الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الأربعاء، 31 أغسطس، 2011

أبوّة بالإكراه


ينظر الشاعر إلى بطن زوجته المنتفخة بالحياة، المستعدّة للحظات المخاض، ويحاول أن يتذكّر كيف وصلت إلى بيته.

من المفترض أن يكون هو الممتلئ حياة، والوحيد الذي يتمخّض صورًا وكلمات، والوحيد الذي يحقّ له امتلاك القدرة على إعادة تكوين العالم والكائنات. وها هي المرأة التي لا يعرف هو نفسه كيف اقتحمت مكتبته واحتلّت صورتها المكان المعدّ للوحة تشكيليّة جديدة، تضاف إلى المجموعة التي يتباهى بها أمام أصدقائه وزملائه. ها هي تلك المرأة تنافسه في عمليّة الخلق وتحمل إلى الدنيا طفلاً منه هو، هو الذي يعرف أكثر من سواه كم أنّ هذه الحياة هشّة وعابرة، ولا يجوز له، مهما بلغت مزاجيّته وتطوّرَ جنونه، أن يساهم في جلب طفل عاجز إلى حلبة الصراع فيها.

ينظر الشاعر ويرى أكثر ممّا أراد منه أن يرى خلال التصوير الصوتيّ. يرى الطفل السابح في ماء الأم والمولود من مائه هو، ويتساءل: هل سيغرقه العالم في مستنقع النتن؟ يسخر الجنين منه ويتحدّاه. الجنين المغمض العينين على حقّ. فالشاعر المؤتمن على الحداثة ورافع لواء الخروج على التقاليد الفكريّة والموروثات الشعريّة مدعوّ الآن إلى السهر على مولود ضعيف يجب أن يربّى على التمسّك بالتراث والعادات كي لا يزعل جدّاه، ويجب أن يكون "موزونًا" كي لا يسخر منه أترابه، وأن يحترم "القواعد"، وأن يبتعد عن "الشياطين" من الأولاد لأنّ شياطين شعر أبيه لن تستطيع حمايته، وعليه أن يمضغ الطعام جيّدًا وألاّ يلوك مفرداته وألاّ يطيل السهر خارج البيت...لكن من سيعلّم المولود الجديد هذه الأمور وأبوه منشغل بتحرير المجتمع من القيود، والقصيدة من الاجترار، وأمّه تبحث في كلّ نصّ عن المرأة الجديدة التي دخلت عالم زوجها الشعريّ، أو عن تلك العائدة مع غيم الذكريات من ماضٍ لم تكن، الزوجة الأمّ، موجودة فيه بعد. إلّا أنّها ستحاول أن توحي للجميع بأنّها سيّدة الكلمات التي قيلت في انتظارها، وتقال احتفاء بوجودها.

الوالد الناقد وصاحب القلم الذي يخاف من كثرٌ من الذين يكتبون وينشرون، يخاف ألّا يكون مولوده على مستوى الآمال والتوقّعات، ويخشى أن يكره طفله الشعر والشعراء، وأن يسخر من اللغة العربيّة ويرفض متابعة دروسها لأنّها تذكّره بوالده الذي يعمل ليل نهار بحثًا عن كلمة في غير موضعها ليحذفها من نصّه أو لينهال تأنيبًا على صاحبها إن كان النصّ لسواه، ومع ذلك لا يجد الوقت لتبادل الكلمات مع ابنه...وعند ذلك يلوم المعلّمة لأنّها لم تعرف كيف توصل الجماليّة الشعريّة إلى عقل ابنه.

الوالد الشاعر، والأب الروحيّ لشعراء كثر يمشون على خطاه، ها هو يستعدّ لحمل طفله، وفي ليالي الأرق الوالديّ والقلق الشعريّ سيتذكّر كم مرّة سخر من أصدقائه المتزوّجين والمنجبين، وسيرى إلى صورته في المرآة بعينين شبه ناظرتين، ولن يسمع إلّا صوت البكاء الجائع، ولن تداعب حاسّة شمّه سوى رائحة السائل الأبيض الفاتر ينتظره فم الرضيع. سيتذكّر ويبتسم. وحين يجلس ليكتب بعد صمت الجوع ونوم النعاس سيستعيد ذكرى الحريّة، وينطلق محلّقًا، بعيدًا عن المنزل الذي لا يدري كيف جال على معارض المفروشات ليجد له أثاثًا يلائم ذوق العروس التي انتفخت بطنها في سرعة، ولم تدع له فرصة البحث في المعاجم والقواميس عن وصف لما فيه الآن: رجل متزوّج، والد خائف أم شاعر عازب جدًّا.

ليست هناك تعليقات: