الأربعاء، 7 أكتوبر 2009

طلاّب اللغة العربيّة وآدابها



من يرغب اليوم في التخصّص في اللغة العربيّة وآدابها؟ سؤال يثير الجواب عليه مخاوف جدّية تقلق أهل الفكر والقلم والتربية. ولعلّ الجواب الساخر الذي قدّمه أحد آخر الأدباء الكبار دليل على مستوى الانحدار الذي آلت إليه أوضاع لغتنا الجميلة. فحين سئل الأديب الكبير عن أسباب هذا الانحطاط اللغويّ والأدبيّ أجاب: وكيف تريدون ألاّ يكون الأمر كذلك؟ فبعدما كان أحمد فارس الشدياق وبطرس البستاني وابراهيم اليازجي ومارون عبّود وسعيد عقل وخليل حاوي نماذج عن معلّمي اللغة العربيّة في المدارس والجامعات صارت زوجتي المصون هي معلّمة تلك المادة؟
وفي محاولة لتحسين واقع اللغة العربيّة ورفع مستوى طلاّبها وعددهم، تعمد الجامعة اليسوعيّة في لبنان إلى إرسال طلاّب يتخصّصون في الأدب العربيّ إلى كبريات المدارس اللبنانيّة في محاولة لإقناع تلاميذ الصفوف الثانويّة، الفرع الأدبيّ، بالتخصّص في اللغة والأدب. وكانت محاولات هؤلاء المندوبين فاشلة مع أنّهم حاولوا بمختلف وسائل الإغراء جعل هذا الاختصاص مرغوبًا، ثمّ استخدموا أساليب التحذير من فقدان هويّتنا القوميّة حين نبّهوا إلى أنّ ثمّة طالبين فقط ينهيان دراستهما في تلك الجامعة العريقة. ومع ذلك، بقي الجواب واحدًا عند تلاميذ الصفّ الثانويّ، وهو أن لا مجال للتفكير في هذا الخيار.
نحن في لبنان نعيش على أمجاد الماضي القريب ونفتخر بأنّنا حماة اللغة العربيّة وحافظو تراثها أمام حملات التتريك والتغريب، وهو أمر صحيح لا جدال فيه. ولذلك يبدو الخوف على هذه اللغة عندنا أمرًا مشروعًا إن افترضنا أنّ تدهورها في هذا الصرح يعني أنّها لن تجد حصنًا آخر لها يتمتّع بهذه الميزات الفكريّة التي توفّق بين عراقة الماضي وتحديّات الحداثة. ومن المهمّ في هذه العجالة التأكيد على أنّ الصحافة هي الوجه الأكثر تعبيرًا عن حال اللغة العربيّة وواقعها المزري. فحين تصير لغة الصحافة العربيّة مجموعة لا حصر لها من اللهجات المحليّة لا تفكّ رموزها إلاّ بعد جهد وعناء، نعرف أنّنا نحن الذين نشكّل خطرًا على لغتنا أكثر ممّا يفعل سوانا.
الأمر الثاني الذي يفضح واقع اللغة هو اختيار مدرّسيها، فليس صحيحًا أنّ أيّ رجل دين قادر على تعليم اللغة العربيّة لمجرّد أنّه ختم القرآن أو حفظ آلاف الأبيات من الشعر القديم كما كانت عليه الحال منذ عشرات السنين. وليس صحيحًا أنّ أيّ شاعر قادر على جعل التلاميذ يحبّون الشعر، أو أنّ أيّ حامل شهادة تعليميّة بارع في تحويل اللغة أداة تواصل طيّعة في متناول التلاميذ على اختلاف أعمارهم ومستوياتهم. ولذلك فمقولة "مين ما كان بيعلّم عربي" تشبه قولنا أنّ أيّ فرنسيّ يستطيع أن يعلّم اللغة الفرنسيّة لمجرّد أنّه فرنسيّ ويتكلّم باللغة الفرنسيّة.
الأمر الثالث هو زوال فنّ الخطابة كنوع أدبيّ شفهيّ راقٍ له ميزات وشروط، وترك المجال لمؤتمرات صحافيّة يسيطر عليها الصراخ وتتداخل فيها الأسئلة بالأجوبة، أو لكتّاب الظلّ الموظّفين الذين يحبّرون كلمات لا يحسن رؤساؤهم قراءتها.
الأمر الرابع هو الأغنيات. لقد كانت قصائد اللغة الفصحى لكبار الشعراء هي محكّ الموهبة عند الملحّن والمغنّي، وكان الناس يحفظونها ويردّدونها، أمّا اليوم فاللهجات المحليّة هي الطاغية، والمغنّون هم الذين يضعون كلمات أغنياتهم (ماجدة الرومي ونجوى كرم مثلاً) أو مؤلّفون لا علاقة لهم بالشعر. وفي كلّ ذلك دلائل فاضحة على ابتعاد اللغة الفصحى عن ذائقة الناس.
الأمر الخامس هو المسلسلات المدبلجة (ونستطيع أن نضمّ إليها الرسوم المتحرّكة). فعند انطلاق هذه الموجة كانت اللغة الفصحى هي السائدة، ثمّ تحوّل الأمر إلى اللهجة المحليّة (السوريّة واللبنانيّة) لسهول الكتابة ولتفادي الوقوع في أخطاء لغويّة ولإرضاء الناس، صغارًا وكبارًا.
ولا بدّ أنّ إحصاءات علميّة دقيقة ستظهر أنّ أكثر المتوجّهين إلى التخصّص في اللغة العربيّة هم من الذين رفضتهم الكليّات الأخرى ولم تقبلهم في عداد طلاّبها.

أنواع أدبيّة مندثرة

من سنّة التطوّر أن تزول أنواع لم تستطع مقاومة التغيّرات والتأقلم مع المستجدّات ما يؤدّي إلى اندثارها وانقراضها، وتطال هذه القاعدة الإنسان بكلّ أعضائه ومكوّناته والطبيعة بكلّ كائناتها وعناصرها والأفكار بكلّ اتجاهاتها وتنوّعها. والآداب والفنون التي تعبّر عن الإنسان والطبيعة والأفكار ليست بمنأى عن أن تصل إليها يد التغيير والتبديل. فها نحن نشهد على زوال أنواع أدبيّة كانت إلى زمن غير بعيد من صلب الحياة الفكريّة والنقديّة ومادة للدراسة والتحليل، لعلّ أكثرها وضوحًا اليوم الخطابة والرسالة وأدب الرحلات والمسوّدات.
*******
فمع تطوّر وسائل الإعلام لم تعد ثمّة ضرورة للخطابة الذي حلّت مكانها المؤتمرات الصحافيّة التي يعقدها السياسيّون، ولذلك كان من الطبيعيّ أن تتغيّر لغتها وبنيتها وأن تماشي قدرة الاستيعاب عند الناس والسرعة المطلوبة في العمل الإعلاميّ الحديث. وترافق ذلك مع فقدان ملكة اللغة عند الخطباء الذين لم يعودوا مجبرين على استخدام العربيّة الفصيحة، وإن فعلوا ارتكبوا ما لا يحصى من الأخطاء. وهكذا سيختفي نوع أدبيّ مميّز مع انقراض أرباب المنابر وأسياد الخطابة ولن نجد لاحقًا خطبًا من هذه المرحلة يمكن أن نعلّمها للأجيال الآتية، بل مجموعة مواقف انفعاليّة آنيّة تغيب عنها الجماليّة الفنيّة والهيكليّة المنطقيّة والأهداف المستقبليّة.
******
ومع رسائل الهواتف المحمولة وتلك الإلكترونيّة، صارت المراسلات بين العشّاق أو الأدباء مجرّد كلمات مختصرة وسريعة وعابرة لا تترك أثرًا ولا يحفظها تاريخ. وبعدما كانت حبرًا على ورق يقاوم الزمن وإن بهت لون الحبر واصفرّت الأوراق، صارت كلمات في مهبّ التكنولوجيا، تسهل كتابتها ويسهل تصحيحها ويسهل محوها. ولذلك لن يبقى شيء من ثورات الغضب والرغبة والأفكار. ولن تستطيع فتاة بعد اليوم أن تفتح خزانتها لتأخذ منها علبة صغيرة فيها رسائل قديمة ملفوفة بشريط مخمليّ أحمر تعيدها إلى زمن الحبّ، ولن تكون إلاّ تراثًا كلماتُ الرحابنة في أغنية "لا إنت حبيبي": ردتلو مكاتيبو وردّلي مكاتيبي.
******
أمّا أدب الرحلات فصار ترفًا لا يملك إمكان التنعّم به إلاّ من تسمح له الظروف بالتنقّل بين البلدان مستكشفًا. ومع ذلك فلن يصل فرد إلى إمكانات ماديّة هائلة تملكها وسائل الإعلام المرئيّة التي تستطيع أن تنقل كلّ واحد منّا وهو جالس على مقعده المريح من أعماق المحيطات إلى مجاهل أفريقيا إلى القطب الشماليّ إلى الكواكب والنجوم، وهذا ما لم يستطع تحقيقه أعظم الرحّالة في مختلف العصور. غير أنّ هذا لا ينفي وجود محاولات قليلة تصارع للإبقاء على أدب الرحلات هذا، عبر مقالات متفرّقة يعبّر فيها كاتبوها عن مشاهداتهم في ذلك البلد أو تلك الدولة، إن على الصعيد الحياة اليوميّة البسيطة أو مقاربتها من خلال علمَي النفس والاجتماع. ولكنّنا لا نستطيع وضع هذه المقالات، المتباعدة زمنيًّا في تاريخ نشرها وعدم وجود رؤية تحليليّة واضحة فيها، في خانة أدب الرحلات حتّى ولو جمعها كاتبها في كتاب واحد يحتفظ به للذكرى كما يحتفظ بألبوم الصور أو الأفلام.
******
المسوّدات التي خطّها الأدباء والشعراء والتي تحتفظ بها المكتبات الكبرى نوع آخر إلى زوال بعد تحوّل الكتّاب إلى الكتابة الإلكترونيّة. ولم يعد من مجال بعد الآن لمعرفة مسيرة النصّ من الكتابة الأولى إلى الشكل النهائيّ الذي وصل إلى الناس. وقد يكون النقاش الأدبيّ النقديّ الذي دار مؤخّرًا حول ديوان محمود درويش الذي طبع بعد رحيله، هو آخر الدراسات التي قارنت بين النصّ الأوّل (النصّ الشهيد كما يقال عنه في اللغة الفرنسيّة) وبين النصّ الأخير، متكّئة في ذلك على ما تركه الشاعر الفلسطينيّ بخطّ يده. بعد ذلك، لن نجد سوى النصوص بطبعتها النهائيّة ولن يجد مؤرّخو الأجيال القادمة ما يساعدهم على تتبّع تطوّره وملاحقة المحو والشطب والتصحيح والهوامش والخطّ ونوع الورق وما إلى ذلك من التفاصيل التي كانت إلى حين من صلب عمليّة الكتابة.
******
لا شكّ في أنّ ثمّة أنواعًا أخرى بديلة برزت وتبرز مستفيدة من تلاقي أنواع التعبير كالرقص والموسيقى والمسرح والتصوير، وهي وإن كانت لا تزال في طور التجريب بدأت تجذب جمهورًا من المبدعين والمتلقّين. ولا يزال الوقت مبكرًا للحكم على قيمتها ونتيجتها وتفاعل الناس معها.

الثلاثاء، 6 أكتوبر 2009

يلاّ تنام ريما أمام التلفزيون!




ليس لأولادنا مكان في زحمة الحياة، إلاّ في أسواق الأعياد وبين رفوف المتاجر الكبرى. هناك فقط يجدون تجّارًا يلبّون رغباتهم ويحاولون أن يؤمنّوا لهم حاجاتهم التي ليست حاجات بالمعنى الحرفيّ للكلمة، بل كماليّات تضمّ في لائحتها الطويلة الملابس الحديثة والأحذية الرياضيّة والألعاب الإلكترونيّة والحلويات الأجنبيّة.

بعيدًا عن ذلك، ليس لأولادنا أيّ نشاطات ترفيهيّة عامّة، وليس لهم بالتأكيد من يروي لهم حكايات أو من يكتب لهم كلمات أغنيات أو من يؤلّف لهم برامج تلفزيونيّة أو ينتج لهم أفلامًا سينمائيّة أو مسرحيّات تخاطب ذكاءهم ولا تعاملهم كأنّهم سذج لا يعرفون اللون الأحمر إلا من خلال ذات القبّعة الحمراء.

فعلى صعيد الحكايات الشعبيّة بات شبه محسوم أنّها إرث على طريق الزوال والاختفاء. وقد صار غريبًا ومثيرًا للسخرية أن يروي أحد كبار العائلة حكاية لأطفالها. فهذا فنّ منقرض، والجدّات اللواتي كنّ يحكين الحكايات ويحكن الكنزات صرن يتابعن مع الأحفاد المسلسلات العاطفيّة، فتساوت الأعمار وأصبح الصغار يعرفون كلّ ما يعرفه الكبار لا بل أكثر.

أمّا قصص الأولاد المكتوبة فعالم شاسع تتداخل فيه لسوء الحظ مجموعة أمور نكتفي في هذه العجالة بالإشارة إلى عنوانها: تجارة الكتب سوق للربح للمدارس ودور النشر والمطابع والمؤلّفين.

أمّا عن الأغنيات والتهويدات فما زلنا نلجأ إلى أغنيات فيروز وشوشو وماجدة الرومي وسامي كلارك حين نريد أن نرسل هديّة إلى ولد لبنانيّ في بلاد الاغتراب، وهي على جمالها الكلاسيكيّ تحتاج إلى ما يرفد معانيها بأغنيات جديدة تواكب أجيالاً من الأطفال تقبع أمام شاشات التلفزيون والإنترنت. كأنّ "ريما" التي غنّت لها فيروز كي تنام في فيلم "بنت الحارس" تلك التهويدة التراثيّة ما عادت تحبّ النوم إلاّ على صوت زعيق الرسوم المتحرّكة في سرعة وصخب.

الخلل النفسيّ واضح عند الأولاد والمراهقين: ميل مخيف إلى العنف، انزواء وابتعاد عن حياة الجماعة والاكتفاء بحلقة الأصدقاء الضيّقة، إدمان الهرب عبر: التلفزيون والإنترنت والمخدّرات والأدوية، كسل واستسلام كليّ إلى حال التلقّي السلبيّ من دون أي رغبة في القيام بأي مجهود. وهم بذلك يشيخون في مقتبل العمر، فتبدو المطالبة لهم بأغنيات وحكايات نوعًا من الغباء. ولكن أليست كلّ عمليّات الإنقاذ محاولات غالبيتها لا أمل لها ولا احتمال نجاح؟ ألا يجب أن تكون مسيرة الإنسان سعيًا دائمًا نحو مستقبل أفضل؟ أليس المفروض أن نزرع الحقول والعقول كي تأكل الأجيال الآتية ثمرًا وتحصد نجاحًا؟ثقافة الأولاد اليوم إنتاج لغات غريبة يلتقطون فتاتها من خليط ما يسمعون من أهاليهم وموظّفي الخدمة في بيوتهم وشخصيّات التلفزيون وألعاب الإنترنت والفيديو، وهي لا تؤسّس لحضارة ولا تعد بإنتاج.

ومع غياب إبداع خاص بهم يخاطبهم مباشرة ويغذّي مخيلتهم ويلوّن رتابة أيّامهم ويربطهم بتراث قابل للحياة والاستمرار لن نستغرب إن اكتشفنا في يوم قريب أنّ أطفال لبنان ليسوا أولاداً، إنّما هم مسوخ مخيفة تتزيّا بمظهر البراءة لتخفي ما تضمر من غضب وحقد على كلّ ما ومن حولها.

لقد شاخت شانتال غويا المغنية الفرنسيّة التي نذرت عمرها وفنّها للأولاد وما زال الساعون للترفيه عن الطفل يلجأون إلى خدماتها ويستحضرونها على مسارحنا في محاولة يائسة لإبقاء ما يسمّى بنشاطات للأولاد. ولكن ماذا بعد؟ وما هي البدائل الفنيّة يوم تعجز غويا عن القفز على المسرح مع شخصيّاتها المرحة، ولماذا لم نستطع أن نؤسّس لحالة فنيّة هادفة، عوض هذا الهذر والنطّ والأزياء التي تهين النظر؟

فيا جماعة الشعر والموسيقى والمسرح، بحسنة هالطفالا (الله يوجّهلك الخير يا كميل سلامة) اكتبوا للأولاد أغنيات توقظهم - بعدما شبعوا نومًا - على قيم الحقّ والخير والجمال قبل أن تصير أغنية "شخبط شخابيط" نشيد الطفل اللبنانيّ وأغنية "بوس الواوا" تهويدة ما قبل نومه؟

*صحيفة النهار - الثلاثاء 6 تشرين الأوّل 2009

طرفة بن العبد وقاسم حدّاد شاعرا المراهقة والحكمة



عهد كنت لا أزال في عالم التعليم والتربية، أثرت مع تلاميذي في مناسبات لا تحصى موضوع الشاعر الجاهليّ طرفة بن العبد، وكنت دائمًا أذكّرهم بأنّ كلّ واحد منهم فيه شيء من هذا الشاب الثائر، وإلاّ لما كان مراهقًا حقيقيًّا.
وكنت ولا أزال أرى أنّنا لم نسمح للشعر الجاهليّ الذي وصلنا، بغضّ النظر عن قائليه ورواته وحقيقته، بأن يواكب العصر، إذ يكفي أن "نترجم" كلماته ومعانيه إلى لغة اليوم العربيّة حتّى يجد فيه الناس صدى لأفكارهم وصراعاتهم ومشاعرهم. ولهذا يظلم هذا الشعر، مرّة بحجّة الدين ومرّة بحجّة الجهل، ومرّة بسبب الشكوك، ولعلّ هذا ما يعدنا الشاعر البحرينيّ قاسم حدّاد بالتعويض عنه في ما يعدّه حاليًّا عن مواطنه طرفة بن العبد صاحب إحدى أجمل المعلّقات. فهو في "ترجمته" لحياة ابن العبد وشعره إنّما يضع بين أيدينا شخصيّة تثير الكثير من الأسئلة، وتطرح بشكل مدروس وموثّق وعلميّ، بحسب ما يُفهم من كلام حدّاد، إشكاليّة العلاقة بين الواقع والمتخيّل في سيرة صاحب "خولة". وتنقل جريدة "الأخبار" اللبنانيّة عن قاسم حدّاد قوله حول هذا الموضوع: "كانت شكوكي في محلّها حول أسطورة طرفة بن العبد، وما طاولها من تحريف، إن لجهة شعره أو أسباب موته. الروح التي تنضح بها معلّقة طرفة بما فيها من تجربة وحكمة، تتناقض مع الروايات التاريخيّة عنه. هناك طرفة آخر، مختلف تمامًا، ولم تحسن هذه الروايات إزاحة اللثام عن جوهر شعره بدلالاته البالغة الغنى والتنوّع".
وفي انتظار صدور هذه الدراسة، لا يسعني إلاّ أن أقرأ علامات التشابه بين الشاعرين البحرينيّين، وأكاد أرى في السيرة الذاتيّة التي وضعها حدّاد عن نفسه على صفحة موقعه الإلكترونيّ مشاهد من معلّقة طرفة: فالشاعر المعاصر يقول عن نفسه وإن بصيغة الغائب: "قلبه طفل يراهق، ويتكلّم مثل حكيم"، أو "عابث من الدرجة الأولى"، ما يذكّرنا بقول طرفة عن نفسه: فإن تبغني في حلقةِ القوم تلقني/ وإن تلتمسني في الحوانيت تصطدِ. أو بالبيت الذي يقول فيه: ولولا ثلاثٌ هنَّ من لذّةِ الفتى/ وجدِّك لم أحفلْ متى قام عُوَّدي.
ويصف حدّاد علاقته بالذين حوله فيقول: "وهذا ما يضعني في مجابهة غضب الآخرين وهم يعلنون استنكارهم لشاعر عابث على هذه الشاكلة"، ويقول كذلك: "كأنّه لا يكتب النصّ للاتّصال بالآخرين، ولكن لينقطع عنهم ويبتعد". فنستعيد تلقائيًّا صرخة طرفة وهو يشكو إبعاده عن قبيلته بسبب لهوه إذ يقول وهو ينقطع عنهم ويبتعد مرغمًا: إلى أن تحامتني العشيرةُ كلّها/ وأُفردت إفرادَ البعيرِ المُعبَّدِ.
أبسبب هذا التأثّير والتأثّر يكتب قاسم حدّاد عن نفسه بصيغة الغائب؟ هل لأنّه يعي أنّ الشاعر الذي فيه يرى نفسه في مرآة طرفة بن العبد، فيخشى الهاوية مثله ويقول: "لو فهموا المعنى لأهدروا دمي"؟ ألهذا أمضى سنة من عمره ماشيًا على خطى طرفة من برلين، حيث ذهب للبحث والدراسة بمنحة تفرّغ من الأكاديميّة الألمانيّة للتبادل الثقافيّ، إلى البحرين حيث ولد الشاعر الجاهليّ؟
يخيّل إليّ وأنا أقرأ قاسم حدّاد وأقرأ عنه أنّني أمام فتى مشاغب، يلعب ويلهو، موحيًا للناظرين إليه أنّه مشغول عمّا حوله باللعب واللهو، ثم يفاجئنا بأنّه يعي جيّدًا ما يجري حوله وما قاله الآخرون وفعلوه أمامه وهم مطمئنّون إلى أنّه غير منتبه. ولذلك حين أقرأ أنّه زوج ووالد وجدّ يلتبس عليّ الأمر وأضيّع "الفتى الأرعن" تحت كلمات عجوز "مجنون أعمى يبحث في غرفة مظلمة عن شمس ليست موجودة".

غادة السمّان، كيف تقاومين؟




لا أعرف لماذا كلّما أردت أن أخاطب غادة السمّان أتردّد، وحين أحزم أمري وأفعل أبدأ النصّ بعنوان يحمل اسمها ثمّ تليه عبارة في صيغة التعجّب، أو في صيغة الاستفهام. وكلتاهما تليق بغادة. ففي المرّة الأولى خاطبتها قائلة: غادة السمّان! أيّتها المشاغبة! وها أنا اليوم أقول لها: غادة السمّان! كيف تقاومين؟ وفي كلّ مرّة كنت أتوقّف طويلاً قبل أن أجرؤ على الانتقال من العنوان إلى الموضوع.
*******
في مقالتي الأولى عنها لم أكتب عن أدبها أو حياتها أو ما تمثّله في الحياة الثقافيّة، بل عن مقالتها التي تشير فيها إلى أنّها قرأت مقالة لي في صحيفة "النهار"، وأنّها توافقني الرأي على ما كتبته عن الزوجات العالمات أو على الأصحّ الزوجات المدّعيات العلم. ولم تكن تلك الموافقة من تلك السيّدة الذكيّة الجميلة العاشقة إلاّ البرهان على أنّ ذكاءها لم يمنعها من الاعتراف بأنّ للآخرين إبداعاتهم وآراءهم وأدبهم، وعلى أنّ جمالها لم يعم بصيرتها ولم يسمّرها أمام المرآة تسألها عمّن هي أجمل نساء العالم، وعلى أنّ عشقها لرجل حياتها لم يزدها إلاّ عشقًا لكلّ ما ومن حولها.
******


وإذا كنت وجدت في غادة السمّان يومذاك الصوت الصارخ في بريّة الأنانيّة وأحاديّة الوجود التي تهيمن على الساحة الثقافيّة، والمرأة التي لا تشبه في شيء النساء الجاهلات اللواتي كتبت عنهنّ في تلك المقالة، فها أنا اليوم أجد فيها صوتًا صارخًا آخر يعلن عشقه ومقاومته وإباءه من دون أيّ حرج أو تردّد، فتكتب عن نفسها كزوجة وعاشقة وأمّ لتتمّ بهذه العناصر فسيفساء صورتها ولتصير نموذج المرأة التي عاشت حياة طبيعيّة تكاملت فيها شخصيّتها عقلاً وروحًا وجسدًا.
*******


ولذلك أجد نفسي مدفوعة لسؤالها عن مصدر تلك القوّة الداخليّة التي تجعلها قادرة على مقاومة الغياب والرحيل والبعد والوحدة والخوف والفراغ أي كلّ ما يتركه موت الحبيب في حياة الحبيبة. وإنّي إذ أعرف أنّ ذكرياتها معه وأنّ وحيدها "حازم" الذي يملأ حياتها، سلاحان قويّان تواجه بهما كلّ ذلك، فتستمرّ بفعل الحبّ وبفعل الكتابة، لا أستطيع أن أمنع نفسي عن محاولة تخيّل وجهها وهي تنظر إلى الجانب الآخر من السرير، وإلى الوسادة، وإلى خزانة الملابس، وإلى طاولة المكتب، وإلى وجهها في المرآة فتكتشف أنّ ذلك "الجنتلمان" بشير الداعوق لم يعد هنا.
********
ولكن بالرغم من كلّ ذلك، ومع كلّ الألم والشوق المكتوم، لا تزال غادة السمّان تعلّم نساء الشرق كيف يكون الحب، وكيف تكون المرأة شخصيّة متكاملة، لا ينتقص الزواج من شخصيّتها، ولا يقيّد العشق حريّتها، ولا يهين كرامتها أن تكون زوجة، ولا يعيق طموحها العمليّ أن تكون أمًّا. ولعلّها، اليوم، في حزنها الأسود، لا تزال مستمرّة في تعليمنا كيف نقاوم الموت بالحبّ والإبداع، وكيف نواجه الغياب باستحضار الفكر والأدب والشعر، وكيف نصير أشخاصًا حكماء حين نمسك بيد من نحبّ وهو يتفلّت رغمًا عنه من بين أناملنا ليستمرّ ساكنًا في طيّات نفوسنا.
*******
غادة السمّان! أيّتها العاشقة حتّى ما بعد الموت، سنظلّ نتعلّم منك، وفي ميزان أصالتك سنكتشف كم يستحيل تقليدك!

الاثنين، 5 أكتوبر 2009

بؤر الفقر والإجرام

لا شكّ في أنّ الحكومات تغضّ الطرْف عن بؤر الفقر والحرمان التي تنمو كالفطر حول ضواحي المدن، إذ ما من تفسير آخر يبرّر انتشار هذه البؤر في مختلف بلدان العالم، من دون أن تجري محاولات جديّة لمحاربة الفقر فيها ومكافحة الإجرام المتولّد عنه.
ومع ذلك، فلا منطق في كلام فئة من اللبنانيّين تجد الأسباب التخفيفيّة للجريمة البشعة التي راح ضحيّتها في منطقة البقاع عسكريّون من الجيش اللبنانيّ. فهؤلاء المواطنون الغيارى يعتبرون أنّ الدولة اللبنانيّة منذ نشوئها أهملت هذه المنطقة فنما فيها الفقر وتحوّل إجرامًا يدفع الجيش ثمنه اليوم. لا شكّ في أنّ هذا الكلام صحيح ودقيق، ولكن أن يتحوّل المجرمون ضحايا ومساكين يجب أن ننظر إليهم بعين العطف فهذا ما لا يوافق عليه إلاّ ذوو النفوس المريضة والميول المشبوهة.
في مختلف بلاد العالم أحياء ومناطق تحاذر الدولة الاقتراب منها وتقيم مع سكّانها نوعًا من الحلف غير المعلن، فيغضّ كلّ فريق نظره عن أفعال الفريق الآخر ولكن ضمن بروتوكول خاصّ تفرضه ظروف كلّ منطقة، فهناك أحياء المافيا الإيطاليّة، وأحياء عصابات السود، وأحياء الصينيّين، وأحياء المافيا الروسيّة، وأحياء المهاجرين العرب والأميركيّين الجنوبيّين، وما إلى ذلك من المناطق التي ترتبط هويّتها بهويّة من احتلّها وجعلها مربّعًا أمنيًّا خاصًّا به على مثال غابة شيروود لسيّد الخارجين على القانون ومؤسّس دولة المحرومين السير "روبن هود". ولا يشذّ لبنان عن هذه الحال وهو على ما هو عليه من تشرذم وحروب وتجاذبات.
والإشكاليّة في هذا الأمر تظهر حين يضطر أحدنا إلى اتّخاذ موقف من الفريقين: الدولة أو سكّان هذه الأحياء؛ فهل ممنوع على الدولة الحاليّة أن تصحّح ما أهملته الدولة التي أخطأت في حقّهم سابقًا؟ وهل القتلة والسارقون والمغتصبون ضحايا يجب النظر إليهم بعين العطف أم مجرمون تجب محاكمتهم؟ وكيف ستكون حال الدولة حين تستباح سلطاتها كلّ يوم بسبب الظلم والإهمال والفقر وتراكم المشاكل الاجتماعيّة؟
حين نقرأ ما تتناقله الأوساط الإعلاميّة عن الطريقة التي يُصطاد فيها العسكريّون إن في مخيّم نهر البارد أو عند كلّ مداهمة أمنيّة نكتشف أنّ من يطلق النار من بندقيّة متطوّرة نادرة ليس محرومًا بالقدر الذي يتاجر به وليس ثائرًا يطالب بحقّه، ومتى علمنا أنّ ما يجري هو قتل متعمّد، يركّز فيه القاتل على وجه ضحيّته أو على عنقه حتى إذا نجا من الموت عاش معوّقًا مشوّهًا يحمل معاناته طوال حياته، فهمنا أنّ دوامة العنف المغلقة ستطبق على كلّ من فيها أكان مذنبًا أم بريئًا.
الجنود الذين قتلوا في البقاع ليسوا أكثر بحبوحة من قاتليهم، ولا ينعمون بالرفاهية ورغد العيش، وهم من مناطق محرومة في الشمال وجدوا في الانتماء إلى الجيش اللبنانيّ الفرصة لخدمة الوطن وضمان حياة كريمة، ومع ذلك لم يرحمهم أفراد العصابات فقتلوهم بدم بارد ليبقى المكان خاليًا من سلطة الدولة ومربعًا لخيل مغامراتهم وتعديّاتهم وسرقاتهم، وهم في كلّ ذلك مطمئنّون إلى أنّ مواطنين أشاوس سيدافعون عنهم ويجدون لهم ألف عذر وعذر، ويبرّئونهم من السرقة والقتل والتهريب ويحمّلون الدولة المسؤوليّة عن مقتل جنودها، الجنود الذين آمنوا بأنّهم ذاهبون لفرض الأمن وملاحقة المشبوهين وطمأنة الناس فعادوا مضرّجين بدم الشهادة.

أميرة الشعر البريطانيّة وأبو الطيّب المتنبّي

أعلن وزير الثقافة البريطانيّ أندي بيرنهام الشاعرة كارول آن دوفي (53 سنة) أميرة على عرش الشعر البريطانيّ للعام 2009. وهي المرّة الأولى التي يتمّ فيها تتويج امرأة على هذا العرش الذي بقي طوال تلك المدّة حكرًا على الرجال، وذلك منذ بدئ العمل بهذا التقليد، أي منذ 341 عامًا.
وللأميرات في بريطانيا حكايات ينتهي العدد القليل منها بخاتمة سعيدة أمّا أكثرها فينتهي بالوحدة أو الموت قتلاً. والأميرة ديانا التي قضت في حادث سير مثالٌ واضح على مصير المتربّعات على عرش الإمارة، والمنتهيات باكرًا في أضرحة تصير مع الأيّام معالم أثريّة. فهل تكون أميرة الشعر الثائرة على تقاليد منصبها تعويضًا عن ثورة الأميرة الجميلة التي راحت ضحيّة خروجها عن الطريق القويم؟ فقد أكّدت كارول آن بوفي أنّها لن تقبل أن تكتب قصائد لأفراد العائلة المالكة كما يفرض المنصب، وقالت إنّ الشاعر الذي يحترم نفسه عليه أن لا يفعل ذلك أبدًا. علمًا أنّ من واجبات الشاعر المتوّج على إمارة الشعر في بريطانيا أن يكتب القصائد للمناسبات الملكيّة، وهذا ما فعله الشاعر أندرو موفون، سلف دوفي، حين نظم قصيدة في مناسبة زواج الأمير إدوارد وعروسه صوفي.
يعيد هذا الخبر إلى الأذهان إشكاليّة العلاقة بين السلطة والمثقّف، وخطورة هذه العلاقة على كلا الفريقين، وفي التاريخ العربيّ نماذج واضحة وفاضحة عن المصير الذي آل إليه بعض من تقرّب من السلطة وانتهى ضحيتها. فالسلطة تخاف على نفسها من فكر المثقّف وإنتاجه، وهو يخاف على حريّته أوّلاً من قيودها وبروتوكولها ثمّ على حياته منها إن لم يحسن قراءة مزاجها وميولها. وابن المقفّع ماثل في أذهاننا كلّنا مع ما بذله من جهد لتمويه انتقاداته عبر جعلها حكايات على ألسنة الحيوانات اكتفى هو بنقلها من اللغة الفارسيّة إلى العربيّة. مع العلم أنّ ثمّة دراسات تؤكّد أنّ ابن المقفّع هو من وضع كتاب "كليلة ودمنة"، وخوفًا على حياته ادّعى أنّه مترجمه. غير أنّ الترجمة لم تنقذ حياته على اعتبار أنّ ناقل الكفر كافر في رأي السلطة التي لا تحبّ أن تسمع رأيًا غير رأيها.
ولعبة الترهيب والترغيب التي تمارسها السلطة تؤمّن لها على الدوام أبواقًا لا تكفّ عن مديحها والتغنّي بها، وبعضها سريع في تغيير معزوفته ما أن يشعر برياح التغيير آتية، فينقل بندقيّته من كتف إلى كتف، وقلمه من محبرة إلى أخرى، ويبدأ في وضع الكلمات والموسيقى لنشيد العهد الجديد. ولكن لا يظنّن أحد أنّ المثقّف الملتزم بقناعاته والمتمسّك بمبادئه أفضل من ذاك المتقلّب، فهو أيضًا يمارس سلطة لا تهادن ولا تتساهل ولا تقبل الاستماع إلى رأي الآخر. والصحف اللبنانيّة تزخر يوميًّا بمقالات من هذا النوع يكتبها مثقّفون يخوّنون غيرهم ويلصقون به أبشع التهم وبأقذع الكلمات.
وفي هذه الحال يتساوى فريقا السلطة والمثقّف في حمل مسؤوليّة ما يؤول إليه واقع المجتمع، فهما يتصارعان على حلبة واحدة ويسعيان إلى هدف واحد: الهيمنة. الأولى بفعل القوّة والثاني بفعل الإقناع. ما يذكّرنا بمشهد مهمّ ومعبّر للأخوين رحباني في مسرحيّة "المحطّة"، عندما يتحاور اللصّ والمتسوّل (الحرامي والشحّاد)، فيتباهى الأوّل بأنّه بطل يأخذ بالقوّة ما يملكه الآخرون، ويفتخر الثاني بأنّه سياسيّ بارع يقنع الناس بإعطائه ما في جيوبهم. وإذا سمحنا لأنفسنا بتطبيق هذه الصورة على ما نحن في صدد الكلام عنه، يمكننا أن نستفيد ممّا عبّر عنه في وضوح تام المفكّر علي حرب في كتابه المثير للجدل "أوهام النخبة أو نقد النصّ": كلاهما (أي السلطة والمثقّف) يمارس التسلّط والعنف: التسلّط على الأجساد مقابل التسلّط على العقول، والعنف الماديّ مقابل العنف الرمزيّ الذي يمارسه المثقّفون العقائديّون والملتزمون".
هل هذا ما خطر على بال الشاعرة البريطانيّة المتوّجة على إمارة الشعر، ولذلك اعترفت بأنّها فكّرت مليًّا قبل أن ترضى بحمل هذا اللقب، ولكنّها وافقت لأنّه يعطى لامرأة للمرّة الأولى؟ وهل نكون خبثاء إن قلنا إنّ الشاعر مهما حاول الإنكار يدور حول محور واحد هو "أناه"، ومن طبيعة هذه "الأنا" أن يسيل لعابها أمام ما تقدّمه لها السلطة، وأن تحلم بتاج الإمارة، في الشعر أو في سواه. وإن لم تصدّقوا تذكّروا أبا الطيّب المتنبّي.

جبران خليل جبران ومي زيادة في عصر الرسائل السريعة

 لو كان الأديبان جبران خليل جبران ومي زيادة يعيشان في عصر البريد السريع لما دامت قصّة حبّهما أكثر من يومين، ولما تركا لتاريخ الأدب والعشق رسائل متبادلة في الأدب والفنّ والمجتمع والمرأة والحبّ والزواج، ولانطفأت في بضع ساعات من الحوار الكتابيّ "الشعلة الزرقاء" التي التهبت بينهما.
قصّة هذه العلاقة التي شغلت الناس والنقّاد والدارسين فاختلفوا في تسميتها وتحليل وقائعها وعملوا على جمع الرسائل التي تؤرّخ بدايتها وتطوّرها وانتهاءها، هذه القصّة أقول ما كانت لتدوم لولا المسافة التي تفصل مصر حيث كانت مي زيادة تقيم عن الولايات المتحدة الأميركيّة حيث كان جبران. ففي انتظار وصول الرسالة إلى أحدهما وعودة الجواب كان الوقت يمرّ بطيئًا وثقيلاً فكانت مي بسبب طبيعتها الأنثويّة تملأه أحلام يقظة عن حبّ لا تعرف نهايته، وكان جبران بسبب شغفه يملأه مغامرات نسائيّة وحكايات خرافيّة عن أمجاد العائلة. ولو كان البريد سريعًا كما هو اليوم لاكتشف العاشقان أنّ علاقتهما ليست إلاّ سوء تفاهم واختلافًا في الأمزجة والطبائع والميول، ولما بقي منها كلمة أو ورقة أو كتاب أو حكاية تحرّك الخيال وتداعب العواطف.
جبران ومي لم يلتقيا ولم يعرف أحدهما الآخر إلاّ من خلال الرسائل والصور، ومع ذلك اقتنعا وأقنعا الناس بأنّ ما بينهما أكبر من إعجاب وأكثر أهميّة من تبادل رأي، وراحا يحيكان من الكلمات المنتظرة حكاية يظنّ كلّ واحد منهما أنّ من حقّه أن ينسجها على منواله الخاصّ. وهكذا راح دارسو حياتيهما يحلّلون سبب امتناعهما عن اللقاء، ويعطون للأمر تفسيرات شتّى، غير أنّنا إذا نقلنا الحكاية كلّها من زمنها إلى هذا الزمن وجعلنا حركة الأحداث تتبع إيقاع العصر السريع لاكتشفنا أنّهما ما كانا ليتركا "اللابتوب" أو الهاتف قبل أن يودّع أحدهما الآخر عند نهاية اليوم وهو يقول: وداعًا، كان الحوار ممتعًا ومفيدًا، أتمنى لك كلّ الخير.


وحين ننظر إلى الأمر من هذه الزاوية نكتشف هشاشة الحكايات وسرعة العطب التي تصاب بهما قصص الحبّ متى انتقلت من مكانها أو زمانها إلى مكان آخر أو زمان آخر. ويبدو كلّ شيء وهميًّا إلى درجة مخيفة تجعل الواحد منّا يشعر بأنّه يحلّق في الفراغ ولا جاذبيّة تشدّه إلى صدرها ولا عاطفة يمكن أن تستمرّ في حياته أكثر من لحظات من التوهّج لتبقى بعدها ذكرى هذا الحبّ التي تصير هي الحبّ بحسب ما عبّر عنه الأخوان رحباني في قصيدة رائعة من قصائدهما يعرفها الناس باسم "لملمت ذكرى لقاء الأمس بالهدب".
وهذا أمر حزين يثير الشجن ويبلل العين بدمع الأسى. فهل تكون عواطفنا مجرّد أوهام نجمعها في رؤوسنا لنحارب بها العمر والوحدة؟ ولماذا لا تكون كحبّات الحنطة التي تجمعها النملة لتقاوم بها فصل الشتاء؟ وإذا كانت الأوهام هي التي تمدّنا بالطاقة لنستمرّ أفلا نتخلّى عن الواقع إن كان مريرًا من أجلها؟ وهل حكاية الحبّ تقاس بالمدّة الزمنيّة أم بمقدار التوهّج الذي شعّ منها ولو للحظات؟
كم نحن كائنات هشّة وسريعة العطب، ندّعي الشجاعة والقوّة والحكمة والمعرفة والجمال والثراء وفي لحظة واحدة من الإحباط نكتشف أنّنا قد لا نكون كما ظننا أو كما قيل لنا، وأنّنا لا نملك إلاّ رمادًا لا يدفئ قلوبنا ولا يلوّن أيّامنا ولا يخبّئ جمرًا. ولكي نستمرّ على قيد الحياة نبحث عند سوانا عن حكايات لم نجرؤ على عيشها فنقرأ الكتب ونسمع الموسيقى ونشاهد الأفلام ونزور المتاحف ونسافر من بلد إلى بلد ونجمع التذكارات... ونحاول أن ننسى.

السبت، 3 أكتوبر 2009

الحيوانات الأليفة أم الأصدقاء؟




تفاجئنا الأبحاث العلميّة الحديثة بنتائج اختباراتها وتدفعنا إلى إعادة النظر في الكثير ممّا كنّا نعتقد أنّه من المسلّمات، أو إلى التأكّد من صحّة ما كنّا نعرفه بالفطرة أو ورثناه من دون نقد. ومن آخر الأبحاث المنشورة عالميًّا، دراسة ترتدي طابع الجدّ والرصانة أثبتت أنّ أكثر من ثلث الناس قد يتخلّون عن أصدقائهم ولا يتخلّون عن حيواناتهم الأليفة، على اعتبار أنّ الاستقرار النفسيّ الذي أمنّته صحبة الحيوانات كان مفقودًا في علاقاتهم مع أقرب أصدقائهم.
تدفعني هذه النتيجة إلى التأمّل في حياة أجدادنا المزارعين والرعاة الذين كانوا يربّون الحيوانات الأليفة ويهتمّون بها ويكادون يعيشون معها تحت سقف واحد، فأرى أنّ هؤلاء لم ينظروا إلى الدواجن والأبقار والماعز والخراف والخيول والحمير كما ينظر الغربيّون إلى حيواناتهم الأليفة كالكلاب والقطط والأسماك في الأحواض المزيّنة والسلاحف وسوى ذلك من إنتاجات الخيال الغربيّ الذي قد يجمح بأحدهم إلى اعتبار النمر والأفعى من الحيوانات الأليفة. ففي وعينا الجماعيّ، نحن نتعامل مع هذه الحيوانات على أنّها مصدر غذاء وضعته الطبيعة تحت تصرّفنا، وعلى هذا الأساس نحترمها ونهتمّ بها ونطعمها ونسكنها قرب منازلنا، أكان هذا المنزل خيمة في الصحراء أو قبوًا في قرية جبليّة. وبالتالي، لا نبالغ في نظرتنا إليها، فلا نقدّسها ونحرّم أكل لحومها أو نتعلّق بها أكثر من أولادنا وأحبّائنا وأصدقائنا، ولا نذبحها هواية أو متعة ولا نبيدها للتجارة والاستهلاك.
في المقابل، وقع الغربيّون في هذا التطرّف، فقد يبالغون في الدعوة إلى الرفق بالحيوان لدرجة تدعو إلى السخرية، كمثل إنشائهم مطاعم للحيوانات، ومحلاّت تزيين لها، وجمعيّات حقوقيّة تدافع عنها، وملاجئ خاصّة بالمشرّدة منها، ومباريات للجمال، ومدافن خاصّة، وما إلى ذلك من بدع لا تدلّ إلاّ على نوعين من الفراغ: الفكريّ والعاطفيّ. وعلى عكس هذه الصورة، نجد في الغرب أكثر المؤامرات البيئيّة خطرًا، تلك التي ارتكبها الناس في حقّ الغابات والحيوانات والمياه، وما الحيوانات والغابات المطريّة المنقرضة إلاّ المظهر الأكثر وضوحًا عن أنّ الشعوب البدائيّة أو شعوب دول العالم الثالث أو شعوب الدول النامية ما كانت لتقضي على كلّ هذه الثروات الطبيعيّة لولا التجارة العالميّة التي سنّ الغرب نفسه قوانينها ووضع لها الحماية.
لا شكّ في أنّ الدراسة المشار إليها تبيّن غياب الحياة الاجتماعيّة والعائليّة عن نمط عيش الغربيّين الذين وجدوا في الحيوانات البديل فأخذوا يقيمون معها، ويتنزّهون معها، ويتكلّمون معها، ويحزنون عندما تغادرهم (التعبير الصحيح هنا هو "عندما تنفق"، ولكنّه تعبير قد يجرح شعور أصحاب هذه الحيوانات). وهذا التعلّق المبالغ فيه يساعد هؤلاء الناس على التخلّص من وطأة الوحدة والشعور بالخيبة من صداقات لم تكن على مستوى الآمال. صحيح أنّ الرفق بالحيوانات يلطّف المشاعر، ويهذّب النفوس، ويعلّم الإنسان احترام الكائنات كلّها، ولكن المبالغة المرضيّة في ذلك دليل عدم نضج جماعيّ خصوصًا متى علمنا كلفة العناية بهذه الحيوانات في وقت يقبع فيه متسوّل مشرّد أمام بيت يقيم فيه الكلب معزّزًا مكرّمًا.
تعود إليّ في مناسبة هذا الموضوع صورة امرأة صادفتها عند مزيّن الشعر، وقد أتت وهي تصطحب كلبًا أصرّت على إبقائه في حضنها لأنّه يخاف من البقاء وحيدًا في السيّارة المركونة على مدخل الصالون مباشرة. المهمّ في الخبر أنّ السيّدة في معرض حديثها أوضحت أنّها اضطرّت إلى اصطحاب الكلب، وهو للتوضيح من النوع الصغير الحجم والكبير القيمة، لأنّها لا تستطيع إبقاءه في المنزل حيث الخادمة تهتمّ بطفلتها (طفلة السيّدة طبعًا). ولذلك ارتأت الأمّ الحنون أن تترك ابنتها التي تغار من الكلب في البيت مع الخادمة وأن تحمل الكلب الصغير معها لأنّه "هادئ ولا يزعج" بحسب وصفها.
احترام الطبيعة وكائناتها واجب لا جدال حوله، ومن دون القيام بهذا الواجب لا تستمرّ الحياة على هذه الأرض، على الأقلّ بالشكل الذي نعرفه. والعلاقات مع الناس ستعرّضنا بلا شكّ أدنى شكّ لخيبات أمل كثيرة، غير أنّ الحلّ لن يكون قطعًا في أن نعامل الحيوانات كالبشر، ونعامل الناس كالحيوانات.

الجمعة، 2 أكتوبر 2009

من يراقب من؟





وصلتني، وسواي، عبر البريد الإلكترونيّ صورة لحفل تنصيب الرئيس الأميركي باراك أوباما أخذت بواسطة آلة تصوير متطوّرة وذات تقنيّة عالية، تظهر كلّ الموجودين في ذلك المكان في تلك اللحظة التاريخيّة من تاريخ الولايات المتحدة.
أمّا إذا أردنا أن نعرف من يوجد في تلك الساحة ويقدّر عددهم بالملايين، فمن السهل أن نفعل ذلك عبر الضغط على سهم خاصّ يرافق الصورة ويجعل الكاميرا تقترب من شخص يجلس في أقصى الساحة. ونستطيع بعد لحظات من توجيه الكاميرا نحو الشخص المطلوب أن نعرف شكله وملامحه ولون ثيابه وما يحمل في يده وما يرتسم على وجهه من علامات الرضا أو التعجّب أو الشعور بالبرد. وللوهلة الأولى تعجبنا الصورة والتقنية ونتصرّف حيالها كأطفال فرحين حصلوا على هديّة العيد. ثمّ نتذكّر العبارة التي ترافق الصورة وتسألنا: هل تعرفون من يراقبكم الآن؟
في لغتنا أمثال وحكم عن مراقبة الناس التي تزيد الهمّ، ولكنّ في حياتنا عيونًا بالمرصاد تراقب وأجهزة تنصّت تسمع وآلات تسجيل تلتقط كلّ تنهيدة أو كلمة. وإذا كنّا في السابق ننزعج من جارتنا الفضوليّة التي تراقب تصرّفاتنا وتحصي تحرّكاتنا، فماذا نقول اليوم ونحن نعلم أنّنا مراقبون من أبعد نقطة توجد فيها كاميرا دقيقة ومتطوّرة تسجّل أين كنّا وماذا كنّا نفعل. ولذلك ما أن انتشرت صورة تنصيب أوباما والتقنية التي استعملت في التقاطها حتّى بدأ الناس في لبنان يتوقّعون أن تشتري الأحزاب المتناحرة عندنا هذه الوسيلة الحديثة كي يصوّروا الناس في التجمّعات التي يدعون إليها ويحصون أعدادهم ويسجّلون أسماءهم ويلاحقون من تغيّب بعدما قبض ثمن حضوره. وهكذا انتشر الخوف من وسيلة ذكيّة قبل أن تصل إلى لبنان، هذا إذا لم تكن قد أصبحت في متناول كثيرين.


كانت عين الفنّان هي التي تراقب وتلتقط أكثر اللحظات تعبيرًا عن المنعطفات التاريخيّة والتناقضات الإنسانيّة، وعندما بدأت الكاميرا تسجّل تلك المنعطفات واللحظات وصار في إمكان الجميع استخدامها والمتاجرة بها تحوّل الفنّ سلعة ينخفض سعرها ويرتفع بقدر ما تثير الصورة فضيحة أو تشكّل قضيّة. ولذلك لم يكن موضوع المراقبة جديدًا على الأدب والفنّ والفكر البشريّ. فالإنسان البدائيّ كان يشعر أنّ ثمّة قوى أقوى منه تراقبه وتتبعه فخاف منها وعبدها وقدّم لها الأضاحي كي يأمن شرّها. فهل يختلف خوف الإنسان المعاصر عن خوف جدّه البدائي؟ لعلّ رواية الكاتب جورج أورويل وعنوانها 1984 الأكثر تعبيرًا عن توقّع الأدب الوصول إلى هذه الحال حين يخضع الجميع لسلطة الرقابة التي لا توفّر أحلامهم وطموحاتهم وعواطفهم لا بل تحوّلهم مجرّد أرقام في جمهوريّة "الأخ الأكبر" الذي يراقب كلّ شيء ويعرف كلّ شيء.
وإذا أردنا أن نلاحق فعل "راقب" في حياتنا اليوميّة ونضعه في جمل مفيدة وقصيرة مؤلّفة من فعل وفاعل ومفعول به فسيكون عندنا عدد هائل من الجمل: يراقب الله الناس، يراقب الرجل زوجته، تراقب الأمّ طفلها، يراقب المعلّم التلميذ، يراقب الشرطي المجرم، يراقب الحارس السجين، يراقب الطاهي الطعام، يراقب المتلصص الجارة، يراقب الفلكيّ النجوم، يراقب الطبيب المريض، تراقب الحماة الكنّة، يراقب الكاتب المجتمع، تراقب الدولة الكاتب، وهكذا إلى ما لانهاية من الجمل التي تصوّر كيف أنّ الإنسان لم يكن في لحظة واحدة من حياته في منأى عن مراقبة أحد: هو مراقِب ومراقَب في الوقت نفسه. ولا فرق إن كانت المراقبة دليل اهتمام ورعاية أو لإمساك الآخر بالجرم المشهود. المهمّ أنّك مرئيّ ولكن ليس دائمًا كما تتمنّى أن تكون مرئيًّا.


فكم من مرّة شعر الواحد منكم أنّه غير موجود لأنّ كلّ الذين يعملون معه أو يقيمون حوله لا يرونه فعلاً، ينظرون إليه ولا يرونه، يتغيّر أمامهم ولا يرونه، يصير شخصًا آخر ولا يرونه، يموت ولا يرونه. حينذاك ستتمنّون لو كنتم تحت المراقبة كي لا تأتوا وتذهبوا من هذه الدنيا ولا أحد يعلم بشأنكم. وفي هذا الإطار، تعود إلى ذاكرتي حادثة معبّرة فعلاً عن أنّنا لا نرى الذين يعيشون معنا بل نراقب في دقّة من لا يفترض فيه أن يعنينا في شيء: فقد أوصل الرجل الستينيّ زوجته عند مزيّن الشعر وانطلق في سيّارته على أن يعود لاصطحابها بعد وقت محدّد سلفًا. عندما عاد الرجل وجد زوجته في انتظاره، وما أن صعدت إلى السيّارة حتى بادرها بالثناء على تسريحة شعرها. نظرت إليه الزوجة وقالت بعد وقت: لقد قصصته قليلاً. فردّ الرجل كأنّه يدفع تهمة: لقد لاحظت ذلك والقَصّة الجديدة تليق بك. فأضافت الزوجة: واللون؟ هل أعجبك؟ لقد لوّنت شعري بلون جديد هل تعتقد أنّه يليق بعمري؟ فخطف الرجل نظرة سريعة إلى رأس زوجته قبل أن يعيد تركيز انتباهه على الطريق، وقال: جميل جدًّا، كنت أسأل نفسي عمّا تغيّر فيك. فسكتت المرأة للحظات وقالت وهي تبتسم في محبّةٍ عمّقتها عشرة العمر، وقالت له: يا عزيزي، من الواضح أنّك لم تنظر إليّ منذ زمن، فمزيّن الشعر اضطرّ إلى التغيّب، وكلّ ما فعلته في انتظار عودتك هو أنّني طلبت من مساعده أن يغسل شعري ويجفّف خصلاته الأماميّة، وحجزت موعدًا آخر لقصّه وتجديد لونه.

الخميس، 1 أكتوبر 2009

القوانين والعدالة




الجريمة البشعة التي ارتكبها النمسويّ جوزف فريتزل (73 عامًا) في حقّ ابنته وعقوبة السجن المؤبد التي حكمت بها المحكمة تجعلاننا نتوقّف متأمّلين في معاني بعض الكلمات كالقانون والعدالة والرحمة والأبوّة والعمر والطفولة.
فالرجل الذي سجن ابنته في قبو تحت المنزل العائليّ طيلة 24 عامًا، واغتصبها وأنجب منها عددًا من الأولاد تسبّب في موت أحدهم، سيمضي في السجن ما تبقى من حياته البائسة التي مهما امتدّ عدد سنواتها فلن تصل على الأرجح إلى عدد السنوات التي أمضتها ابنته في سجنها، ولن يتعرّض خلالها لمثل ما تعرّضت له. للحظات نشعر أنّ القسوة التي فينا والتي روّضناها بالدين والشعر والفنّ والإنسانيّة تريد أن تتفلّت من عقالها لترفض هذه العدالة التي عاملت الأب برحمة لم تكن موجودة في قلبه تجاه ابنته. غير أنّنا سرعان ما نحاول طرد فكرة الانتقام والتخلّص من مجرّد التفكير في بشاعة هذه الحادثة وفي بشاعات كثيرة رافقت تاريخ البشريّة لم نعرف بأكثرها، غير أنّها اليوم باتت تصل إلى غرفنا وتؤرق نومنا.
ولقد حاولت المجتمعات أن تعالج هذا الجنوح البشريّ نحو الشرّ، فكانت القوانين والفلسفة والعلوم وسائل للردع وللمعالجة، ثمّ جاءت الديانات لتحاول أن تنقذ القوانين من نسبيّتها، وتنقذ الإنسان من غرائزه البهيميّة وميوله الهدّامة، فصارت الجرائم ترتكب باسم الدين عند من أخضع الديانات لقوانينه ومزاجه بدل أن يدخل في روحيّتها وجوهرها. وستبقى قوانين الأرض حائرة بين العفو والعقاب، عاجزة عن فهم عدالة السماء التي لا تريد ذبيحة بل رحمة تنقذ البشريّة من شرور تتوالد من رحم نفسها.
*****
لقد كان لموضوع العدالة مكان رحب في الفكر الرحبانيّ، لا بل كان إلى حدّ ما محورًا تدور حوله أعمالهما المسرحيّة ولو في شكل غير مباشر أحيانًا. فأين تكون العدالة حين ينام الملك في مسرحيّة " صحّ النوم" ويهمل معاملات الناس؟ وما رأيها في أن يُقتل باسمها "ديك الميّ" في مسرحيّة "ناطورة المفاتيح"؟ وهل ترضى العدالة بأن يعاقب الحاكم صاحبَ الدكّان وحفيدته لأنّهما آوياه وهما لا يعلمان أنّه الإمبراطور المخلوع الهارب من وجه الثوّار؟ وهل من العدل أن تقتل "بترا" الصغيرة نتيجة "حروب الكبار"؟ لذلك تهمس فيروز في ختام مسرحيّة "لولو" التي تعالج موضوع القضاء والعدالة: العدالة كرتون، الحريّة كذبة، صار الحبس كبير، وكلّ حكم بالأرض باطل. وللسبب نفسه يقول المتصرّف في مسرحيّة "الشخص": يا شاويش، المتصرّف ما بيحبّ العدل، الرحمة أحلى. فيسأله الشاويش متعجّبًا: الرحمة أحلى؟ ويجيب المتصرّف: طبعًا، لأنّ العدل كان بيسألك: ليش جيابك منفوخين؟
*****


من أسخف ما قرأته عن قضيّة الأب النمسويّ تعليقات القرّاء العرب في بعض المواقع الإلكترونيّة وردود فعلهم على الفعل المشين وكلّها يتهم الغرب بالفساد الأخلاقيّ ويطالبون بإنزال حكم الإعدام بالمجرم. غريب أمر هؤلاء الذين يستخدمون اختراعًا غربيًّا لا غنى لهم عنه ليشتموا الحضارة التي أنجبت هذا الاختراع. والأغرب من ذلك أنّ هؤلاء مقتنعون بأنّ عالمنا العربيّ طاهر وعفيف وبريء من كلّ دنس وعيب، ولا تقع فيه الجرائم، وليس فيه شذوذ أو سفاح قربى أو عهر أو دعارة أو اغتصاب. فكلّنا في هذا المشرق العربيّ أولياء صالحون وقدّيسون أطهار ويحقّ لنا بالتالي أن نرجم الغرب الأجنبيّ بالحجارة. ولكن طبعًا ليس قبل أن نستورد سيّاراته وطائراته وأسلحته وأدويته ومأكولاته وأغنياته وأفلامه وكتبه ونساءه وكلّ ما يصدر عنه فكرًا وقولاً. وبعد ذلك، بعد أن ننتهي من إفراغ الغرب من مصدر قوّته واعتزازه واختراعاته، سندعو إلى قمّة عربيّة تعلن بدء الحملة المقدّسة لرجم شيطان الغرب الرجيم كي لا ينجب بعد اليوم أمثال جوزف هرتزل.
وحتّى ذلك الموعد، علينا أن نبدأ بجمع الحجارة من مقالع جبالنا التي ذلّلنا قممها حين سوّيناها بالأرض.

مشاركة مميزة

فتاة تدخل ومعها تفاصيل حين نهتمّ بها، حياتنا أجمل - 5 تشرين الأوّل 1993

فتاة تدخل ومعها تفاصيل حين نهتمّ بها، حياتنا أجمل حضرة الأستاذ زاهي وهبي في الرّسالة الأولى، أردت أن ألفت انتباهك إلى بعض الأم...

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.