الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الأحد، 14 أغسطس، 2011

العروس وثوب الحداد الأسود

الصورة لباتريك نوتلي

كانت العادة في قريتي وفي كثير من القرى والبلدات المسيحيّة أن تحضّر العروس ثوبًا أسود رسميًّا خاصًّا بالمآتم، وذلك في الوقت نفسه الذي تحضّر فيه ثوب العرس الأبيض.
إنّه الموت الكامن في قالب الحلوى، أو الذي يطفو على سطح حقيبة الملابس التي لم تُلبس بعد، بل حضّرت لتبدأ بها العروس رحلة العمر الجديدة.
فستان العرس يلبس مرّة واحدة، ثمّ يخبّأ إذا كان لصاحبته، أو يعاد إلى مالكيه إذا كان مستعارًا أو مستأجرًا. أمّا الثوب الأسود فهو للعروس بلا منازع أو شريك، تضعه في الخزانة، في أقرب مكان تصل إليه يدها في سرعة متى ارتفع الصراخ في القرية، أو دقّ جرس الكنيسة حزنًا، ليعلن وفاة صار من الواجب أن تشارك العروس في مراسمها. لا أحد يعرف متى يأتي السارق، ولذلك على الفستان الأسود أن يكون حاضرًا وأنيقًا ورصينًا وبسيطًا مع غطاء الرأس اللائق ليلائم المأتم وما يليه من مناسبات تذكاريّة تكريميّة.
والمفارقة في قريتي وفي كثير من القرى والبلدات المسيحيّة أنّ زيّ المرأة يتغيّر تمامًا متى ماتت. فتعود في مأتمها إلى اللون الأبيض "العرائسيّ" إذ يلبسونها ثوبًا يحاول أن يشبه ثوب العرس، وقد يكون نفسه إن كانت المتوفاة شابّة. أمّا اللواتي يحطن بها فيغرقن في السواد الذي أحضرنه مع ملابس الفرح في ما يسمّى "جهاز العرس". فعلى المرأة إذًا أن تتذكّر وتذكّر الآخرين أنّ الحياة والموت يتجاوران ويتلازمان ويتصادقان ويولد الواحد منهما من رحم الآخر. أمّا الرجل فهو في الحالين في الأسود المحايد، أكان عريسًا للفرح أو عريسًا للموت، وفي مرّات كثيرة كانت بذلة العرس هي نفسها بذلة الدفن إن لم يغيّر الزمن مقاييس الجسم.
المرأة رحم الحياة ومثواها الأخير.
من حضنها يولد الفرح، وفي حضنها يدفن الألم. في حضنها تضع رضيعها، وفي حضنها يلقي رأسه زوجها وفي حضنها تحاول أن تعيد الحرارة إلى جثّة ابنها. لذلك كان عليها أن تحمل الفستان الأسود البسيط والأنيق والمحتشم لترتديه إلى القدّاس الأوّل الذي تشارك فيه مع عريسها يوم الأحد الذي يلي العرس. فيوضع لهما كرسيّان في الصفّ الأماميّ كما في العرس تمامًا، ويكون كلاهما غارقًا في الأسود ليعلنا الأمر للجميع: لقد صار في إمكان العروس أن تشارك في مآتمكم، فموتوا مطمئنّين.
قبل ذلك، كانت فتاة عذراء لا يحقّ لها أن تشارك في حياة القرية الاجتماعيّة الحزينة، فهذه المناسبات للمتزوّجات أمّا الآنسات ولو صرن عوانس فمعفيّات من هذا الواجب: البنات ما بيحدّوا (أي لا يرتدين ملابس الحداد) وما بيحضروا دفن.
أمّا بعد أن باركها رجل الدين، وولجها رجل البيت، ووصل الخبر إلى رجال القرية معلنًا براءة ذمّتها وطهارة ثوبها وجسدها، فصدر العفو عنها وصارت مستعدّة للمشاركة في مراسم الدفن وازداد بذلك عدد النادبات واحدة.
كان ثمّة موت إذًا في كلّ عرس: تموت ابنة فلان لتولد زوجة فلان ثمّ أمّ فلان. وعلى الدم الأحمر أن يسيل ليفصل بين مرحلتي الأبيض والأسود، ليتمّ الانتقال من العهد القديم إلى العهد الجديد الذي تشهد المرأة على بدايته بجسمها وثوبيها المتناقضين والمتكاملين. فهل كان الناس في لاوعيهم الجماعيّ يرون في اللون الأبيض كفنًا يدفنون فيه عذريّة الفتاة؟ وهل رأوا في اللون الأسود عتمة الرحم الذي ستولد منه الحياة بعدما صارت العذراء امرأة؟ ومتى فهم الناس للمرّة الأولى أنّ حبّة الحنطة إن لم تمت لن تثمر؟ ومتى ربطوا بين الحياة والموت، بين العتمة والضوء، بين الذكر والأنثى، بين الشرّ والخير؟
والسؤال الأهمّ: متى توقّفوا عن الفهم؟ وما الذي دفع المرأة المعاصرة إلى استبدال ثوب العرس الأبيض باللون العاجيّ أو الفضيّ، وثوب الحداد الأسود بثوب سهرة أسود يجذب أنظار الرجال فتترك المرأة زوجها وتتبع رجلاً "يفهمها أكثر"؟ وهل يمكن أن تحدث هذه التغيّرات الجذريّة والمصيريّة في عمر واحد يمتدّ من الجَدّة التي لا تزال تحتفظ بطرحة الثوب الأبيض ومنديل الندب الأسود، إلى الحفيدة التي تضع صورتها بالمايوه السترنغ على صفحة الفايسبوك؟

ليست هناك تعليقات: