
من يرغب اليوم في التخصّص في اللغة العربيّة وآدابها؟ سؤال يثير الجواب عليه مخاوف جدّية تقلق أهل الفكر والقلم والتربية. ولعلّ الجواب الساخر الذي قدّمه أحد آخر الأدباء الكبار دليل على مستوى الانحدار الذي آلت إليه أوضاع لغتنا الجميلة. فحين سئل الأديب الكبير عن أسباب هذا الانحطاط اللغويّ والأدبيّ أجاب: وكيف تريدون ألاّ يكون الأمر كذلك؟ فبعدما كان أحمد فارس الشدياق وبطرس البستاني وابراهيم اليازجي ومارون عبّود وسعيد عقل وخليل حاوي نماذج عن معلّمي اللغة العربيّة في المدارس والجامعات صارت زوجتي المصون هي معلّمة تلك المادة؟
وفي محاولة لتحسين واقع اللغة العربيّة ورفع مستوى طلاّبها وعددهم، تعمد الجامعة اليسوعيّة في لبنان إلى إرسال طلاّب يتخصّصون في الأدب العربيّ إلى كبريات المدارس اللبنانيّة في محاولة لإقناع تلاميذ الصفوف الثانويّة، الفرع الأدبيّ، بالتخصّص في اللغة والأدب. وكانت محاولات هؤلاء المندوبين فاشلة مع أنّهم حاولوا بمختلف وسائل الإغراء جعل هذا الاختصاص مرغوبًا، ثمّ استخدموا أساليب التحذير من فقدان هويّتنا القوميّة حين نبّهوا إلى أنّ ثمّة طالبين فقط ينهيان دراستهما في تلك الجامعة العريقة. ومع ذلك، بقي الجواب واحدًا عند تلاميذ الصفّ الثانويّ، وهو أن لا مجال للتفكير في هذا الخيار.
نحن في لبنان نعيش على أمجاد الماضي القريب ونفتخر بأنّنا حماة اللغة العربيّة وحافظو تراثها أمام حملات التتريك والتغريب، وهو أمر صحيح لا جدال فيه. ولذلك يبدو الخوف على هذه اللغة عندنا أمرًا مشروعًا إن افترضنا أنّ تدهورها في هذا الصرح يعني أنّها لن تجد حصنًا آخر لها يتمتّع بهذه الميزات الفكريّة التي توفّق بين عراقة الماضي وتحديّات الحداثة. ومن المهمّ في هذه العجالة التأكيد على أنّ الصحافة هي الوجه الأكثر تعبيرًا عن حال اللغة العربيّة وواقعها المزري. فحين تصير لغة الصحافة العربيّة مجموعة لا حصر لها من اللهجات المحليّة لا تفكّ رموزها إلاّ بعد جهد وعناء، نعرف أنّنا نحن الذين نشكّل خطرًا على لغتنا أكثر ممّا يفعل سوانا.
الأمر الثاني الذي يفضح واقع اللغة هو اختيار مدرّسيها، فليس صحيحًا أنّ أيّ رجل دين قادر على تعليم اللغة العربيّة لمجرّد أنّه ختم القرآن أو حفظ آلاف الأبيات من الشعر القديم كما كانت عليه الحال منذ عشرات السنين. وليس صحيحًا أنّ أيّ شاعر قادر على جعل التلاميذ يحبّون الشعر، أو أنّ أيّ حامل شهادة تعليميّة بارع في تحويل اللغة أداة تواصل طيّعة في متناول التلاميذ على اختلاف أعمارهم ومستوياتهم. ولذلك فمقولة "مين ما كان بيعلّم عربي" تشبه قولنا أنّ أيّ فرنسيّ يستطيع أن يعلّم اللغة الفرنسيّة لمجرّد أنّه فرنسيّ ويتكلّم باللغة الفرنسيّة.
الأمر الثالث هو زوال فنّ الخطابة كنوع أدبيّ شفهيّ راقٍ له ميزات وشروط، وترك المجال لمؤتمرات صحافيّة يسيطر عليها الصراخ وتتداخل فيها الأسئلة بالأجوبة، أو لكتّاب الظلّ الموظّفين الذين يحبّرون كلمات لا يحسن رؤساؤهم قراءتها.
الأمر الرابع هو الأغنيات. لقد كانت قصائد اللغة الفصحى لكبار الشعراء هي محكّ الموهبة عند الملحّن والمغنّي، وكان الناس يحفظونها ويردّدونها، أمّا اليوم فاللهجات المحليّة هي الطاغية، والمغنّون هم الذين يضعون كلمات أغنياتهم (ماجدة الرومي ونجوى كرم مثلاً) أو مؤلّفون لا علاقة لهم بالشعر. وفي كلّ ذلك دلائل فاضحة على ابتعاد اللغة الفصحى عن ذائقة الناس.
الأمر الخامس هو المسلسلات المدبلجة (ونستطيع أن نضمّ إليها الرسوم المتحرّكة). فعند انطلاق هذه الموجة كانت اللغة الفصحى هي السائدة، ثمّ تحوّل الأمر إلى اللهجة المحليّة (السوريّة واللبنانيّة) لسهول الكتابة ولتفادي الوقوع في أخطاء لغويّة ولإرضاء الناس، صغارًا وكبارًا.
ولا بدّ أنّ إحصاءات علميّة دقيقة ستظهر أنّ أكثر المتوجّهين إلى التخصّص في اللغة العربيّة هم من الذين رفضتهم الكليّات الأخرى ولم تقبلهم في عداد طلاّبها.




















