الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الأربعاء، 13 أغسطس، 2014

أين الله؟ أين الله؟

أنا مع والديّ في شعنينتي الثانية

     منذ زمن بعيد، تعلّمت أنّ الناس يهربون من وجعنا... مذ غاب والدي عن الوعي وهو يرى الطبيب يسحب، قبل أن يسري مفعول البنج الموضعيّ، قضبان الحديد من رجلي... ومذ كانت أمّي تهرب خارج الغرفة وهي تبكي وتقول: ما عاد إلي قلب إسمع صوتها عم تصرخ من الوجع...
     منذ ذلك الحين وأنا أعرف أنّ الناس يهربون من وجع الآخر، لأنّهم أكثر ضعفًا من مساعدتك على حمله وتحمّله. لذلك كان الامتحان الذي جعلت الجميع يخضعون له هو أن أواجهم منذ اللقاء الأوّل بالحديث عن ألم ما، أيّ ألم، أيّ وجع، أيّة معاناة، أيّة مشكلة، وكانت النتيجة دائمًا واحدة...
     في مسرحيّة جبال الصوان، يقول الأخوان رحباني ما معناه: حامل الحزن بيهربو منّو الناس، بيخافو يعديهن...
      حامل الحزن وحيد، على درب آلام طويلة، مهما سخر وضحك وهزئ وشاكس. حزنه يصرخ في طرائفه ونكاته، ووجعه يستغيث بين ضحكة وضحكة، وجراح روحه تشقّ صحراء وحدته ليعانق شمسًا ولو حارقة... لكنّ الناس، أقرب الناس، يعجزون عن تحمّل آلام روحك، لأنّهم عاجزون عن سبر أغوار نفسك...اسألوا عائلة روبن وليامز!
     علاقتي مع الفيسبوك وتويتر والمدوّنة أثبتت لي ذلك بطرق أخرى مغايرة... الناس يقرأون ما تكتب لكنّهم لا يرون عينيك المتورّمتين من البكاء، يرونك تضع هههههههههه، ولا يعرفون أنّ إصبعك ربّما ضغط على الحرف وتشنّج من الغضب، تنقل لهم خبر فجيعة فيضعون لك "لايك"... معهم حقّ، لا ألومهم. لا أحد قادر على احتمال ألم الآخرين. لكلّ صليبه وألمه ومعاناته...
     الشاعرة الصديقة ليلى عيد تعاني من آثار الجلطة الدماغيّة، وهي في مركز إعادة التأهيل. لم أزرها وقد لا أفعل، رائحة المستشفيات تعيدني إلى البياض الذي يحاصر المريض... أهرب من وجعي لا من وجعها، من ذاكرتي لا من واقعها، من رؤية عجزي لا عجزها... فأعتب على ذاتي الكبيرة وأهدّئ من روع ذاتي الصغيرة، من خوف الطفلة التي كنتها وأقول لها لا بأس، لا تخافي من الوجع بعد الآن...
حاولت الليلة أن أحكي لصديق عن هذه الأمور، لكنّ الصديق له ألمه، فكيف أسمح لنفسي بمضاعفة وجعه، فأهرب إلى المزاح، لأرى أمامي ليلى عيد تبكي وحيدة في غرفتها بعدما انفكّت من حولها حلقة العُوّاد والزائرين، فكيف أضع "لايك" لحالتها؟؟ أودّع الصديق الحبيب وأتركه لألمه، وأعود لألمي، لعلّ ليلى تغفو قليلًا...
     ليل المستشفيات لا يشبه أيّ ليل آخر في أيّ مكان... مرّات كثيرة، أزور الطفلة التي كُنتها لأجد وسادتها مبلّلة بالأسئلة... مأساة المريض أنّه لا يعرف الأجوبة: لماذا أنا؟ لماذا الآن؟ إلى متى؟ أين الله؟ أين الله؟

     بين ليلى التي تعبر الآن من المرض إلى التعافي وصديقي الذي يعبر الآن إلى الشطر الأخير من القصيدة، أعبر أنا في أروقة المستشفيات فأرى الألم ساهرًا يتنقّل من غرفة إلى غرفة ليقضّ مضاجع المرضى... أخاف أن يراني فأهرب إلى الغيبوبة كما فعل والدي وإلى خارج ذاتي كما فعلت أمّي... وأنا أسأل: أين الله؟ أين الله؟ 

ليست هناك تعليقات: