، نحن الذين نراقب بهاءه المتوهّج كقصيدة، أنّ السعي نحو الكمال هو الجمال كلّه.

الخميس، 29 ديسمبر، 2011

Zeitouna Bay

منطقة الزيتونة ويبدو إلى اليسار مقهى الحاج داود

فندق السان جورج - الزيتونة - 1930

لا مكان لمسرح لبيروت في ما يُخطّط لبيروت
فندق السان جورج اليوم
برج المارينا 

Zeitouna Bay
زيتونه باي أو خليج منطقة الزيتونه أو باي باي بيروت

يسرقون منّا البحر بكلّ وقاحة، يجعلونه جميلاً، لا جدال في ذلك، لكنّه لم يعد بحرنا، ولا نستطيع أن نقصده بغير ثياب أنيقة وثمينة تليق بالمكان وروّاده الأثرياء وجميلاته المتسكّعات ورجال الأعمال الذين يتصرّفون كأنّهم يملكون الخليج وكلّ ما يحيط به على امتداده ووسعه...قدّ البحر.
أنا مع الجمال والنظافة والأناقة، وهي أمور لا أتساهل فيها ولا أغضّ الطرْف عن المسيء إليها والمتعرّض لها بالبشاعة والقذارة والفوضى. ولكن بيروت صارت مثل نسائها المتصابيات السليكونيّات، لا شكل لها معروفًا، ولا عمر محدّدًا، ولا طابعًا مميّزًا. أعرف أنّ الأمر لم يعد ينفع الكلام فيه، فحيتان المال ابتلعوا المدينة بأسواقها العتيقة التي كانت لنا، وناسها البسطاء الذين كانوا أهلنا، وبيوتها حاضنة الشمس عند المغيب، وشوارعها التي تختلط فيها الطبقات ولا أحد يسأل. أعرف أنّ وقت الحكي راح، ولن يأتي وقت لعمل شيء آخر، فلقد فات الأوان والمدينة التي تتوسّع إلى البحر، وتنطح السماء، تحمل عناصر موتها، وسوف تسقط، لأنّ لعنات كثيرة لا تزال تصبّ على هادمي إرثها وراسمي خرائطها وبائعي أرضها والشراة. لعنات سوداء كالمياه المبتذلة التي تصبّ في بحر المدينة الشوهاء.
تناولت القهوة اليوم في أحد مقاهي "خليج الزيتونة" بناء على دعوة أحد الأصدقاء. لم تنته الأعمال في أكثر مقاهي المنطقة ومطاعمها وأرصفتها ومحّالها التجاريّة. أمامي عشرات اليخوت الجميلة، وخلفي مئات السيّارات الفخمة، وأنا لا خيل عندي أهديها، وليس معي إلّا كلمات أكتبها في رأسي، ونظرات تلتقط جماليّات المكان، وترصد حركة الندل والروّاد، وتسجّل إيقاع الحركة في مكان قرّر منذ لحظة التفكير فيه من هم المقبولون فيه ومن هم المرذولون.
سيقتل المدينةَ هذا البذخُ الذي يجاور الفقر، ثمّة وقاحة في أن تمتلك هذا القدر من الجمال والمال وحولك فقراء معوزون ومرضى عاجزون، وفي مجتمع ينجو فيه الناس من الموت بالمساعدات الإنسانيّة في الأعياد لا باهتمام الدولة ولا بعناية مؤسّساتها. ثمّة عهر في أن تُعرض المفاتن على من يُلام إن حلم بها، أو نظر إليها. ثمّة إجرام في أن تُفتح أبواب المقاهي وتقفل أبواب المسارح، وتصير الكتب عنصر ديكور في مقهى لا يقرأ الناس فيه بجديّة إلّا لوائح الطعام.
في زيتونة باي، لا زيتون ولا نساء يقطفن الزيتون، ولا رجال يحملون الأكياس المتخمة إلى معاصر يقطر منها ذهبُنا الأصفر. في زيتونة باي، لا يسع أبناء جيلي سوى أن يقولوا: باي باي يا بيروت، فلقد انتهيت إلى ما لم نعد نعرفه.
المشكلة التي يطرحها هذا النوع من الكتابة هي في أنّ الكاتب سيوضع في إحدى الخانتين اللتين لا ثالث لهما في لبنان: فأنا الآن مثلًا في رأي بعض القرّاء ضدّ مشروع إعمار بيروت، وبالتالي ضدّ سوليدير، وبالتالي ضد 14 آذار. وفي رأي آخرين أنا مع حزب الله، ومع التيّار العونيّ، ما يعني في نظرهم أنّني لا أريد لبيروت أن تلبس حلّة الحداثة والتطوّر بل أن تمتنع عن تقديم الكحول وترتدي زيّ التديّن. في الحقيقة لم يعد يعنيني في أيّة خانة يضعني الآخرون، كلّ الآخرين. فأنا أمينة لذاكرة تريد أن تبقى، ومنفتحة على فكر يريد أن يفهم ماذا يفعلون بهذه العاصمة المسكينة، وأن أقتنع بأنّ هذا الجمال الباهر ليس مصطنعًا ومخادعًا وليس على حساب آلاف المرضى والفقراء، أو على حساب مؤسّسات الدولة التي كان عليها أن تُبنى لتستقطب الأدمغة المهاجرة واليد العاملة الهاربة إلى حيث العمل.
مُضيفي إلى فنجان القهوة لم يكن يهجس بمثل هواجسي، كان خياره واضحًا مذ اختار مكان اللقاء، وهو أنّ بلاد العالم التي زارها فيها أماكن كهذه، وبالتالي الأمر ليس مستهجنًا أو غير لائق. وكان من غير الضروريّ أن أقول له إنّ بلاد العالم الأخرى التي فيها مثل ذلك أمّنت في أكثرها لشعوبها ما يسمح لهم بالاستمتاع بهذا الجمال من دون التفكير في تأمين التعليم والاستشفاء وحفظ الكرامة، وفي أقلّها ثار الشعب مطالبًا بحقوقه. أعتقد أنّه في قرارة ذاته يعرف ذلك ولو لم أذكّره به.
فأين نحن من كلّ ذلك في حين يرى كثر أنّ مايا دياب هي امرأة العام في لبنان في كونها أثبتت وجودها وحقّقت ذاتها وحقّقت لذاتها ما تصبو إليه؟
ثمّة شيء مشترك بين خليج الزيتونة ومايا، فكلاهما جميل ومثير ويبدو كأنّه يدعو إلى الحياة، لكنّه في العمق يحمل في ذاته أسباب زواله، وهذا في حدّ نفسه سبب آخر للحزن.

الاثنين، 26 ديسمبر، 2011

الرجل الذي لا يثق بظلّه


 Josef Kodelka
كان طفلاً حين علّمه جدّه ألّا يثق بأحد
ألّا يثق بظلّه
ومنذ تلك الأمثولة
والطفل الذي طلب منه جدّه ألّا يثق إلّا به تعلّم ألّا يثق بأحد آخر
حتّى بظلّه
ومرّت الأيّام
والطفل
عوض أن يرفع رأسه ويراقب الشمس
أحناه ليراقب ظلّه ويكتشف متى سيخونه ويغيّر موقعه
والظلّ لا قرار له في موقعه وحجمه
فكان يدور حول الطفل، ويطول، ويقصر، بحسب موقع الشمس
غير أنّ الطفل الذي لا يعرف علم الفلك وحكاية دوران الأرض، صدّق جدّه
واقتنع بأنّ الظلّ غيرُ مخلص
وأنّه لا يثبت على حال أو في مكان ولو لازم صاحبَه
ومرّتِ الأيّام
وكبر الطفل
وصار رجلاً
فترك مدينة الشمس وذهب إلى أرض لا شمسَ فيها ولا ظلَّ يخون صاحبه
وتعلّم أن يقوم بنزهات طويلة في الضباب الذي يحجب كلّ نور
وهناك أقام، وتعلّم، وعمل، وتزوّج، وأنجب
وبقي درسُ جدّه شعارَه الوحيد
يقيس الناس في ميزان كلماته وبحسب الكفّة الراجحة يتصرّف
ودائمًا كان الثقل لكلمات الرجل العجوز
كيف لا وعمر الحفيد خيبات أمل وهزائم وفشل؟
أمّا النجاحات والانتصارات فلا تحتسب في دفتر الجدّ العتيق
***
كيف يثق الواحد منّا برجل لا يثق بظلّه؟
كيف نطمئنّ إلى شخص يدور طوال النهار حول نفسه ليتأكّد من غياب ظلّه عن الأرض؟
كيف نتعامل مع إنسان يعيش في مختبر كبير يدرس فيه تصرّفاتِ الآخرين ليتأكّد من أنّ جدَّه لا يزال على حقّ
وأنّ ما فعلته تلك المرأةُ متوقّعٌ ويصبّ في خانة الغدر
وما فعله ذلك الرجلُ طبيعيٌّ لأنّ ما قام يوضع في خانة الاستغلال
وما قالته تلك الفتاة عاديٌّ فأمثالُها فُطروا على الأذيّة
وما صَدَرَ عن ذلك الشاب ليس بغريب ما دام الناس يسيئون إلى بعضهم بلا ملل أو كلل
وما دام المرادفُ الوحيد لكلمة إنسانيّة هو الشرّ؟
***
مسكينٌ حفيدُ جدّه!
تعلّم باكرًا جدًّا ألّا يعطيَ مجّانًا
وأن يحسب جيّدًا نتيجة كلّ كلمة وكلّ حركة وكلّ فعل
فلا شيء عنده للصدف
ولا مكان للعاطفة
ولا مجال للخطأ
لكلّ إنسان بقعةٌ خاصّة به عليه التواجدُ فيها في الوقت المحدّد
وخارجَ تلك البقعة وذلك الوقت
لا وجود لهذا الإنسان الذي خان الثقة وخالف قواعد اللعبة وأغضب الجدّ في قبره
فحفيد جدّه مقتنع بأنّ من يتّصل به لا يفعل ذلك إلّا لأنّه يريد منه خدمة
ومن يحبّه إنّما يخطّط للإيقاع به
ومن يخالفه الرأيَ حاقدُ ينتظر الفرصة للانتقام منه
ومن يطلب منه كلمة حنان فسيطالبه لاحقًا بكلّ أملاكه
***
حفيد جدّه يهوى الرغبات والمتع لأنّها عابرة ولا تلزمه شيئًا
ويعشق المغامرات لأنّه يعرف سلفًا أن لا أمان لها أو فيها
ويحبّ البحر لأنّه الغدّار الأكبر فيسعى لترويض أمواجه
هو ابن السهل الداخليّ
ترك ظلّه ملقًى على ترابٍ أحمرَ تحت شمس نظيفة
وذهب إلى حيث الضبابُ والبحر وأشباح الذين غرقوا
ومنذ ذلك الزمن وهو تائه يدور حول نفسه
ليتأكّد من أنّ ظلّه لم يلحقْ به
ولم يلتصقْ بخطواته
ولا مجال كي يخونَه أو يؤذيَه
***
حفيدُ جدِّه المتعلّمُ قرأ أطنانًا من الكتب
وتأمّل آلافَ اللوحات
وأصغى إلى آلافِ المقطوعات الموسيقيّة
وبقي يشبه جدَّه الأمّي
كلاهُما يردّد العبارة نفسها
كلاهُما حزين ووحيد وقاس
ولم تستطع جنيّات الشعر والحبّ أن تعدّل في تركيبة جينات الحقد والغضب الموروثة
فالساحرة الطيّبة تنتصر في حكايات الأطفال الساذجة
أمّا في الحياة فالأمر ليس دائمًا بمثل هذه البساطة
***
فيا حفيدَ جدّك
كن تلميذًا ساهمًا في الصفّ وارسمْ وجه حبيبتك على طاولتك
كن مقاتلاً شرسًا في حرب سخيفة واحفرْ اسمها على حائط تحتمي به
اجلسْ خلف مكتبك وخرطشْ ملامح وجهها على مفكّرة مواعيدك
ولكن لا تكتبها على ورقة بيضاء مزدوجة ونظيفة
جنّ يا رجل وأعلنْها شعارًا لمرحلتك الجديدة
خربطْ نظام حياتك
إلغِ مواعيد عملك
إنسَ عمرَك وتجاربَك وخيباتِك
وواجه بها حاسديك
أصرخ باسمها وكفَّ عن هذا الهمس
إفتح شبابيك حياتك قبل أن تختنق المرأةُ بالعفن وتنخرَ الرطوبةُ عظامَها
ألا ترى أنّها لم تعد تطيق الأسرار والخفايا والزوايا
ولا أن تأسرَها بين سطرين كتلميذ يكتب بخطّ جميل لتفرح به أمّه
ويرضى عنه جدُّه الذي علّمه أن يبقى دائمًا على السطر؟

الجمعة، 23 ديسمبر، 2011

هدايا عيد الميلاد من غير متجر الألعاب: للكبار فقط

لا تدعوا أولادكم يفعلون كهؤلاء الذين في الصورة فهذه الألعاب خطرة على أجسادهم وعقولهم
وإليكم البديل في الصورتين أدناه:


نقلاً عن صحيفة الأخبار في تاريخ اليوم: مجزرة في العراق
أطفال يهود "يلعبون"
وأطفال عراقيّون "يلهون" بالبنادق بين المدافن
هذا الحصان لعبة من عصر بائد وإليكم البديل:
حجارة يرصفون بها الطريق إلى المستقبل
الحركات التحرّريّة النسائيّة لا تشجّع على تقديم "باربي" للصغيرات وها هو البديل:

هاتف خلويّ يصلها بكلّ شعوب الأرض
هذه الهديّة تعلّم الفتيات النظافة فاحذروها وإليكم الخيار الآخر:
مثال المرأة المتحرّرة التي لم تضيّع طفولتها في تنظيف غرفتها

هذه الدمى تمثّل ذوي الحاجات الخاصّة والمعوّقين، لا تقدّموها لأولادكم كي لا يكتشفوا إنسانيّتهم ولكن إليكم الحلّ:
عالم افتراضيّ لا ألم فيه ولا إعاقة

دمى تمثّل الحيوانات وقد تعلّم أطفالكم حبّ البيئة وليس هذا بمستحبّ في عالمنا المعاصر، 
وإليكم فكرة تناسب عصر عولمة الأفكار:

دمى خشبيّة ملوّنة تدعو إلى الحياة والتفاؤل وهذا أمر خطير يبعد أولادكم عن مواجهة واقع الأمور، وإليكم عملًا أكثر فائدة:


الألعاب الفكريّة ممنوعة منعًا باتًا

وكذلك الدمى الصوفيّة اللطيفة
ودمى البورسلين
والاشكال الهندسيّة التي تعلّمهم كيف يستعدّون لبناء العالم


وكلّ ما يمتّ إلى الألوان والموسيقى بصلة لأنّها تنمّي فيهم حسّ الجمال
وخصوصًا الرياضة
وهذه أخطرها عليكما عزيزيّ الوالدين فقد يضربكما ابنكما بهذا المضرب 
ومن الأفضل أن تختاروا سواها
كهاتف من هذه السلالة التي لا بدّ أنتجت ما هو جديد في هذه اللحظة بالذات

أمّا إذا كنت سيّدتي مصرّة على موضوع الألوان التي تدخل البهجة إلى القلوب
فيمكنك أن تختاري لون صباغ لافت لشعر طفلك يدخل البهجة إلى القلوب
أو أن تجعليه يشبه هذا الطفل:


المهمّ ألّا تفكّري سيّدتي أبدًا في اختيار حيوان أليف هديّة لطفلك
فأنت بالكاد تجدين وقتًا للاهتمام بفلذة كبدك (أي طفلك) 
والخادمة يكفيها ما عندها فلا تضيفي إلى وقت راحتها القليل مهمّة جديدة 


أمّا الهدايا من الكتب فلا داعي للتحذير منها فهي نادرًا ما تخطر على بال أحد
***

فهل تنطلق الثورة المقبلة من متاجر الألعاب، فتخرج الدمى المسالمة في تظاهرات تذكّر بوجودها؟ 

الخميس، 22 ديسمبر، 2011

إلياس خوري يواجه مأزق الحرب بالحكايات




«مزّق الرسالة ورمى بها أرضاً فوق نثار الزجاج المطحون، أغمض عينيه، وجلس في عتمة روحه، وقرّر أنّ معانقة العتمة في مدينة تشبه بيروت تقود إلى الموت وفكّر أنّ هذا الموت يصلح لرواية يكتبها إلياس خوري». بهذه الكلمات ينهي إلياس خوري روايته «سينالكول» (دار الآداب – 2012)، التي تنطلق أحداثها من بيروت عام 1990 لتعود في رحلة زمنيّة إلى بداية الحرب اللبنانيّة، وفي هجرة جغرافيّة إلى فرنسا، ولتقوم على ثنائيّات تذكّر بتشبيه لبنان بطائر لا يطير إلّا بجناحين للكناية عن تكوّنه من طائفتين جعلتاه ما هو عليه: المسيحيّة والإسلام. الأخوان شبه التوأمين «نسيم» و «كريم»، لبنان والهجرة، العلمنة والدين، الذاكرة والنسيان، الصمت والثرثرة، الجنس والحبّ، الرجل والمرأة، الحياة والموت، الشجاعة والجبن، العلم والجهل، الجنوب والشمال، سورية وإسرائيل، وغيرها كثير من أقطاب تتناقض وتتكامل حتى ليبدو كلّ مشهد من مشاهد الرواية (506 صفحات) حلبة صراع يريد من عليها أن يثبت وجوده من دون الخضوع لجانب على حساب الآخر. وهذه هي مأساة لبنان وعقدة الرواية.



مقاومة الموت 
«نصري شمّاس» الصيدليّ الأرمل المتصابي، لم يتزوّج مرّة ثانية لينصرف إلى رعاية ولديه «نسيم» و «كريم»، ومع الوقت شكّل معهما مثلّثاً مقدّساً لا يرضى بأن ينفصم أحد أضلاعه. غير أنّ الحرب عبثت بهذا الثالوث فانحاز «كريم» الذي كان يدرس الطبّ في الجامعة الأميركيّة إلى اليسار، وانضمّ إلى صفوف المقاومة الفلسطينيّة، وبقي أخوه في الأشرفية منضوياً تحت لواء الأحزاب المسيحيّة، ما جعل الوالد يصرخ: «شو هالعيلة، واحد عامل شيوعيّ والتاني كتائبي وفاشستي، مش ناقص إلّا تقتلوا بعض، حتّى نصير حكاية» (ص 141)، كأنّ الحكاية لا تكون حكاية إلّا إن رواها الدم. ولكن أليست هذه حال أكثر العائلات المسيحيّة التي وجدت نفسها عشيّة الحرب موزّعة الانتماءات بين من يريد المحافظة على مصير مسيحيي الشرق باللجوء إلى إسرائيل وبين من يرى أن لا حلّ لمشكلة الأقليّات إلّا العلمنة؟ فكانت النتيجة أن نمت الحركات الأصوليّة الإسلاميّة على حساب فشل اليسار وهزيمته مع دخول سورية إلى لبنان وتحوّل الدفاع عن فلسطين من قضيّة وطنيّة إلى مسألة شيعيّة، وتهوّر اليمين الذي أخطأ في الرهان على إسرائيل والغرب، وهكذا انتهت الرواية إلى العتمة التي تغرق فيها مدينة تشبه بيروت، لا بيروت نفسها، وبالتالي إلى الموت، لعلّ مدينة جديدة تولد من رماد الأولى.

غير أنّ الوالد الذي حوّل الغرفة الخلفيّة لصيدليّته مختبراً لعلاقته النسائيّة، مستفيداً من براعته في تركيب الأدوية المحفّزة للرغبة، علّم ولديه، قبل أن تلوّث الحرب حياتهم، أهميّة الحواس في قطف المتع. فكانت وليمة يوم الأحد، بعيداً من الكنيسة، لقاء حسيّاً يجمع أضلاع المثلّث حول الطعام والشراب وحكايات النساء. وحين شوّهت الحرب كلّ شيء، اختار أن يقبل انطفاء بصره كي لا يرى ما صارت إليه الأمور. في حين نمت حاسة اللمس عند «كريم» الذي اختار معالجة الأمراض الجلديّة، وانصرف «نسيم» إلى شمّ المخدّرات ورندحة الأغنيات. ولكنّ الثلاثة أجمعوا على لذّة تذوّق الكحول والنساء.

التفكّك
«كريم» و «نسيم» ليسا توأمين وإن عاملهما والدهما على أنّهما كذلك، الأوّل ولد في بداية السنة يوم 4 كانون الثاني عام 1950 والثاني في آخرها يوم 22 كانون الأوّل، ما جعل أباهما يتباهى برجولته لكونه حقّق هذا الإنجاز. لكنّ الأخوين اللذين كانا يتشاركان الأحلام نفسها سيغرقان في الصمت عندما يعشقان امرأة واحدة (هند) ولن يجدا الكلمات التي تعيد علاقتهما إلى ما كانت عليه، ثمّ يهاجر «كريم» إلى فرنسا حيث يتزوّج امرأة فرنسيّة، فيتزوّج شقيقه بـ «هند» التي كانت مغرمة بأخيه. ولكن هل هي فعلًا حكاية «نسيم» الكسول في المدرسة، والمحتال في الحياة، والشجاع المدافع عن أخيه «كريم» المجتهد والمثقّف الجبان؟ أم هي حكاية الصمت التي غرق فيها الأخوان ما أعجزهما عن التفاهم، فبنى كلّ منهما عالمه الخاصّ المنفصل عن الآخر وإن سكنه الحنين إلى الاكتمال بالآخر؟ أم هي حكاية المجتمع اللبنانيّ المقسوم على ذاته، غير المتصالح معها، والهارب من ذاكرته إلى ذكريات الآخرين من فلسطينيّين وسوريّين وأحفاد صليبيين؟

«سينالكول» كلمة إسبانيّة تعني من دون كحول وفق ما شرحت الزوجة الفرنسيّة لزوجها اللبنانيّ، وكانت الاسم الحركيّ لـ «كريم» حين كان يقاتل مع الأحزاب اليساريّة في طرابلس، لكنّه حين سيعود إلى المدينة التي سيطر عليها إسلاميّون كانوا رفاقه في الصراع ضدّ سيطرة الفكر الدينيّ سيكتشف أنّ اسمه الحركيّ كان يمهّد لمدينة تحتضن مدناً: بعضها يخضع لأمراء الدين الذين كانوا يحاربون الدين، وبعضها متشبّث بماضٍ لم يبق منه سوى قلاع وقبور، وبينها أحياء فقيرة، وأخرى تسهر وتسكر متحديّة التغيّرات. «كريم» الذي اكتشف كلّ ذلك خلال عودته إلى لبنان خلال 1990 بناء لدعوة أخيه الذي أراد أن يصالح ربّه ببناء مستشفى، قرّر العودة إلى عائلته الفرنسيّة والهرب من جديد. فهم الطبيب المسيحيّ أنّ الأمور لم تستقم حين سمع تهديد صديقه اليساريّ القديم والمتديّن الحديث الشيخ «رضوان» وهو يطالبه بأوراق تعود إلى زمن الثورة كتبها صديقهما «يحيى»، ويريد الشيخ أن يضمّها إلى مذكّرات يكتبها، وكذلك حين رأى أخاه يصطحب أولاده إلى الكنيسة كلّ يوم أحد بعدما توقّف عن المتاجرة بالمخدّرات ومعاشرة الغواني، ويدافع عن الجنرال (عون) الذي اعتبره وريث بشير (الجميّل) ويتوقّع منه أن يعيد للمسيحيّين الثقة بأنفسهم (ص 488) بعد أن ينتصر في حرب التحرير ضدّ سورية واتفاق الطائف. أراد الطبيب اللبنانيّ الفرنسيّ، المسيحيّ اليساريّ، أن يعود إلى حيث زوجته البيضاء لينسى بين ذراعيها ذكرياته مع «هند» التي صارت زوجة أخيه و «جمال» التي قضت في عمليّة انتحاريّة في فلسطين، وليمحو بهدوء حياته الفرنسيّة مغامراته البيروتيّة الصاخبة مع «منى» زوجة المهندس الفخور بمشروعه تغيير وجه العاصمة ضمن مشروع إعادة الإعمار، ومع الخادمة «غزالة» التي كادت علاقته بها تودي به، وليستعيد عمله في مستشفى «مونبلييه» بعدما وجد أن لا أحد يصغي إليه ولو كطبيب (هو نفسه لم يبدُ مقتنعاً بمهنته) في حين كان جيرانه يطيعون أوامر والده الصيدليّ. في يوم عيد ميلاده، يتوجّه «كريم» الذي لا يعرف إن كان هو فعلًا «سينالكول» الشجاع أو هو التعويض عن حلمه بالشجاعة، إلى المطار بعدما اكتشف أن اسمه الحركيّ هو اسم مشروب غازيّ كان يباع في لبنان واسمه سينالكو (يقال إنّ أصحاب المعمل الذي كان على الأرجح في التحويطة من آل الجلخ). فلا شيء كالحرب الأهليّة يغيّر الأسماء والوجوه: الأسماء الحركيّة التي التصقت بأصاحبها وأنستهم أسماءهم الحقيقيّة، والوجوه التي كانت تختفي خلف أقنعة الترهيب غيّرت ملامحها كي تهرب من ماضيها.

البحث عن الكلمات
يتابع الروائيّ اللبنانيّ إلياس خوري مشروعه في البحث عن الحكايات التي يتوالد بعضها من بعض ولا تصل إلى شكلها النهائيّ. والحكاية تقوم على عنصرين: الذاكرة والكلمة، وكلتاهما واجَهت مأزق الحرب اللبنانيّة التي لن تنتهي كما نقرأ في الرواية لأنّها في داخل كلّ منّا. فالذاكرة أرادت أن تنسى لا أن تواجه وتعالج، والكلمة اكتشفت عجزها عن الوصف. فكان الصمت الذي استعيض عنه بممارسة الحبّ في كونه ترجمة للكلام، وحين ينتهي الكلام ينتهي الحبّ. ولكن كيف يتكوّن الحبّ في وطن لم يعرف سوى الحرب التي تعود في أشكال جديدة؟ وكيف تحتمل الذاكرة هذا الكمّ من الموت؟ في الرواية التي كتبت على مرحلتين إحداها عشيّة الثورات العربيّة، يبدو لبنان أكثر البلدان العربيّة عجزاً عن إيجاد لغته، ومتى ضاعت اللغة بين لهجات هجينة ولغات بائدة وأخرى غربيّة لا يعود ثمّة مبرّر للحديث عن هويّة أو ثورة أو احتمال تغيير. لذلك، يبدو «كريم» الطبيب المثقّف اليساريّ أكثر شخوص الرواية تعبيراً عن هذا اللانتماء الذي حوّل بيروت مدينة لا تشبه نفسها، يغتالها أهلها حين يمحون معالمها: في الحرب يرتكب المسيحيّون مجزرة تروح ضحيّتها عاهرات شارع المتنبّي ثمّ يدمّرون البيوت التي كانت تمنح الرجال شهادات الرجولة، فتتفشّى تجارة الجنس في المدينة، وفي السلم يجتاح مشروع سوليدير أبنية المدينة العتيقة التي كانت تعطيها طابعها المميّز. «كريم» الذي كان يصاب بنوبة سعال حين يريد أن يحكي مع زوجته الفرنسيّة، يكتشف أنّ اللغة الأمّ هي الوطن، وأنّه مهما حاول فلن يستطيع أن يجد الكلمات الفرنسيّة لحالات لبنانيّة بامتياز. وحدها الشتائم كانت تنطلق بلا رقيب أو ضابط حين يمزّقه شوقه إلى رائحة الطفولة التي لم يفهم معناها إلّا في الغربة، ولكنّ الزوجة لم تكن تطيق سماع الشتائم بالفرنسيّة أو بالعربيّة، فبدأ الطبيب ينزلق إلى الصمت، وبدأت تهويمات الخيانة تلوح في حياته (ص 15)، وعاد الشوق إلى الأكل اللبنانيّ ومازاته. 

تجربة اليسار اللبنانيّ
من الجنوب اللبنانيّ إلى طرابلس عاصمة الشمال مروراً ببيروت أو «كانت بيروت» وفق ما كان «كريم» يرى اسمها حين كان يغمض عينيه، تأخذنا رواية «سينالكول» من الـ «آلكول» أي الكحول إلى اللاكحول، في كناية عن انتقال من بقي حيّاً من أتباع التيّارات اليساريّة من العلمنة إلى الدين (الشيخ رضوان) أو إلى الرأسماليّة المخادعة (المهندس أحمد)، في حين بقي الذين قتلوا من اليساريّين أمناء على مبادئ الثورة وأحلام تحرير الأرض والفكر ورفع الظلم عن الفقراء واسترجاع فلسطين، كأنّ الموت وحده هو الذي يمنع انزلاق المرء بعيداً عن مبادئه (تستثني الرواية بشير الجميل الذي لو لم يقتل لارتكب أفعالاً شنيعة أخرى)، أمّا أفكارهم التقدميّة فاستولى عليها من أراد أن ينجو بحياته وألبسها عباءة الدين. غير أنّ الرواية لا تخدع قارئها من خلال إيهامه بأنّ المدّ الأصوليّ يملك مشروعاً متكاملاً صلباً يؤمّن له البقاء. ولعلّ هذا اليقين هو الذي جعل نهاية الرواية تظهر بيروت، أو شبيهتها، مدينة أشباح تجتاحها حروب جديدة بشعارات دينيّة: مسيحيّة من خلال حرب التحرير، وإسلاميّة من خلال تصفية رموز اليسار العلمانيّ والسماح ببروز قيادات متطرّفة. ما يعني أنّ الرواية توحي بأن لا خلاص، إن كان هناك من خلاص، إلّا متى وصلت الطائفيّة إلى ذروة هيمنتها، وعند ذلك سيكتشف المنادون بها خواءها وتسطّحها وعدم ملاءمتها لحركة التاريخ. ولعلّ لحظة الاكتشاف هذه ستكون موضوع رواية أخرى يكتبها إلياس خوري بعد رواية الموت هذه.

الأربعاء، 21 ديسمبر، 2011

مسرح بيروت والدور المنتظَر














"قرار رقم 133 /2011

إدخال جزء من العقار رقم 243 من منطقة عين المريسة العقارية

والقائم عليه "مسرح بيروت" في لائحة الجرد العام للأبنية التاريخية

إن وزير الثقافة

بناء على المرسوم رقم 5818 تاريخ 13/6/2011 (تشكيل الحكومة)،

بناء على القرار رقم 166/ ل.ر تاريخ 7/11/1933 وتعديلاته (نظام الآثار القديمة)، ولا سيما المادة الأولى في فقرتها الثانية والمادة السابعة منه،

ومن باب المحافظة على ذاكرة بيروت الثقافية،

يقرر ما يأتي:

المادة الأولى: أدخل في لائحة الجرد العام للأبنية التاريخية الجزء من العقار رقم 243 من منطقة عين المريسة العقارية القائم عليه "مسرح بيروت"، باعتباره معلما ثقافيا تاريخيا.

المادة الثانية: لا يجوز القيام بأي عمل على العقار المذكور من شأنه تغيير الوضع الحالي لمسرح بيروت وبنائه، أو إشغاله لغير الغاية المعد لها، دون موافقة مسبقة من المديرية العامة للآثار.

المادة الثالثة: ينشر هذا القرار في الجريدة الرسمية ويبلغ الى الدوائر العقارية والسلطات الإدارية".

(الوطنية للإعلام)


***
هذا ما جاء اليوم في الوكالة الوطنيّة للإعلام عن مصير مسرح بيروت.
ولكنّ الانتصار في هذه المعركة لا يعني أنّ الحرب على بيروت انتهت، والمطلوب من القيّمين على هذه المسرح/ الذاكرة أن يحوّلوه خلية عمل
للدفاع عن الحريّات أينما كان،
وعن الحقّ حيث يُعتدى على أصحاب الحقّ،
وعن الفنّ الأصيل بعدما استشرى الدجل والتزوير والادّعاء،
وعن الوطن الذي مزّقته الطوائف والأحزاب،
وعن دور بيروت الثقافيّ الحضاريّ لئلّا يتكرّر سيناريو محو الذاكرة المتنقّل من مسرح إلى مسرح، ومن شارع ذو طابع تراثيّ إلى مبنى أثريّ.
وإلّا فسوف يكون قفل مسرح بيروت مؤجلًّا في انتظار أن يسقط مع المدينة كلّها، والوطن كلّه. 

الثلاثاء، 20 ديسمبر، 2011

مسرح بيروت، شكرًا لك





















(هذه الكتيّبات والمطويّات والبرامج هي بعضُ ليال من ألف ليلة وليلة حملني فيها مسرح بيروت إلى عالم ليس من هذا العالم)
***

مسرح بيروت، عين المريسة، شكرًا لأنّك صنعت بعض ذاكرتي، ولذلك لن ينتهي دورك ولو أقفلوا أبوابك وأسدلوا الستائر على خشبتك وأطفأوا الأضواء
مسرح بيروت، عين المريسة، شكرًا لأنّك جزء من تاريخ معرفتي، ولذلك ستبقى حيًّا ولو خلّعوا مقاعدك وهدموا جدرانك ومسحوك عن خريطة المدينة السيئّة الحظّ والسمعة
شكرًا لأنّ وجوه الذين عبروا على خشبتك وأصواتهم وكلماتهم لم تعبر، بل استقرّت في الوجدان والفكر وصنعتنا قبل أن تصنع مجدك
شكرًا لوجوه روّادك عشّاق المسرح الذين جعلوك محجّة حين كفر الكلّ بالفنّ، وملجأ حين عصف الحقد في الشوارع والقلوب، وحصنًا حين اقتحم التصحّر ربيع العمر والأرض
***
مدينة بلا مسرح كيف تحلم؟ وكيف تفكّر؟ وأين تعبّر عن ثورتها ورغبتها في التغيير؟
فلغيركِ يا بيروت الساحاتُ والميادين، ولك حريّة التعبير فوق المسرح
ولغيرك أيّتها المدينة التي ضيّعت فرصة فرادتها الشوارعُ والطرقات والمواجهات العنيفة، ولك الكلمةُ الأنيقة الجميلة المعبّرة الذكيّة الشاعرة
ولغيرك يا مدينة المسارح المقفلة الشاشاتُ والفضائيّات والصراخ، ولك عتمة الصالة التي يولد فيها عالم جديد مثير وغريب وواعد

يا مدينة صارت تنجب المطاعم والمقاهي! كيف يشبع الفكر فيك والكلمة لا تجد مكانًا لترقص وتغنّي وتنشد؟
يا مدينة تستسلم لممحاة كبيرة تزيل معالمها وتاريخها! بأيّة وقاحة نكتب الشعر والمقالة والرواية ولا متاحف لفنوننا التشكيليّة لغير النخبة، ولا معارض للكتب لغير حفلات التوقيع الاجتماعيّة الطابع، ولا مسارح تعلّم الناس الحريّة؟
يا مدينة الأراكيل والتسوّق وزينة العيد، أيّ عيد يكون وأنت ضائعة الهويّة، حائرة الانتماء، تتنازعك الأهواء والمشارب والميول، فتفيض مجارير الجهل في شوارعك الشاسعة، وتفوح رائحة البغاء من شققك المترفة، وتنتشر أجواء احتفالات مخادعة، سرابيّة المستقبل، طائفيّة اللغة، وقحة الترف؟
***
هل يُقاصص المسرح اللبنانيّ لأنّه لم يعلّم الناس إلّا الحلم؟ هل يُعاقَب لأنّه ثار عنهم، وغضب عنهم، وصرخ عنهم، وتحرّر عنهم، وعرف كلّ أنواع الثورات الفكريّة فلم يترك لهم ولو ثورة صغيرة، وجرّب بالنيابة عنهم كلّ أساليب التعبير فاستراحوا في مقاعدهم واطمأنوا؟
وهل يتوقّع هذا المسرح أن يثور الناس من أجله وأن يمنعوا جرّافات الهدم عن محوه من الوجود؟
حالم أنت أيّها المسرح! فالناس عندنا لن يثوروا لأنّهم ينتظرون نتائج اللوتو، مرّتين في الأسبوع. فكيف يثور شعب ينتظر كلّ فرد فيه من الاثنين مساء إلى الخميس مساء أن يحارب فقره بالحظّ، ومن الخميس مساء إلى الاثنين مساء أن تساعده الأرقام على ألّا يعود مجرّد رقم في إحصائيّات طائفته؟ فمتى يجد وقتًا للثورة؟
مشكلتك أيّها المسرح أنّ الذين رعوا شؤونك لم يؤمنوا بالأرقام بل بالكلمة.
وكان هذا من حسن حظّي لأنّي بفضل ذلك أنا هنا الآن، فشكرًا لك وشكرًا لهم. 
ولكن ماذا عن الذين لن يروا ولن يحلموا ولن تصيبهم رعشة الدهشة، أهكذا تكون نهاية العالم؟