الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الخميس، 14 أغسطس، 2014

إيلي خوري حامل ملفّات الأرض إلى كمبيوتر السماء!



     عزيزي إيلي!
     هل ورد في اللغة العربيّة أنّ المعلّمة تكون ثكلى كذلك حين تفقد أحد تلامذتها؟ لا تُعدِ السؤال إليّ وأنت تقول مبتسمًا - لا أذكر أنّني رأيتك غير مبتسم: أنتِ معلّمتي! أجيبي أنتِ!
     كيف أجيب يا عزيزي وفي الحلق غصّة، وفي القلب جرح، وفي البال ألف سؤال وسؤال؟
     يا إيلي! من سيحصي عليّ أنفاسي الفيسبوكيّة بعد الآن؟ ولمن ستكون أوّل "لايك" على جملة أو نصّ بعدما كنت تسبق غيرك في الإعجاب والمشاركة؟ وهل صار الرثاء، رثاء الشباب، موضوعًا جديدًا نصبّ فيه غضبنا ونقمتنا وتساؤلاتنا؟
     بين يديك يا إيلي الصاعد إلى السماء في مركبةِ أحلامك السريعة ملفّاتٌ كثيرة: ملفّ المسيحيّين في هذا الجزء من العالم المتروك للحديد والنار، ملفُّ الكهنة، ووالدُك منهم، وكيف اختلط قمحهم القليل بالكثير من الزؤان، ملفّ الوطن وكيف يتطاير أمام عواصف الصحراء ككثيب رمل بعدما كان جبلًا يتحدّى الأعاصير، ملفّ هذا الوطن الذي شبع دماء... ومن غيرُك يا إيلي قادر على ترتيب هذه الملفّات في كمبيوتر السماء بعدما ضاقت به الأرض؟ من سواك يولي هذه المسائل الاهتمامَ الكافي، بمحبّةٍ تعلّمها من أمّه، وحكمةٍ أخذها عن أبيه، وشجاعةٍ عرّفه عليها شقيقه، وشفافيّة تميّزت بها شقيقته؟ ولو لم تكن كذلك لما كانت موضوعاتي الأثيرة عندك تلك التي تعالج قضايا الوطن والطائفة والتربية والمجتمع...
     لم ينتهِ عملك هنا يا إيلي، إلّا ليبدأ هناك: أخبرِ الله عن كنيسته وما يصيبها، وأنت عشت في كنف أب كاهن يحفظ كلّ ألمٍ في قلبه، حتّى أتى رحيلك المفاجئ ليحمّل هذا القلبَ ما هو فوق طاقة البشر... أخبرِ الله عن حزننا وفقرنا وتشرّدنا وخوفنا واضطرارنا إلى الهجرة كي نكسب لقمة العيش... أخبر الله عن رجال يتاجرون باسمه وأحزاب تدّعي ملكيّته... أخبر الله عن رحلتك في هذه الأرض، متنقّلًا من مكان إلى مكان باحثًا عن الأمان والاستقرار...
     ولكنّ عملك الأصعب يا إيلي أن ترسل من حيث أنت سلامًا لفكر أبيك المشتّت، وسكينةً لقلب أمّك المفجوعة، وطمأنينة لبال أختك التائهة من دونك، وفرحًا لأخيك العريس وعروسه الجميلة اللذين شهدتَ على حبّهما وشاركتهما الإعداد لزواجهما الذي لم يمضِ على الاحتفال به أسابيع... وساعدني، ساعدني، وقد صيّرتك السماء الآن أكثر فهمًا منّي، وأكثر حكمة وأكثر محبّة، كي أفهمَ موتَك، وموت كثيرين من الأطفال والشبّان والشابّات... وساعدنا، ساعدنا كلّنا، كي نحبّ الحياة أكثر، كي لا يصير العنف مشهدًا يوميًّا عاديًّا، تبدأ به نشرات الأخبار وتنتهي به، كي نتعلّمَ أنّ الموت هو الشواذ لا القاعدة، وأنّ الموظّف أهمّ من الوظيفة، وأنّ العامل أهمّ من العمل، وأنّ الإنسان أثمن من الوقت، وأنّ الأطفال أغلى من التراب، وأنّ للفرد قيمةً فريدة من نوعها، كما كنت أنت...

    إيلي خوري! أراك الآن تبتسم وتحفظ رسالتي في ملفّ كمبيوترك، مع رسائل أصدقائك وزملائك ومحبّيك، وتمشي بين أهل السماء فخورًا وأنت تقول لهم: أرأيتم؟ لم أعبر من هناك كأني لم أكن... لقد عشتُ قليلًا لكنّي سأحيا طويلًا...

هناك تعليق واحد:

جمال السيد يقول...

الله يرحمه ويجزيه خيراً. البقاء لله