الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

السبت، 17 ديسمبر، 2011

معارض الكتب وقراءة نقديّة أبعد من الأرقام (2)


دارفيش - إيران


حين نشرت نتائج الإحصائيّة الأولى التي أصدرها النادي الثقافيّ العربيّ، وكانت روايتي "كلّ الحقّ ع فرنسا" في المرتبة الثانية منها، كتبت للأصدقاء والأقرباء الذين دعوتهم: شكرًا لكم فأنتم من أوصلتم الكتاب إلى هذه المرتبة في حركة البيع والشراء وليست قيمة الرواية أو مستواها الأدبيّ. كنت أعرف أنّ التوقيع (وهو الثاني بعد توقيع أوّل في مهرجان الكتاب في أنطلياس) هو الذي رفع نسبة البيع، خصوصًا أنّه تزامن مع بداية المعرض (4 كانون الأوّل)، وكانت الأيّام التالية حُبلى بحفلات تواقيع يختلط فيها الكبار بالجدد، والمبدعين بالهواة. وهكذا صار.
ليست الخشية من أن تخدع الإحصائيّات القرّاء، فكلّ قارئ جديد هدية نحتفي بها ونهلّل لها، بل الخوف كلّ الخوف من أن ينخدع الكتّاب أنفسهم بها، فتصدّق "كريستين حبيب" أنّها تربّعت على إمارة الشعر كما وصفها أحد المواقع الإلكترونيّة، متفوّقة بذلك على عناية جابر وغسّان مطر وهنري زغيب، وأن تؤمن "جاهدة وهبه" أنّ كتابها هو الذي جذب جمهور المعجبين وليس اسمها الفنيّ الذي تعبت، بلا أدنى شكّ، لتصل عبره إلى هذه المرتبة المتميّزة والفريدة في الغناء، فضلًا عن العمل المسرحيّ.



لماذا أكتب هذا الكلام و"كريستين حبيب" و"جاهدة وهبه" لهما جمهورهما الكبير الذي سيكرهني بسبب هذا الكلام؟ لأنّي أخشى عليهما من وهْم المراتب الأولى في عالم لا يقرأ وصحافة تساير وتحابي ونقد لا يجرؤ على الجهر بحقيقة مستوى ما يصل إليه. ولأنّني أخشى على نفسي من الانصياع لصوت الخيبة يلازمني منذ بدأت النشر في الصحف والمجلّات ويدعوني يوميًّا لتوثيق علاقتي بالإعلان والإعلام وكنت أرفض ولا أستجيب. ولا أظنّني فاعلة.
لم تقنعني يومًا بهرجة الأضواء التي ترافق الكتابة، بل كنت أجد فيها توهّجًا يحرق العيون ويعمي الكاتب عن الرؤية ويشغله عن رؤاه الداخليّة العميقة، حيث النور يقود إلى مغارة ميلاد الكلمة. وليس الأمر خجلًا من شكل قد لا تستمرئه الكاميرا، فليس لأحدنا دور في تكوين ملامحه، أو خشية من تلعثم أو ارتباك أو جهل، والذين يعرفونني أعلم. بل لأنّني مقتنعة بأنّ الكتابة لا تنسجم مع النجوميّة والعلاقات العامّة، هذا إن كانت الكتابة بالنسبة إلى الكاتب ملجأه وملاذه ومتعته وخلاصه وغرفته السريّة وحديقته الخاصّة، فضلًا عن أنّني أعرف كم أنا عاجزة عن كبح جماح كلماتي التي قد تصير "فجّة واقعيّة" وهذا لا ينسجم مع الإطلالات الإعلاميّة التي تفرض لياقات معيّنة لا جلد لي عليها، وطاقة نفسيّة أفضّل توفيرها لحفلة توقيع أشعر بأنّني ألزم الناس بها ويخجلني ذلك. أمّا البيع والشراء فمن واجبات  دار النشر التي عليها أن تسوّق للكتاب لا للكاتب، وأن تصنع النجوميّة، إن كان لا بدّ من ذلك في عالم الأضواء والبيع والشراء، لا أن تستفيد منها. ولا أعتقد أنّ دار الفارابي هي التي جعلت كتاب "كريستين حبيب" يتفوّق على كتاب "عناية جابر"، أو أنّ دار الساقي هي التي جذبت الجمهور لكتاب "جاهدة وهبه"، علمًا أنّ "عروض الحديقة" لـ"عناية جابر" صادر عن الدار نفسها.

لا علاقة لهذا الكلام بمستوى كتاب الصحافيّة "كريستين حبيب" وعنوانه "لا تقطف الوردة" أو كتاب المطربة "جاهدة وهبه" وعنوانه "الأزرق والهدهد، عشق على الفايسبوك" أو رواية "علي الأميركاني" للصحافيّة هالة الكوثراني التي كان لها موقعها في الإحصائيّات، أو بغيرها من الكتب، ولي عودة نقديّة إليها كلّها، وقد تكون تستحقّ الكثير من الثناء والتقدير والتشجيع، بل الأمر يتعلّق بموضوع التقييم، إن في الجوائز العربيّة التي قيل في شأنها الكثير، أو لجان التحكيم، أو إدارات معارض الكتب، أو الإحصائيّات.
ولعلّنا في حاجة إلى قراءة هادئة في ما صار يطلبه جمهور القرّاء أو في معاني ظهور أسماء جديدة نسائيّة في الشعر والرواية والأدب، تحمل همومًا مختلفة وأفكارًا مغايرة وتطرح مقاربات تلائم عصر التواصل وحركة الشارع. فليس الأمر إذًا محصورًا في جردة حساب عند آخر المعرض، ولا في مقابلات ومقالات تنتهي آثارها مع نهاية النهار، بل في ما تضيفه هذه الكتابات إلى الحركة الثقافيّة، وفي الفكر واللغة والجماليّة وفي الجمع بين التجديد والأصالة، وكلها عناصر لا يكتمل العمل الأدبيّ من دونها.
مرّة ثانية، شكرًا لكلّ الأصدقاء والأهل الذين اشتروا الكتب (كتابي وكتب سواي) من دون أن يعرفوا محتواها أو قيمتها، لكنّهم أتوا واشتروا وأوجدوا حركة، وفي الحركة برَكة، والأمل، كلّ الأمل أن يقرأوا ولا يندموا على ما دفعوه أو على الوقت الذي خصّصوه لنا في حفلات تواقيع، باتت شرطًا في عالم التسويق. ومبروك لكلّ من حقّق نسبة مبيعات مرتفعة في انتظار مبروك كبيرة حين يعطيهم النقد العلميّ حقّهم.

هناك 6 تعليقات:

غير معرف يقول...

لأول مرة نقرأ نقداً جريئاً لاذعاً يعبر عن واقع الحال في عالم الأدب والشعر. لك التقدير.

ماري القصيفي يقول...

هذه المدوّنة ساحة الحريّة التي أمارس فيها ثورتي، يكفيني الرقيب الداخليّ الذي يقيّد أصابعي وهي تكتب للصحف ويقودها إلى حيث تناسب الرقيب الخارجيّ ولا تثير غضب أحد

شكرًا على التقدير

غير معرف يقول...

الكلمة الصادقة تبقى والنص المتين يدوم والكتاب الجميل كنز. أما صف الأحرف وجمع الكلمات فإلى زوال.

ماري القصيفي يقول...

صحيح من حيث المبدأ،
لكن نجوم اليوم لا يعبأون بحكم التاريخ، يريدون الربح السريع والأكل السريع والإيقاع السريع، كأنّ الغد غير موجود.

غير معرف يقول...

هناك دائما حلقة ضائعة بين الكاتب والقارئ ، بين السينمائي والمشاهد، بين الفنان والمستمع، دائما ما يصعب على الجميع معرفة كيف يمكن تقديم ادب جيد او سينما مميزة او فن جميل ويقرأه ويشاهده ويسمعه الانسان العادي، يقال الفن الهابط او الادب السيء او الافلام السطحية سببها المنتج او المخرج وهناك من يلوم الناس التي تذهب وتلجأ الى هذه الابواب .. ولكن اعتقد ان مقالك هنا اصابته هذه الحلقة الضائعة، فكأنك لم تلومي احد ولمت الجميع في نفس الوقت، من الكاتب الى الناشر الى القارئ، لم يعتبر احد يوما ان احصائيات معرض كتاب هي التي تمنح كتاب ما التقييم الحقيقي، لكن في نفس الوقت لا يمكن الحكم على تجربة ما بالشخص الكاتب، فقد تكون كريستين مشروع شاعرة وقد يكون مكانها ليس الا امام كاميرا، وقد يلفتنا نص جاهدة اكثر مما لفتنا صوتها وقد تبرع هالة في كتابة رواية اكثر مما تنجح فيه بادارة مجلة ما .. لكن المهم هو دور الناقد الذي اصبح مغيب، فهو الذي يجب ان يقرأ ويقيم ويحكم على كل كتاب يقع بين يديه وينصح القارئ ماذا وكيف ولماذا يقرأ هذا الكتاب .. الكتابة هي تجربة والنشر " مسؤولية " واصبحت مهنة يبغى منها الربح، لكن المشكلة ان اراد الناقد ان يربح من الكاتب والناشر قبل ان يربح مصداقيته امام الناس

ماري القصيفي يقول...

اللوم طبعًا على النقد، وأنا أوافق على أنّ من حقّ كلّ إنسان أن يرغب في الانتقال من مجال إبداعيّ إلى آخر (قد يبرع فيه ويحلّق)، ولكن من واجب النقد الموضوعيّ أن يعطي رأيه في نجاح هذه الخطوات أو فشلها، وما الأسماء التي طرحتها سوى أمثلة تستحقّ أكثر من أن تكون مجرّد أرقام على "شبّاك تذاكر" المعرض، وأصحابها ليسوا طارئين على عالم الفنّ والتعبير والكتابة. وفي انتظار هذا التقييم النقدي البنّاء، ستبقى إنتاجات دور النشر أمام علامة استفهام كبيرة