الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الأربعاء، 22 ديسمبر 2010

الكتابة عن الآخر بوصفها إغراء (1)

Nigel Rolf
Helen Levitt
Evelyn Hofer - 1997
Andre Kertizs
Allen Frame - 2007
الآخرون ليسوا آخرين بالمعنى الحقيقيّ للكلمة. الآخرون هم نحن ولكن مع وقف التنفيذ. أهلنا، إخوتنا، أصدقاؤنا، زملاؤنا، الناس الذين نلتقيهم في الشارع ونراقبهم من دون أن نوحي لهم بذلك، ويراقبوننا من دون أن يوحوا لنا بذلك، جميعهم صورٌ عنا تنتظر مختبر التظهير ليُخرج وجهنا الآخر، الوجه الذي نرغب فيه أو نهرب منه. وعندما نجلس لنكتب يحضر هؤلاء الآخرون في قوّة، وتتداخل صورتنا (صوَرُنا) مع صورهم. وعندما ننتهي من الكتابة نتساءل: أكنّا نكتب عن أنفسنا أم عنهم؟
أكثر الناس تضررًا من كتاباتنا هم أقرب الناس إلينا. وغالبًا ما يرفض هؤلاء الطريقة التي نصفهم بها، ويعتبون حين يجدون أنفسهم ممدّدين على الصفحات، كأنّهم على طاولة تشريح تمعن الأقلام في حفر أجسادهم وعقولهم وشخصيّاتهم بلا تردّد أو خوف. وكثر هم الآباء والأمّهات والأخوة الذين ما كانوا ليوافقوا على أن تخرج قصصهم العائليّة إلى العلن لأنّ كاتبًا في العائلة أراد أن يكتب، ووجد أنّ الأقربين أولى بالمعروف. وكثر العشّاق والأصدقاء والزملاء الذين طالتهم الكلمات وأخرجتهم من العتمة إلى الضوء. فعندما نكتب عن العابرين الغرباء لا نخشى اللوم أو العتب، أمّا عندما نكتب عن الذين نعيش معهم وبينهم نعرف في أعماق ذواتنا أنّ ما نفعله نوع من التعدّي والتحدّي، لكنّنا لا نستطيع أن نمتنع عنه، لأنّ الشخصيّة التي تسكن معنا تسكن فينا، وبالكتابة نستطيع أن نخرجها منّا لنواجهها، بجمالها وقبحها، وعندئذ فقط قد نفهمها ونتصالح معها.
هل يعني ذلك أنّ الكلمة أهمّ من الإنسان؟ وهل يعني ذلك أنّ على الكتابة ألاّ تستأذن إنسانًا سيصير، بقرار أدبيّ إبداعيّ، كلمة منتشرة بين الناس؟
عام 1960 قال مارون عبّود في حديث مع الصحافيّ فؤاد مطر: "أنا أكبر ممثّل، أنا الوحيد الذي سجّل ما يدور في الدنيا الكبيرة، وكنت دائمًا البطل. كنت أمثّل كلّ ما أراه يتحرّك حولي في كلّ زاروب من زواريب قرى لبنان".
لم يكن مارون عبّود بالتأكيد الوحيد الذي فكّر بهذه الطريقة، ولعلّ المقصود بكلمة "أنا" الأديب في شكل عام، فهو الذي ينقل ما يجري في الحياة إلى الورق، وهو البطل في الوقت نفسه. ولكن إلى أيّ حدّ يحقّ للكاتب أن ينقل ما يشهد عليه؟ يجيب ميخائيل نعيمة عن هذا السؤال فينقل عنه جهاد فاضل في مجلّة "الحوادث" قوله: "أنا لن أكتب "ثمانون" أو "تسعون" [تتمّة لسيرة حياته "سبعون"] لأنّني في هذه الحالة سأضطرّ أن أكتب عن بيئة أعيش فيها حاليًّا وأتحدّث عن أشخاص أحياء".
واستطرادًا، هل يعني ذلك أنّ الكتابة تفترض بعدًا زمانيًّا وآخر مكانيًّا، مع موت الأشخاص المعنيّين، لكي لا تؤذي الكلمات أحدًا؟ كلام نعيمة يعني أن لا حدود أمام الكتابة ما دامت لا تمسّ أشخاصًا قد يرون حيواتهم على الورق بكلّ حسناتها وسيّئاتها. وفي حديث آخر لنعيمة مع متري سليم بولس نشرته مجلّة "الحوادث" عام 1978، قال: "لم أختر الكتابة عن جبران إلاّ لأنّ في حياته من المشكلات الروحيّة والماديّة ما يشبه إلى حدّ بعيد المشكلات التي واجهتها في حياتي". إذًا، الشرط الآخر للكتابة عن الآخرين هو أن نجد لديهم ما يشبه – وربّما يناقض تمامًا – ما نحن عليه.
الكتابة عن الآخر إغراء لا يتعرّض له في طبيعة الحال إلاّ الذين يكتبون. فعندما يجد أديب ما نفسه أمام نموذج صارخ بحضوره، وآسر بتمثيله جانبًا من جوانب الحياة، لن يستطيع إلاّ أن يخلّده في كتابة تأخذ من الواقع الشيء الكثير ويضيف إليها الفنّ ما يجعلها شاملة في إنسانيّتها. لا أعرف إن كان أحد قد سأل النماذج الحقيقيّة التي من لحم ودم عن رأيها لدى تحوّلها شخصيّات من حبر وورق. ولكن من المؤكّد أنّ الأديب، ومهما تكن ردود فعل شخصيّاته الحقيقيّة، لن يستأذنها ولن يسألها إن كانت ترضى أن يضعها بين أيدي الناس. لذا يبدو الأدباء واضحين في خياراتهم: الإنسان أوّلاً كموضوع هشّ وسريع الزوال، ولكن الكلمة هي التي تخلّده وتجعل ذكره مؤبّدًا. فالكلمة هي التي أبقت وجوهًا قرويّة أو مدينيّة كثيرة كانت ستموت في صمت لو لم تلتقطها عين مارون عبّود مثلاً، أو ميخائيل نعيمة أو توفيق يوسف عوّاد أو يوسف حبشي الأشقر أو الياس خوري أو حسن داود أو رشيد الضعيف وسواهم من راسمي النماذج. وإذا كنّا نحصر الكلام في الأدب اللبنانيّ فلاستحالة الإحاطة بهذا الموضوع الدقيق في إضاءة سريعة.
مع استعادة ما قرأناه خلال حياتنا، يتّجه تفكيرنا إلى أنّ شخصيّات كثيرة رافقت بداية اطّلاعنا على الأدب اللبنانيّ ليت بالضرورة على علم بأنّها موضوعًا دراسيًّا بين أيدينا. ولم يخطر في بال إحداها أنّها ستكون مادّة لا تموت، أو أنّ الكثير ممّا فعلته لم يبتلعه النسيان بعدما أتيح له من يسجّله ويحفظه. ومن المفارقات أن يكون أكثر هذه الشخصيّات حياديًّا أو عاديًّا أو هامشيًّا لا يتوقّع أن يكتب عنه أحد أو على الأقلّ أن ينتبه إليه أحد. ولو قيل لأحد أبطال القصص إنّه كذلك لظنّ أنّ في الكلام سخرية وإساءة. (وللكلام تتمّة)

هناك تعليق واحد:

وادي المعرفة يقول...

وسكتت عن الكلام المباح
..فذرتني كالحفِي في الحَرّة.
(بعْدنا) في أول السمر ياماري، وما سامحتك إلا لأنك ذكرتي أبي (مارون)مرتين.
تحاواني قتلني الشوق ..
وتممها، وكلّك ذوق
تحاواني
...
عقدتي للنص على لوحاته الخمس على مذهب الجمال والفن فتمّ القصد..
عافاك.