الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الثلاثاء، 13 يوليو، 2010

وطن من عمر أبنائه

وسط بيروت

نهر الدامور

كورنيش المنارة


جبيل



أرز الباروك


لا أعتقد أنّ ثمّ بلدًا آخر يرتبط تأسيسه كدولة / لا تاريخه كوطن/ واحتمال بقائه بعمر بعض أبنائه الذين صنعوا بعض مجده. لذلك نجد أنفسنا أمام رحيل مبدع في أيّ مجال من مجالات العلم والأدب والفكر نعيد طرح السؤال عن مصير لبنان بعده، كأنّ هذا البلد هشّ إلى درجة أنْ نخشى عليه من التفتّت ما أن يغيب هؤلاء الذين واكبوا تأسيسه منذ ما يقارب السبعين سنة.

فمنذ رحيل ميشال شيحا وميشال أسمر وميشال أبو جودة وموسى الصدر وكمال جنبلاط وكميل شمعون وصائب سلام ومجيد أرسلان وشارل مالك وعاصي رحباني وأمثالهم، ونحن نتساءل عن هذا اللبنان الذي صنعوه بالفكر والسياسة والكلمة، وعن قدرته على الصمود أمام تغيّرات مصيريّة تجعله في حالة دائمة من السعي الى تحديد الهويّة وتفعيل المؤسّسات واستباق التغيّرات في المنطقة. ولا أذكر أنّنا سمعنا أو قرأنا مثل ذلك في الدول الأخرى، فلا موت جمال عبد الناصر وأم كلثوم ونجيب محفوظ هدد صورة مصر، ولا اغتيال جون كينيدي وغياب ألفس بريسلي وأرنست همينغواي أخافا الأميركيّين على مصير بلادهم، ولا رحيل شارل ديغول وإديث بياف وجان بول سارتر جعل الفرنسيّين يسألون عن صورة فرنسا بعدهم. والأمثلة أكثر من أن تحصى في هذه البلدان وسواها، غير أنّنا في لبنان نعيش دائمًا مع هاجس الزوال، كأنّ هذا الوطن مجرّد فكرة جميلة تجسّدت في موقفٍ سياسيّ وكلماتِ أغنية وتحليل مفكّر،وليس كيانًا صامدًا أطول عمرًا من أبنائه وأكثر ديمومة منهم.


ألذلك لا نستطيع مثلاً أن نتخيّل لبنان من دون فيروز وصباح ووديع الصافي؟ وهل لذلك كتبنا، في حينه، مخاوفَنا مقالاتٍ تسأل عن صورة هذا البلد بعد عاصي ومنصور وفيلمون وهبه وزكي ناصيف وتوفيق الباشا صانعي مجد الأغنية اللبنانيّة؟ قبل جبران خليل جبران ومقالته المعروفة عن الفَرق بين لبنانه ولبناننا، وبعده، كان ولا يزال راسخًا في بالنا أنّ هذا الوطن لا يشبه غيره من الأوطان، ولشدّة ما ربطه الأدباء والشعراء بالكتب المقدّسة وأعطوه صفات سمويّة، صارت الأرض قطعة من الجنّة يعيش فيها أرز الربّ وبدا ناسه أصحاب رسالة، يقبلون ما كُتب لهم ويتحملون الحروب والمجاعة والاحتلال ولا يثورون، كأنّ البلد بتركيبته السياسيّة القائمة على توازنات بين مختلف العناصر المكوّنة له يحتاج إلى دعائم من غير هذا العالم كي يبقى ويستمرّ. لا شكّ في أنّ الأدباء المهجريّين احتاجوا إلى هذا الوطن الحلم رفيقًا لهم في رحلة اغترابهم القسريّة، فبنوه على أرض من اشتياق ورووه بدموع الحنين وسيّجوه بأقلام تمتصّ نسغها من خرير مياهه ووشوشات نسائمه. ثمّ أتى الأخطل الصغير (1885) والياس أبو شبكة (1903) وصلاح لبكي (1906) وسعيد عقل وميشال طراد (1912) والأخوان عاصي ومنصور رحباني ( 1923 و 1925)، وغيرهم ممن ولدوا مع ولادة لبنان الكبير، وظهر إبداعهم مع إعلان استقلاله، ليساهموا في شكل أساس في ترسيخ هذه الصورة وتسويقها شعرًا وأغنيات. وليست مصادفة أن يكون معظم هؤلاء مسيحيين، فالمسلمون مطمئنّون إلى محيطهم والخليج ولا يبحثون عن جذور في السماء كما هي حال المسيحيين، والموارنة تحديدًا، على رغم كلّ ما يقولونه عن تباهيهم في كلّ مناسبة بمحافظتهم على اللغة العربيّة.

وإذا كنا نفهم الأسباب النفسيّة للمهجريّين في التمسّك بوطن ليس من هذا العالم، فليس بوسعنا إلاّ التساؤل عن دوافع المقيمين. فهل هم، على مثال المهجريّين، اعتبروا أن لبنان الذي يريدونه سيكون أكثر أمانًا وأطول عمرًا في الشعر ممّا سيكون عليه في الواقع، لا بل لا يمكن أن يوجد إلاّ في الشعر ومحال أن يتحقّق في الواقع؟ لا شكّ في أنّ الحرب اللبنانيّة أكّدت لكثيرين صحّة هذا الاعتبار. لذلك نجد أنفسنا مدفوعين دائمًا للبحث عن دور لهذا البلد يبرّر وجوده ويذكّر العالم بالحاجة إليه، فهو بوابةُ الشرق والغرب، وملتقى الحضارات، وأرض القداسة والقدّيسين، وسويسرا الشرق، ومهد الأبجديّة، ولبنان الرسالة. وحين يغيّب الموت أحد رموزه الإبداعيّة يصيبنا الهلع كأنّ جزءًا ممّا كان يشكّل هذا الكيان ضاع إلى الأبد. وسيبقى الأمر كذلك ما دام اللبنانيّ يطمئنّ إلى طائفته أكثر ممّا يطمئنّ إلى الدولة، وما دامت الدولة ملكًا لأفراد يصادر قويُّهم إدارةَ شؤونها، وما دامت هذه الشؤون غير منضبطة بنهج مؤسّساتيّ. لذلك مشروعٌ خوفنا على وطن نندبه كلّما رحل كبير من كباره، وفي الوقت نفسه مهينٌ بكاؤنا على أطلال مجد تركناه محنّطًا في متحف التاريخ ولم نزرعه مواسم خير لا تتعب من العطاء.
صحيفة النهار - الثلثاء 13 تمّوز 2010

هناك 8 تعليقات:

Ebtsam يقول...

السيد المدون،
تحية طيبة وبعد..
نصدر في القاهرة مطبوعة ورقية بعنوان "وصلة"، تهدف "وصلة" إلى أن تكون حلقة وصل بين المدونين ونشطاء الإنترنت وبين قادة الرأى العام والإعلاميين والجمهور العادى الذي قد لا يمتلك القدرة على متابعة كل ما يجري على الانترنت.
ونحن ندعوك للمشاركة معنا في "وصلة" من خلال السماح لنا باستخدام تدويناتك، وإعادة نشرها في "وصلة".
-برجاء: سرعة الرد.
ابتسام تعلب


الايميل : wasla@anhri.net
موقع وصلة : http://wasla.anhri.net/

Ebtsam يقول...

السيد المدون،
تحية طيبة وبعد..
نصدر في القاهرة مطبوعة ورقية بعنوان "وصلة"، تهدف "وصلة" إلى أن تكون حلقة وصل بين المدونين ونشطاء الإنترنت وبين قادة الرأى العام والإعلاميين والجمهور العادى الذي قد لا يمتلك القدرة على متابعة كل ما يجري على الانترنت.
ونحن ندعوك للمشاركة معنا في "وصلة" من خلال السماح لنا باستخدام تدويناتك، وإعادة نشرها في "وصلة".
-برجاء: سرعة الرد.
ابتسام تعلب


الايميل : wasla@anhri.net
موقع وصلة : http://wasla.anhri.net/

غير معرف يقول...

مقالة جميل جدا، وذكية.
في اعتدالك تبرعين حين تكتبين، وكبد الحقيقة تصيبين.
لو بقيت طيلة حياتك معتدلة. وقد قيل خير الأمور أوسطها
في الإعتدال تصبح كلماتك كالسلسبيل.
تحية مع كل الاختلاف بيننا.

majd يقول...

بالطبع تصيبين في بعض ما قلت فيما يتعلّق بلبنان، لكنّي بكل صراحة بدأت أشعر بالقرف من العنصريّة المتأصّلة لدى غالبيّة اللبنانيين في شتى الميادين.
لا ليس لبنان قطعةً من السماء وليس أجمل الأمكنة على هذه الأرض.
لسنا حتماً أفضل الشعوب بل واقع الأمر أنّنا أتعسها وأكثرها اصتناعاً وكذباً.
نعاني مرضين في آن واحدٍ:
1- عنصريّة مقيتة لا معنى لها ولا أساس لرفعتنا المدّعاة مقارنةً بالشعوب والجنسيات التي نحتقرها.
2- عقدة نقص متأصّلة من الرجل "الأبيض" بحيث نسعى حثيثي الخطى إلى تقليده واتخاذه مثالاً أعلى.
لعلّني أكتفي بهذا المقدار من التعليق واعذريني على لهجتي التي إن دلّت على شيء فهي تشير إلى استيائي الشديد من واقع مجتمعنا.

مجد

ماري القصيفي يقول...

إلى غير المعرّف شكرًا مع الإصرار على الاختلاف
إلى مجد/ معك حقّ/ لست وحدك في هذا الغضب

غير معرف يقول...

عزيزتي ماري
نحن مختلفين من موقعين ونافذتين... خلت هنيهة في " الموارنة مروا من هنا" دراسة تاريخية نقدية تقارب الحاضر والماضي وتستخرج العبرة، فإذا بك تغرقين في لون الأزرار، ولا ترين الأمور إلا من خلال ما لحق بك من أضرار، وموضوعية الباحث صارت سرا من الأسرار.
ورغم ذلك حلمت بقراءتك في هذا الكتاب والحلم طار.
فهمتني خطأ، وما أرسلت هدية أو توددا، ولا ثمنا لكتاب أو قلم. بل شكرا عبرت عند بطريقتي، فتضاربت الأفكار.

ماري القصيفي يقول...

غير معرّف من الآخرين ومعروف منّي/ لا تزال الصورة عندك ناقصة ومشوّهة/ وسيأتي يوم تكتشف الكثير من الحقائق وستعذرني وتعتذر منّي

غير معرف يقول...

أعرف أكثر مما تعرفين، فأنا في داخل الهرم وفي قلب الحرم وأعرف أين الداء والورم. أضيئ شمعة ولا ألعن الظلام، أفعل ولا أكثر الكلام، وأؤمن أن لكل منا رسالة فليؤدها، وهنا تستقيم الأمور، ونكمل مسيرة التطور عبر العصور.
في الغرب تقل الأزمات وتصبح الحلول يسيرة، أما عندكم فتكثر الأزمات وتتراكم من كل حدب وصوب فتصبح المعالجات عقيمة، وكأنكم في دوامات لا تنتهي.
اتصارع مع إدارتي ومساعدي، أريد ان أتواضع في سيارة مقبولة فيرفضون ويريدون لي آخر موديل، إن عاندت ستلحقني ملامتهم كما لحقت غيري. عندكم تنقلب الآية. ما السبب في رأيك. وهذا مثل بسيط قد يُقاس عليه.