من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الثلاثاء، 22 مارس، 2011

إكليل زهر على ضريح أمّنا الأرض


وحدها الطبيعة تستحقّ أن نتذكّرها في عيد الأمّهات، وكلّ أمّ عداها تُلام لأنّ الذين أنجبتهم أبناء للحياة خربوا الأرض ولوّثوا المياه وأفسدوا الهواء. هل في هذا الكلام قسوة على أمّهات لا ينطبق عليهنّ هذا الوصف؟
أكيد. أعرف ذلك وأعترف به وأنا أرى إلى يد أمّي الخضراء تفيض زهرًا وزيتاً.
ولكن في ما يصيب الطبيعة قسوة أكبر، وإلاّ لما كانت اهتزّت تحت أقدامنا، وفغرت فاهها لتبتلعنا، وأغرقتنا في حمم أحشائها. للذين يعيثون في الأرض فسادًا أمّهاتٌ يحببن فلذات أكبادهنّ، فماذا ينتظرن منهم في عيد الأمّهات؟
زوجة علي عبد الله صالح أمّ، وزوجة معمر القذافيّ أمّ، وزوجة زين العابدين بن عليّ أمّ، وزوجة حسني مبارك أمّ، فبأيّ حال عاد عليهنّ العيد؟ وما الهدايا التي ينتظرنها من أبنائهنّ:
أسِواراً آخر وأولادهم الزعماء، أولاد الزعماء، سوّروا بلادهم بالنار؟
أم قلادة نادرة وهم قلّدوا أنفسهم أرفع الأوسمة بعدما ساموا شعوبهم الذلّ؟
أم خاتمًا والواحد منهم مؤمن بأنّه خاتم الزعماء والقادة وصنو الأنبياء؟
أم عقيقًا وهم ما تعلّموا إلاّ العقوق للوطن فأغرقوه في أحمر الدم، وما أجادوا إلاّ الغدر بالناس فذبحوهم كالنعاج؟
وكيف يمرّ العيد نفسه على والدات الشهداء والضحايا والأسرى والمخطوفين وسجناء حريّة الرأي الذين لا تتّسع حيطان مدننا العربيّة لصورهم وأسمائهم؟
وهل من العدل أن نعطي لكلّ اللواتي أنجبن أولادًا اسم أمّ؟
• • •
طلاء الأظافر الأحمر المتوهّج نارًا على أنامل النساء أكثر أناقة ونظافة من التراب الأحمر الخصب المعطاء، فكيف لا تغار الطبيعة وتنتفض نقمة؟
الرياضة في النادي الحديث أكثر رفاهيّة من العمل في الحقل، فكيف لا تحزن الأشجار وتذرف أوراقها دمعًا على جنس البشر الباحثين في جنس الملائكة أو اللاهثين خلف جنسٍ مصنّع؟
فأقلّ ما تفعله الأرض أن تميد لا بل أن تهتزّ لأنّ الأمّهات اللواتي كنّ يهززن السرير بيد والعالم بيد اعتزلن الأمومة وقدّمن استقالات جماعيّة من العناية بأولادهنّ من أجل تحقيق ذواتهنّ. فكيف ستكون، وهذه هي الحال، صورة الأمّ في الآداب والفنون من الآن فصاعدًا؟
وهل نتوقّع بعد الآن أن يصدّق تلامذة المدارس قصائد يعلّمونهم إيّاها في هذه المناسبة عن الأمّ الملاك التي قدّسها سعيد عقل، أو الأمّ التي تحبّ بغير منّة كما رآها رشدي المعلوف، أو الأمّ التي تصنع الخبز والقهوة كما انطبعت في ذاكرة محمود درويش؟
• • •
من خبريّات الأمّهات الحديثات:
1- معلّمة في مدرسة لا تقبل بالتخلّي عن عملها علمًا أنّ راتبها لا يتعدّى مبلغ الـ 600 ألف ليرة، ولا تعترف في الوقت نفسه بأنّها تدفع أكثر من ذلك بكثير كلفة خادمة لبيتها وحضانة لطفلتها، ومعلّمة دروس خاصّة لابنها الكسول، فضلاً عمّا تنفقه على ثيابها وشعرها وأظافرها وأدوات زينتها. والسبب في تمسّكها بالعمل بحسب قولها هو تربية الأجيال الصاعدة!
2- عاملة هاتف في مؤسّسة توقظ طفليها من نومهما عند الخامسة صباحا لكي تستطيع أن توصلهما عند والدتها قبل أن تذهب إلى عملها، ولا يعنيها كثيرًا ما يسبّبه لهما ذلك من توتّر نفسيّ وأمراض، فحجّتها أنّ النساء في زمننا لا يقبعن في البيت بل يساهمن في بناء المجتمع.
3- موظّفة في مصرف لم تعلّم أولادها أبسط أمور النظافة الشخصيّة غضبت حين استدعتها المدرسة لتنبيهها إلى هذا الأمر، لأنّ زملاءهم ينفرون منهم، فبرّرت انشغالها عنهم بحاجتها إلى العمل لأنّ المصرف يدفع قسمًا كبيرًا من أقساط المدرسة (حيث يشمئزّ منهم الجميع).
• • •
اعتدنا الشعارات والأناشيد. ولا أعرف إن كان يجري مثل ذلك في الدول الأخرى وبمثل هذا الإصرار والتكرار: أغنيات وقصائد للأرض والوطن والشجرة والأمّ، ومع ذلك ها هي الأرض تتصحّر والوطن يتفتّت والشجرة تحترق والأمّ تمحو صورتها التقليديّة كرمز للتضحية لترسم واحدة جديدة لا رائحة طعام تفوح منها. الرائدات في مجال تحرير الأمّ من صورتها النمطيّة حقّقن إنجازًا حين ثرن على عبارة: "كان أبي يقرأ الجريدة وأمّي تعدّ الطعام"، وهي العبارة التي رافقتنا في كتب القراءة منذ الدرس الأوّل. غير أنّ الصورة الجديدة للمرأة الحديثة وقعت في التطرّف السابق نفسه: رفضٌ لإعداد الطعام وصولاً إلى التخلّي التامّ عن الواجبات العائليّة، كأنّ ذلك أمر معيب ومهين، مما يستدعي بالتأكيد نصًا جديدًا وقراءة اجتماعيّة جديدة، لعلّنا نصل إلى المرأة/ الأمّ الحرّة، لا الضحيّة التي تشعر بالذنب إن اعتنت بنفسها، ولا الأنانيّة المؤمنة بأنّ أنوثتها سلاح وأمومتها عقاب.

***

صحيفة النهار - الثلثاء 22 آذار 2011

مقابلة أجرتها معي الشاعرة والناقدة عناية جابر في صحيفة السفير



فترة الانتداب لم تعطَ حقها روائياً رغم وضوح آثارها في حياتنا اليومية
ماري القصيفي: الروايات العربية بدأت تضجرني لتشابهها

حاورتها : عناية جابر
22 آذار 2011
عن « سائر المشرق» صدرت للشاعرة والكاتبة اللبنانية ماري القصيفي روايتها حديثاً: « كل الحقّ ع فرنسا».
ماري، في بدايات علاقتها بالكتابة في الصحف، كانت تُذيّل مقالاتها باسم مُستعار هو مي الريحاني، لتعود وتُصدر باسمها الأصلي نتاجاتها في الشعر والمقالة والرواية منها: «لأنك أحياناً لا تكون» و»رسائل العبور» و»نساء بلا أسماء» و»الموارنة مرّوا من هنا». مع القصيفي عن جديدها الروائي، كان هذا الحديث: 
[ لماذا كلّ الحقّ ع فرنسا، والقول الشائع هو إنّو الحقّ ع الطليان؟
ـ على الطليان أو على فرنسا، المقصود أنّنا دائمًا نضع الحقّ على الآخرين لا على أنفسنا. «نجلا»، إحدى أهمّ الشخصيّات في الرواية تتهمّ فرنسا في ما أصاب عائلتها، وتبرّئ نفسها من أيّ ذنب مع أنّها هي التي دفعت ابنتها إلى أحضان أحد الضبّاط الفرنسيّين في مقابل أن يخرج ابنها من السجن. ولكن أحد أحفاد «نجلا» يقول ما معناه: لم نعد نعرف الحقّ على من: فرنسا أو أميركا أو سوريا أو إسرائيل.أعتقد أنّ فترة الانتداب لم تعط حقّها على الصعيد الروائيّ، مع أنّ آثارها واضحة في تفاصيل حياتنا اليوميّة. وهذه الرواية محاولة لرصد هذه الآثار من خلال قصّة عائلة تغيّرت مصائر أفرادها بسبب محاولة الأمّ استغلال الانتداب المتمثّل هنا بالضابط الفرنسيّ لتحقيق هدف آنيّ شخصيّ. فنحن اللبنانيّين نتذاكى دائمًا على المحتلّ أو المنتدب ونظنّ أنّنا نستغلّه ونستفيد منه. ولكن في الرواية ما هو أكثر من ذلك، فيها حكايات الحرب والزواج بين الطوائف والهجرة والخطف وتغيّر صورة لبنان مع كلّ مرحلة من تاريخه.
صورة لبنان 
[ ما الذي دفعك إلى تأريخ هذه المرحلة روائيًّا؟ ولماذا الآن؟ 
ـ التاريخ الحقيقيّ للشعوب موجود في الرواية. قديمًا كان الشعر تاريخ العرب. اليوم تقوم الرواية بهذا الدور، خصوصًا في بلد كلبنان لا كتاب تاريخ موحدًّا له. تاريخنا مملوء بالصراعات والحروب على أرض ضيّقة جغرافيًّا، فمن الطبيعيّ أن نحمل كلّنا بصمات هذه الصراعات والحروب في لغتنا وعاداتنا وطرائق عيشنا، وهذه كلّها تجد مكانها في الرواية كنوع غير خاضع للقوانين التي وضعناها للتأريخ: محسوبيّات ومسايرات. فحين لا يكون لدينا أبطال متّفق عليهم بين جميع مكوّنات الوطن يصير كلّ واحد منّا بطلاً يستحقّ رواية تؤرّخ سيرته. لذلك أنا لا أكتب تاريخ وطن بل ألتقط مشاهد من حياة أبناء هذا الوطن الذين همّشهم التاريخ. أمّا لماذا الآن، فربّما لأنّني تركت التعليم. العمل التربويّ يستهلك الوقت والطاقة، قد يسمح بمقالات أو قصائد، أمّا الرواية كبنية فتحتاج إلى التفرّغ. عدا عن أنّ عالم التربية عالم محكوم بجملة اعتبارات تعيق الحرية في الإبداع والتعبير، مرّة بحجّة المحافظة على الأخلاق كما يفهم القيّمون على المدارس موضوع الأخلاق، ومرّة نزولاً عند اعتراض لجنة الأهل التي تخاف على أفكار التلامذة من أفكار المعلّمة. ولن أخفي أن تركي التعليم تمّ تحت ضغط هذه الازدواجيّة في معايير التربية إذ ندّعي أنّنا نسأل التلميذ عن رأيه، إلاّ أنّنا ننتظر أن نسمع الجواب الذي نريده. وفي هذه الأجواء يفرض الواحد منّا على نفسه رقابة ذاتيّة تخنق إبداعه أو يترك التعليم وهو آسف لأنّ المدارس صارت مجمّعات تجاريّة ترضخ لشروط العرض والطلب. هذا من جهة، ومن جهة ثانية، أنا مقتنعة الآن بأنّ صورة لبنان التي كنت أعرفها وأحبّها مهدّدة. الأمر يرعبني فعلاً. وكان عليّ أن أكتب. لا لأجد الأجوبة، بل لأطرح الأسئلة على نفسي قبل أيّ أحد آخر. فأنا لست شديدة الإيمان بأنّ الكتابة تغيّر الآخرين، بل تغيّر من يكتب. 
[عنوان الرواية باللبنانيّة المحكيّة، ولافت التوظيف السلس للعاميّة في السرد. فإلامَ تهدفين من خلال المزج بين العامية والفصحى؟ 
ـ لم يعد في الإمكان الهرب من مواجهة مسألة اللهجات المحليّة ودورها في التعبير بعدما اكتسحت لغة الدردشة عبر الإنترنت، بأشكال حروفها المستحدثة، وسائل التعبير لدى الأجيال الشابّة. اللغة تنبت من حاجة الناس إليها ولا تكون بقرار. ولهذا في رأيي لم تنجح تجربة «سعيد عقل» اللغويّة في حين نجح الشباب في «اختراع» لغتهم الخاصّة، ومن هذا «الاختراع» بحسب قراءتي للثورات العربيّة التحرّرية كانت بداية سقوط الأنظمة. لم يكن للبنانيّة المحكيّة مكان أو مناسبة في كتبي الأربعة السابقة الموزّعة على نصوص شعريّة ومقالات اجتماعيّة وقصص قصيرة، علمًا أنّني نشرت نصوصًا شعريّة باللبنانيّة المحكيّة، غير أنّ الرواية عالم فسيح يحتمل مزيج اللغات واللهجات والأنواع الأدبيّة. وحين نضع في الرواية شخصيّات كثيرة من مختلف الطبقات الاجتماعيّة والفكريّة، لن يكون من المنطقيّ أن تكون لغتهم واحدة، فهل يمكن أن تتحدّث امرأة أمّيّة كما تتحدّث فتاة جامعيّة؟ على كلٍّ، سبق للروائيّين والمسرحيّين أن عالجوا هذه المسألة ولم يصلوا إلى نتيجة حاسمة. والسؤال في رأيي ليس بأيّة لغة نكتب بل ماذا نكتب وماذا نريد أن نقول. 
الرواية أبقى من الواقع
[ كيف ترسمين الحدود بين الواقع والمتخيّل في الرواية؟ 
ـ شخصيّات الرواية أبقى وأجمل (الجمال بالمعنى الفنيّ) من أيّ واقع. هذا ما يجب أن تكون عليه الأمور، وأتمنّى أن أكون نجحت في ذلك. الفنّ يبقى والأشخاص عابرون، ولولا الفنّ لما بقي شيء ممّا جرى مع الناس ولهم. وهذا البقاء نابع من قدرة الفنّ على الارتقاء بالواقع المحليّ الآنيّ الخاصّ إلى الإنسانيّ الشامل العام. والحياة تقدّم لنا ما هو أغرب من الخيال، ألا يفوق الخيال أن نصمد نحن اللبنانيّين كلّ هذه الأعوام بلا دولة أو نظام؟ ألا يفوق الخيال أن يفتك السرطان بالناس والأطفال ونحن مشغولون بالمحكمة الدوليّة وسلاح حزب الله؟ ألا يفوق الخيال ما يحدث في الدول العربيّة ولا يحدث عندنا؟ ثمّة أمور تجري معنا وحولنا تفوق الخيال، ولولا الحلم لما استطعنا البقاء والصمود. ما من حدود بين الواقع والمتخيّل في الرواية، فلقد تداخلت الأمور بشكل جعلني أصدّق وجود الذين اخترعت وجودهم، وأنساني الأسماء الحقيقيّة لبعض الذين استوحيت من حيواتهم. وحين بدأت الكتابة اختفى كلّ الذين كنت أرغب في سرد حكاياتهم وقادتني الشخصيّات أمامي إلى حكايات أخرى مختلفة تمامًا. وهذه تجربة جديدة بالنسبة إليّ كوني أكتب روايتي الأولى.

[ لمن تقرأين؟ وبمن تأثّرت على الصعيدين اللغويّ والفكريّ؟ 
ـ أقرأ كلّ ما أعرف بوجوده وأستطيع الحصول عليه. قد لا أتابع كاتبًا معيّنًا في كلّ ما كتبه، ومن الممكن أن أضجر من كتاب فلا أنهيه، إلاّ أنّني لا أضع أحكامًا مسبقة على كاتب أو كتاب. أقرأ الشعر دائمًا، وحين أكون في مرحلة الكتابة أمتنع عن قراءة الروايات. الرواية العربيّة بدأت منذ بعض الوقت تضجرني خصوصًا حين صار أكثرها متشابها، فأهرب إلى الرواية الأجنبيّة باللغة الفرنسيّة أو المترجمة إلى الفرنسيّة من لغات أخرى. حاليًّا وبسبب عمل روائيّ آخر أقرأ الآن كتب التاريخ وعلم الاجتماع للإحاطة بمرحلة معينة تدور الرواية فيها.
تأثّرت بطريقة أو بأخرى بكثيرين خصوصًا في مجال الفنّ القصصيّ ما دام الحديث عن الرواية. أحبّ مثلاً الشخصيّات العنيفة والقاسية عند توفيق يوسف عوّاد، والرمزيّة عند يوسف حبشي الأشقر، والحسّ المقاوم عند غسّان كنفانيّ، والثقافة في نصوص جبرا ابراهيم جبرا، وبدايات حنّا مينه. هذا طبعًا على سبيل المثال لا الحصر. 
[ هل يعني ذلك أنّ طبيعة نصوصك تتغيّر بين المدوّنة والصحيفة والكتاب؟ 
ـ ليس طبيعة النصوص وجوهرها لأنّ التي تكتب النصوص كلّها هي أنا، ولكن لنعترف بأنّ الصحافة، مهما تحدّثنا عن حريّتها في لبنان، عوّدتنا على رقابة ما. فأنا مثلاً لم أتعرّض لأيّة مساءلة حول نصوصي في الصحف التي نشرت فيها، غير أنّني من تلقاء نفسي أعرف ما يصحّ نشره في هذه الصحيفة أو تلك. وهذا أمر يزعجني طبعًا لذلك كانت بداية النشر باسم مستعار هو «مي م الريحاني» أكثر المراحل الكتابية حريّة لأنّ الناس لم يعرفوا من هي صاحبة الاسم، ولم أكن أفرض على نفسي رقابة لأنّ النص إن رُفض فلن يكون الرفض موجّهًا لـ»ماري القصيفي» بل لـ»مي م الريحاني» التي على ما يبدو كانت أكثر شجاعة وقدرة على قبول الرفض والاستمرار في الكتابة. أمّا المدوّنة فصحيفتي اليوميّة، تصلني بالعالم وتحرّرني من الرقابة وعدد الكلمات المسموح بها، وتتيح لي أن أضيف لوحات وصورًا وأن اكتشف هذا العالم الجميل والمخيف في الوقت نفسه، فضلاً عن أنّه عرّفني على قرّاء يتمتّعون بحسّ عال من الثقافة والنقد، وحين يتابعني يوميًّا نحو 400 شخص من مختلف أنحاء العالم، أعرف أنّني لا أكتب لنفسي فقط. وهذه مسؤوليّة ومتعة. الكتب مسؤوليّة من نوع آخر وإن كان لي فيها الحريّة المطلقة، هي المسؤوليّة الأدبيّة عمّا أريد أن يبقى على صعيد الإبداع بين كلّ هؤلاء المبدعين والمبدعات الذين أرغب في الانضمام إلى حلقتهم.

الخميس، 17 مارس، 2011

رواية كلّ الحقّ على فرنسا في جريدة اللواء




(كلّ الحق عَ فرنسا) لــ ماري القصيفي

عن دار سائر المشرق صدر لماري القصيفي رواية بعنوان (كلّ الحق عَ فرنسا) تدور في اطار بانورامي شاسع، تختلف وتتنوع أجواء السرد فيه بحيث يبدو أقرب إلى النص الروائي المفتوح•
من مقطع بعنوان "أحمد الأميركي" نقتطف :

أنا أحمد الأميركي ولا نشيد لي، ولا وطن ولا تاريخ• أحمل بندقيتي وأمشي في شوارع بغداد وأطلق النار على كل ما يتحرك• قالوا لنا: لا تثقوا بهؤلاء العرب، ولا تصدقوا ابتسامات نسائهم وعيون بناتهم
لم أقل لهم إنّي كنت أحمد العربي قبل أن أتعمّد في شوارع نيويورك بالرماد الذي غطّى المدينة، وصرت أميركياً أصرخ:
(بالدم والروح أفديك يا بلادي الجديدة)
أنا لست مسلماً ولا مسيحياً ولا فلسطينياً ولا لبنانياً وأكره العرب• أنا أميركي، وآكل الهمبرغر وأشرب الكوكاكولا وألبس الجينز سبعة أيام في الأسبوع، وأنام مع صديقتي، ولا علم لي بمنطقة اسمها الشرق الأوسط• كلّ ما أعرفه أنني التحقت بالمارينز كي لا يشير إليّ أحد متهماً إياي بأنني من هؤلاء الذين يفجّرون أنفسهم ويقتلون الأطفال والأبرياء•
أنا أميركيّ وأريد أن أنشر الديمقراطية في العالم لكي يصير العالم كله مثل أميركا•
تقع الرواية في 335 صفحة من القطع الوسط•

الأربعاء، 16 مارس، 2011

وحدك في الصراع




1 - جذر فعل قبّل قَبِلَ، ففي القبلة إذاً قبول. ومع ذلك فالناس يقبّلون بعضهم بعضاً في سهولة ولا يقبلون بعضهم بعضاً في السهولة نفسها.

2 - جذر فعل عبّر عبر، ففي التعبير إذاً عبور. أنا أعبّر وصديقي يعبر. ما يفعله إذاً أساس لما أفعله. فكيف أعتب عليه؟

3 - صوت القذائف قصف وصوت الرعد قصف. هكذا يقّلد الإنسان الطبيعة وهكذا يقتلها.

4 - أحبّ نفسي عندما يحبّها الآخر.

5 - أتمنّى أحيانًا لو تقع كارثة في أيّ مكان ومع أيٍّ كان لأجد حجّة كي أتصل بك وأخبرك.

6 - الحياة هشّة وسريعة الذوبان كقطعة صغيرة من الشوكولا، ولكنّها ليست لذيذة الطعم مثلها.

7 - بال الرجل على جذع الشجرة ثم تناول ثمرة من ثمارها واستمتع بطعمها. هكذا سيفعل من سيمرّ مثله في المكان نفسه.

8 - أعاد إليّ صديقي العابر هالة الإعجاب التي وضعتها حول رأسه منذ عرفته. قال إنّها صارت تزعجه وتقضّ مضجعه.

9 - لو وضعوا الحبوب المهدّئة في خزّانات المياه العامّة لتصل إلى كلّ بيت عربيّ، وشرب منها كلّ طفل وامرأة ورجل لارتاح الجميع. فما دام كلّ واحد منّا مصاب بانهيار عصبيّ لسبب أو لآخر، أو هو معرّض لذلك في يوم ما، فلماذا لم توفّر الدول العربيّة على شعوبها مشقّة الحصول على وصفات طبيّة وشراء الأدوية؟ هذا من جهة، ومن جهة ثانية يسود الهدوء في شوارعنا وبيوتنا وترتسم الابتسامات الراضية على جميع الوجوه ولا يخشى نظام ما من فورة غضب قد تنتاب بعض فئات الشعب وتسبب وجع الرأس، وتتوقّف بالتالي جميع المطالب الأخرى.

10 - لفّت كنّة الشاعر سندويشات أولادها بأوراق قصائده فسمنت أجسامهم وضعفت عقولهم.

11 - أجرت المرأة عشرات العمليّات التجميليّة لتمحو صورتها القبيحة من الوجود. ولكن حين ولدت ابنتها فوجئت بصورتها القديمة تعود إلى الحياة... وهي تزعق.

12 - الرجل الذي أحبّه يحتاجني حين يكون مريضاً، فإن صلّيت كي لا يمرض توقّف عن الاتصال بي، وإن صلّيت كي يتصل بي بدوت كمن يتمنّى له المرض. من الأفضل أن أحبّ أحدًا سواه ليرتاح ضميري.

13 - سوف أستعمل أطرافي وحواسي حتى أرهقها، سوف أستغلّ كلّ لحظة في الحركة والكتابة والمشي والنظر والأكل والشرب. فأنا لا أعلم متى أفقد القدرة على فعل شيء من ذلك.

14 - ثمّة تعب يرميك في أحضان النوم، وثمّة تعب يقودك إلى اليأس، وثمّة تعب يلجئك إلى الصلاة، وثمّة تعب يدفعك إلى الإدمان عليه حتى لا تعود تشعر بشيء آخر.

15 - ما قصدت مرّة صديقاً لأطلب منه مساعدة إلاّ وطلب منّي أوّلاً أن أشرح له كلّ شيء. وفي كلّ مرّة وبعدما أنتهي من الشرح أمتنع عن الطلب.

16 - والدك الذي يعاملك كصديق يتذكّر في مناسبات كثيرة أنّه الوالد وأنّك ابنه وله عليك حقّ الطاعة. وربّ العمل الذي يعاملك كصديق يتذكّر أيضًا حين تدعو الحاجة أنّه ربّ العمل وأنّك الموظّف عنده وعليك أن تعامله على هذا الأساس. والمعلّم في المدرسة يعامل تلامذته كأصدقاء ثمّ يتذكّر حين يخالفونه الرأي أنّه سيّد الصفّ وعليهم أن يصمتوا. أيّتها الصداقة كم من الجرائم ترتكب باسمك!

17 - عندما تغضب المرأة من الرجال تشتمهم وتصفهم بأنهم "كلاب". عندما يغضب الرجل من النساء يشتمهن ويصفهنّ بأنّهن "عاهرات". المرأة في عمق تفكيرها لا تنفي عن الرجال صفة الوفاء. الرجال في عمق تفكيرهم لا يرون في النساء إلا مشاريع ساقطات.

18 - كم أشعر بفرح الانتصار عندما يتّصل بي رجل من زمن العشق ليقول إنّه نادم لعدم تمسّكه بي! كنت محظوظة ولم أكن أعلم. لقد أنقذتني السماء من الأغبياء والجبناء.

19 - لا يزالون يقتلون الفيلة ويصنعون من أنيابها فيلاً تذكاريّة. لا يزالون يقطعون الأشجار الخضراء ويصنعون منها الورق ليرسم عليها الأطفال أشجارًا ويلوّنوها بأقلام خضراء. لا يزالون يخطّطون لحروب بشعة تصلح للكتابة عنها ثمّ لتصويرها في أفلام جميلة. إنّهم الناس.

20 - وحدك في الصراع مهما كثر حولك الناس. إن نسيت ذلك قضى عليك تفاؤلك.

الثلاثاء، 15 مارس، 2011

رسالة الصوم التي لم يقرأها أحد


شقيقي موريس مع عائلته في الفاتيكان
برفقة النحّات الذي صمّم تمثال مار مارون ونفّذه


بدأ الصوم عندنا ولا رسالة من غبطة البطريرك المستقيل مار نصرالله بطرس صفير. قيل: لم يعد يحقّ له أن يخاطب الموارنة من موقعه كسيّد الصرح. قيل: لن يهتمّ مارونيّ واحد بموضوع إرشاد روحيّ في مرحلة تشهد صراعًا مسيحيًّا مسيحيًّا على السلطتين الزمنيّة والدينيّة. وقيل: أمام المتغيّرات العربيّة، وفي انتظار القرار الظنيّ، وخلال الإعداد لتظاهرة 13 آذار في الأحد الأوّل من الصوم، لن ينتبه أحد إلى أنّ البطريرك المارونيّ لم يوجّه رسالة كما اعتاد أن يفعل. وغاب عن بالنا جميعًا أنّ كتاب استقالته هو رسالة الصوم التي لم نفهم بعد مضامينها العميقة ودروسها الآنيّة والمستقبليّة. ولعلّ أوّل ما يجب علينا كموارنة أن نتعلّمه هو التفكير من الآن فصاعدًا في من ترسمه الكنيسة كاهنًا لا في من تختاره بطريركًا. ولا يجوز بعد الآن أن نكون نحن العلمانيّين شهود زور على سيامات كهنة نعرف تمامًا أنّهم يشوّهون وجه الكنيسة الجامعة، أو أن نقول آمين ونحن لا نفهم ما نعلن رغبتنا إلى الله في الاستجابة إليه، وإلاّ فلن يبقى لآل الخازن ما يتسابقون لحمايته، فالكنيسة المارونيّة وإن كانت تفتخر بحجارتها المنحوتة من صخر لبنان لن تستمرّ إن كانت قلوب أبنائها وعقولهم من الصخر نفسه.

الكنيسة لا تعرف الفراغ ولا المرحلة الانتقاليّة ولا حكومة تصريف أعمال- الكنيسة التي أعرفها على الأقلّ- ولا تستمدّ وجودها من منصب مهما علا مقامه أو من إنسان مهما عظم دوره، ولهذا استمرّت وتستمرّ. ولا لأنّ فيها رجال دين وراهبات بل لإنّ فيها نساء ورجالاً يحسنون التفكير والكلام والكتابة والعمل والتربية، ولا لأنّها تملك الأراضي والممتلكات بل لأنّ فيها مزارعين يحبّون الأرض وإداريّين يحسنون الاهتمام بالممتلكات. فلم يعد من المقبول أن يعظ رجال الإكليروس الناس بفوقيّةِ من يمتلك دون سواه أسرار المعرفة، أو أن يرمي العلمانيّ الكاهن بحجر بدل أن يسند خابية الخلاص. الكنيسة أنا. الكنيسة هي كلّ واحد من المؤمنين برسالة المحبّة والفكر فيها، وحين تناسى الجميع ذلك بسبب تواطؤ بعض رجال الدين وجهل كثير من العلمانيّين وصلت الكنيسة المارونيّة إلى واقعها المؤلم وإن غير المميت حتى الآن. ومع ذلك يبقى الخطر قائمًا ما لم ينتبه الموارنة إلى جملة معطيات: فالثورات اليوم في العالم العربيّ لم يقم بها موارنة، لا دعوةً ولا تنظيمًا؛ والحريّة التي تطالب بها الأجيال الجديدة ليست الحريّة الجنسيّة التي أصرّ بعض روائيينا وشعرائنا على أنّها أمّ الثورات؛ واللغة التي استخدمها الثائرون في الشوارع العربيّة ليست اللغة العربيّة التي يفتخر الموارنة في كلّ مناسبة بأنّهم حافظوا عليها؛ وهم لا يملكون نفطًا كالذي يسيطر عليه القذافي كي يلتفت إليهم الغرب، ولا يستهلكون من القمح ما يستهلكه الشعب المصريّ كي يعتبرهم العالم سوقًا لا يستغنى عنها، وهم قطعًا ليسوا المتعلّمين الوحيدين في هذا المشرق العربيّ. ولكن لأبناء هذه الأرض، والموارنة منهم، فضل لا يتجاهله صاحب فكر متحرّر: فلم لا يكون بو عزيزي التونسيّ قرطاجيّ الانتماء من سلالة إليسار ابنة صور؟ ومن ينفي أن صحافة مصر أسّسها لبنانيّون مسيحيّون؟ ومع ذلك التهينا بجدّ حسني مبارك وزوجة هنيبعل القذافيّ. لماذا؟ لأنّنا فقدنا الثقة بدورنا وأهداف وجودنا.

من هنا تحمل رسالة الصوم التي وجّهها البطريرك صفير عبر استقالته دلالات ذات أهميّة قصوى، فهو قال لنا جميعًا: انتماء الموارنة إلى مشرقيّتهم ليس واجبًا مفروضًا بل انسجام مع تكوينهم، والتزامهم بالكنيسة الكاثوليكيّة خيار إيمانيّ حرّ؛ وعلّمنا أنّ المارونيّ ناسك قبل أن يكون زعيمًا أو كاهنًا أو مطرانًا أو بطريركًا. وقد تكون استقالته أبلغ رسائله لزملائه الأساقفة، خصوصًا الطامحين منهم إلى التمتّع بلقب صاحب الغبطة، إذ نبّههم إلى أنّ اجتماعهم مع بداية الصوم لانتخاب بطريرك جديد، تحت أنظار العالم وتطلّعات مسيحيي الشرق، سيضع تاريخ كلّ منهم وإنجازاته وعظاته أمام الاختبار الكبير. ولحظة تقرع أجراس الكنائس لن يؤتمن البطريرك المنتخب وحده على الخاتم والتاج والعصا بل كلّ مطران انتخبه سيحمل مسؤوليّة كاملة عن الهويّة المارونيّة المطلوب تحديدها وصونها، والمصير المسيحيّ المشرقيّ المنتظِر من يحميه ويثبّته، ومجد لبنان الذي ليس حكرًا على من ولد مارونيًّا بل لمن اختار المارونيّة الحضاريّة نهج فكر وأسلوب حياة أكان ذلك "المارونيّ" شابًا مسالماً ثائرًا في الساحات أم بدويًّا في الصحراء العربيّة أم حضريًّا في اليمن السعيد.

الاثنين، 14 مارس، 2011

قراءة لروايتي: كلّ الحقّ ع فرنسا بقلم جوزف باسيل/ النهار







كتاب

"كل الحق ع فرنسا" لماري القصيفي
مأساة عائلة لبنانية في القرن العشرين


"كل الحق ع فرنسا" لماري القصيفي، حكايا عائلة لبنانية تجمعت في رواية، تحكي قصة وردة – روز التي أمتحنتها الحياة صبية فظلمتها، لكنها تجاوزت ظلمها وعبرت الى قصة حب لا مثيل لها شكّلت العمود الفقري للرواية التي تتحدث عن عائلة لبنانية عاشت بشخصياتها في القرن العشرين وما زالت امتداداتها في لبنان والاغتراب.
احدى الحفيدات تحاول أن تجمع خيوط العائلة المشتتة في بلدان الاغتراب التقليدية للبنانيين، من خلال نسج علاقة الحب المثالية، كالتي نقرأ عنها في الروايات الرومنطيقية، والدوائر التي تكوّنت حولها منذ قذف أول حجر في بحيرة وردة الراكدة، لكن تياراتها تتحرك في قعرها.
"كل الحق ع فرنسا" لازمة يرددها الابناء والاحفاد، نقلاً عن جدتهم نجلا التي دفعت بابنتها الصبية وردة الى أحضان الكولونيل الفرنسي في زمن الانتداب بغية اقتناص هدفين: أولهما ترتيب زيجة "غير شكل" لابنتها، فوقعت في معضلة "غير شكل" عندما انتهت خدمة الكولونيل بعد 6 أشهر فعاد الى بلاده وزوجته متخلياً عن وردة، وثانيهما، الافادة من نفوذ الكولونيل في سهل البقاع لإخراج حبيب ابن نجلا وأخي وردة من السجن بتهمة تهريب المخدرات مع سامي خوري الشهير وتغطيته في أعماله التي اتخذها نهج حياة وباركته فيها أمه رغبة في الغنى.
لكن عندما امتهنت روز أقدم مهنة في التاريخ صارت أكثر ألقاً من أخيها حبيب وسيدة على العائلة كلها، بكرمها الذي يكفي الجميع حاجاتهم، وإن كان هو يكسب المال الوفير، فإنه يمضي معظم أيامه في السجن.
في هذه الرواية زيجات مختلطة تعبّر عن واقع الحال في لبنان، فملفينا المارونية تزوجت بأحمد السنّي الفلسطيني، وكان زواجهما ناجحاً بمقاييس الترابط العائلي، لكن مصير أولادهما لم يكن كذلك، إذ تشتت ثلاثة أولاد بين السعودية وأميركا، حيث قتل أحدهم، واختفى الرابع في لبنان، والخطف جزء من سيرة الحرب في لبنان الى جانب القصف والقنص والقتل. وما دام جزء من أحداث الرواية جرى في أثناء هذه الحرب، فلا بد أن يتعرض أحد ابناء عائلة كبيرة لتبعات الحرب وتداعياتها.
لكن الدين لا يؤثر في الحياة، إذا كانت بين شريكين مختلفين في الطائفة، إلاّ في حالتين، عند الزواج والموت، حين يكون تدخل رجال الدين حتمياً ما عدا ذلك فلا تأثير له، ولا يشعر الزوجان بأي فارق في نمط الحياة واسلوبها سوى عند المتطرفين. وقد أوردت نموذجين هما ملفينا وأحمد السنّي الفلسطيني، وجانيت ورياض الدرزي.
يربط العماد كطقس مسيحي ضروري العلاقة بين المسيح جوهر المسيحية ويوحنا المعمدان الشهيد الاول للمسيحية، ويرمز الى العلاقة بين الماء والروح. فمن تعمّد صار مسيحياً بـ"القوة"، وفق المفهوم الفلسفي، أي الروح بحسب المفهوم الديني، وإن لم يمارس مسيحيته بـ"الفعل"، بحسب المفهومين معاً. وهذه القوة بين الماء والروح بالمفهوم الديني دفعت بأمّ انطوان الى ان تقول لجارتها أم حسين: “عمّدي الصبي كي يشفى من أمراضه". وتعلق المؤلفة: "في ذلك الزمن لم تزعل أم حسين من جارتها، لو حصل ذلك اليوم لصار الدم للركب"، فهل نحن نتجه الى تخلف، أم الى عصفورية؟
أعجبني الفصل عن العصفورية منذ بنائها حتى هرب المقيمين فيها بداية الحرب، المجانين الذين تصبح فيهم كل الاخبار التي تروى عنهم او يتهمون فيها.
كذلك كان ثمة شعور فائض في تعبير شادي المخطوف عن أحاسيسه في سجنه، وعن مرارة النسيان والتخلي.
ثمة معضلة تتكشف جذورها في علاقة أوديب، إذ تتواطأ الأم مع أحد أبنائها، بذريعة حبها له، على بقية الابناء، لأسباب شعورية أكثر منها موضوعية، فنجلا تميز حبيب على رغم أنه مهرّب، قد يكون السبب انه في التاسعة كسب مالاً وأعطاها إياه. وحنة تميّز ابنها عيد المجنون وتتواطأ معه في جنونه فتمنع عنه الدواء بداعي حبه، حتى انها أوهمته بأن زوجته تريد قتله! وحلّت محلّها في احتضانه!
هل أخرجت القصيفي روز من مأساة الانتحار لأسباب روائية، بعدما كان هو عقدة الرواية، أم لأن الانتحار يشكل معضلة في نظرة الدين والمجتمع الى المنتحر وأهله. فيما جاءت شبهة انتحار نور عرضية إذ ثبت ان زوجها أطلق عليها النار، فيما كان الخوف أن ينتقل الجنون والرغبة في الانتحار بالوراثة.
من دون ادراك أو وعي يندفع اللبنانيون الى الهجرة "إن كان هناك من أمل لبسام وأختيه في حياة آمنة وجميلة، فلن تكون هنا"، لذلك فقدت الارض قيمتها لدى المسيحيين المعاصرين، بعدما دفع آباؤهم وأجدادهم دماً ثمنها، على رغم ارتفاع اسعارها الى ارقام قياسية لم تعد في متناول المقيمين منهم، "فحليت في عين الغرباء".
ترى الراوية الصورة من زاوية ما، فتظهر وجهة نظر معينة، ثم تخرج من السرد لتقتطع مساحة من المونولوغ تعبّر فيه كل شخصية عن ذاتها ومكوّناتها ومواقفها. أسلوب جديد لم يقطع السرد، بل أوضح وشرح نقاطاً لم توضحها الراوية في سياق السرد، لأن عناصر روايتها لم تكن اكتملت بعد، وبذلك تكشف الشخصية عن وجهة نظر مغايرة ومختلفة ومكملة، يحتاج القارئ الى وجهتي النظر كي يفهم مجريات الاحداث، ويتم ذلك في نهايتها حين حلّت عقدة موت روز، أخطأ أم انتحاراً.
تستعمل المؤلفة العبارات كما ترد على ألسنة الناس "الجثة للنساء"، أي حيث موضع الجثة يكون العزاء للنساء.
تقارب عواطف الناس ومشاعرهم، بل عواطفنا ومشاعرنا مقاربة تجعلنا في قلب الرواية، نتحسس واقعهم ومآسيهم، كأنها تصيبنا. ونتخيل اننا نعيش بينهم، كل شخصية تمثل قريباً أو صديقاً، وهذا ما يأسرنا في سطور السرد.
علاقات الرجال بنسائهم تختزن عنفاً وشراسة، ربما تثبت مقولة هنري كيسنجر في ان من يبقى من اللبنانيين "سيجنّ"، ونور ابنة حبيب نموذجاً، إذ تقول "يومها اختفيت أسابيع كي تختفي آثار الضرب والصفع والركل. أصلاً لن يسأل عني أحد إلاّ ليلى وعليا وحالهما مع زوجيهما ليست أفضل من حالي مع زوجي، جمعتنا البهدلة والحظ السيئ أكثر مما جمعتنا الاخوة، وحين نجتمع نبكي ونشم ونضحك ونشرب".
هل ثمة رسالة سياسية في عنوان الرواية "كل الحق ع فرنسا"؟ يتبدى ذلك في قول سامي: "أليست هذه حال اللبنانيين عموماً؟ يحاولون التذاكي على الجميع فيغدر بهم الجميع. ربما الحق ع فرنسا، لأنها تركت لبنان، وهو لا يزال قاصراً عن تدبير شؤونه، ضائعاً في تجديد هويته، عاجزاً عن فرض نفسه دولة قادرة على تقرير شؤونها بنفسها، تسرّع لبنان في رأيي في نيل استقلاله".
ويعزو اللبنانيون المساوئ التي يتخبطون فيها الى عدم نضجهم السياسي حتى ان بعض المارقين في الدول الكبرى يفترضون دوماً وجوب ابقاء لبنان تحت الوصاية.
وفي رأيي أسوأ مساوئ اللبنانيين تعميم الخاص واسقاطه على الطائفة أو الجماعة أو القرية أو المنطقة، فيصير الكلام التالي جزءاً من ذهنية الجماعة التي لا تعبّر عن وعي أو إدراك. هكذا اتهم شادي ابن ملفينا المارونية وأحمد الفلسطيني بالتجسس لمصلحة الاسرائيليين "كما قال جيرانه أهل الضاحية، لأن أمه مسيحية وهو راضع حليبها". قد يكون التعميم آفة الاقليات، فيما التخصيص آفة الاكثريات، التي تفترض ان كل شيء مخصص لها، وخاص بها، فتسقط في التخصيص وتفقد سيطرتها.
حكاية عائلة لبنانية ومآسيها في حوالى قرن من الزمن تعكس حكايا الكثير من العائلات، خصوصاً ان الحرب التي عبرت وما زالت تجرّنا بذيولها، قرّبت في المآسي بقدر ما باعدت في المواقف.
جوزف باسيل - النهار - 14 آذار 2011

الجمعة، 11 مارس، 2011

الهويّات المقتولة (2)


الهجرة ليست أمرًا طارئًا على الشعب اللبنانيّ، غير أنّها نادرًا ما كانت تطاول الحياة العائليّة، إذ فضّل المهاجرون الزواج من بنات وطنهم. فمنهم من عاد إلى لبنان لاختيار عروس مناسبة يصطحبها معه ومنهم من حالفه الحظّ بعروس من المهاجرات التقى بها صدفة خلال السفر أو عند التجوال لبيع أغراض "الكشّة" أو بواحدة من بنات المهاجرين. ولم يكن ليخطر للبنانيّ في تلك المرحلة من تاريخ الهجرة الارتباط ببنات البلدان التي حلّوا فيها لأسباب يمكن اختصارها بالتالي:

اللغة: فالمهاجر غالبًا ما كان يصل إلى أرض لا يعرف لغتها ما يجعله عاجزًا عن التواصل مع أهلها.
الفقر: لم يهاجر اللبنانيّ خلال الاحتلال التركيّ للدراسة أو السياحة بل كان الهدف تأمين وسيلة العيش والبحث عن الرزق.
الحنين: طبيعة لبنان وحسّ الانتماء أمران حالا دون ارتباط المهاجر بالفتيات الأجنبيّات. كان لا يزال فيه حنين يشدّه إلى الوطن أو على الأقلّ إلى فكرة الوطن، فاعتبر، وإن عن غير تفكير واع بالمسألة، أنّ الزواج من غير فتاة لبنانيّة خيانة لكلّ ما يحمله معه من لبنان.
الهجرة الحديثة مختلفة تمامًا، فاللغة ليست عائقًا، ولم يعد المهاجر يركب أوّل سفينة تترك المرفأ لينزل حيث ينتهي ثمن تذكرة السفر وهو لا يعلم على أيّ أرض رمته الأمواج، بل هو يدرس الأمر من مختلف الوجوه ويختار (غالبًا) عن سابق تصوّر وتصميم البلد الذي سيمضي فيه حياته. والحالة الاقتصاديّة يسهل تخطّيها متى زال عائق اللغة ومع انتشار العلم، والحنين قتلته الحروب أو محاه تغيّر طبيعة لبنان. ولم يعد هناك بالتالي ما يمنع ارتباط اللبنانيّ بفتاة غير لبنانيّة خصوصًا إن كانت النزعة الشوفينيّة عنده تجعله راغبًا في التباهي بأنّه حقّق ما لم يحقّقه الآخرون الذين لم يتركوا البلد.
ثمّ أتت مرحلة التعارف عبر وسائل الاتصال الحديثة لتتيح للفتيات أيضًا اختيار شركاء حياتهم من خارج البلد، فضلاً عن السفر إلى دول الخليج حيث يسهل الالتقاء برجال من مختلف دول العالم. وهكذا لم يعد غريبًا أو مرفوضًا أن يعود شابّ لبنانيّ من بلاد الاغتراب ويفاجئ أهله بصديقته الأجنبيّة وطفله منها ولو من غير زواج، أو أن تعلن شابّة تعمل في دولة خليجيّة عن ارتباطها بشابّ أجنبيّ لا يعرفه أهلها. والنتيجة سلالات من الأولاد لا هويّة واضحة لهم، وأحفاد لا يفهمون لغة أجدادهم.
وللكلام تتمّة...



الخميس، 10 مارس، 2011

الهويّات المقتولة (1)

إم ملحم وأبو ملحم (تلفزيون لبنان)



الهويّات القاتلة التي تكلّم عنها الكاتب اللبنانيّ الفرنكوفونيّ أمين المعلوف في كتابه الذي يحمل العنوان نفسه لا تكون قاتلة إلاّ إن تركت هويّات مقتولة. ومعروف أن لا جريمة من دون جثّة. وإن كان أمين معلوف نموذجًا عن الإنسان المعاصر المتأرجح بين هويّتين (أو أكثر) وعالمين: الشرق والغرب، فأولاده نموذج عن جيل حسم أمره واختار هويّته (ولو كانت مزيجًا من هويّات)، ما يعني أنّ الهويّة اللبنانيّة قتيلة، ضحيّة، جثّة، تنتظر أن تدفن بطريقة لائقة، أو تحرق وينثر رمادها في أربع جهات الأرض.
يعترف أمين معلوف أنّ أزمة الهويّة ستطبع القرن الحادي والعشرين. وهو في حديثه عن أولاده الثلاثة يقول
وأنا أب لثلاثة أولاد أكبرهم رشدي وهو محام يقيم حالياً في اليابان وهو يتكلم اليابانية وعمره 37 سنة، والثاني هو طارق وعمره 34 سنة وقد أسس مع أصدقاء له في باريس شركة فيديو وسينما وإعلانات، أما الثالث زياد، فهو صحافي في اذاعة فرنسا الدولية
 ونحن أصررنا على التحدث معهم بالعربية ولو ان معرفتهم بها محدودة.
وحين يأتي على ذكر زوجته أندريه يفتخر بأنّها وضعت كتابًا في فنّ الطبخ اللبنانيّ، عرف نجاحًا كبيرًا.

***
خلال لقائي أصدقاء قرّاء في مهرجان الكتاب المستمرّ في أنطلياس، فاجأتني سيّدة شرقيّة الملامح أثناء مرورها أمام جناح دار النشر (سائر المشرق) وهي تنظر إلى عنوان الكتاب وتستنكر غاضبة وهي تقول باللغة الفرنسيّة: ما هذا؟ أنا لا أقبل
السيّدة أذًا تجيد قراءة اللغة العربيّة وإلاّ ما كانت فهمت عنوان الرواية: كلّ الحقّ ع فرنسا. ومع ذلك، عبّرت باللغة الفرنسيّة عن غضبها ورفضها، بعدما قرأت العنوان وما كتب على الغلاف الأخير، ثمّ رمت الكتاب على الطاولة وابتعدت وهي تتمّتم: ما هذا؟ أنا لا أقبل.
أحد القرّاء الأصدقاء من الذين تابعوا المشهد معي علّق: ظنّت أنّكِ تنشرين قرار المحكمة الدوليّة وتتهمين فرنسا باغتيال الحريري.
***
في اليوم التالي، دار نقاش صاخب بين مجموعة أشخاص يرتشفون القهوة في أحد المقاهي حول الفوارق التي تميّز المسلسلات التركيّة عن السوريّة. الأصوات المرتفعة جعلت الموضوع ينتقل إلى الطاولات المجاورة، التي راح المتحلّقون حولها يعطون آراءهم في الموضوع. وكان هناك إجماع على أنّ الأتراك يشبهوننا أكثر بتقاليدهم ومأكولاتهم وأثاث منازلهم. وغاب عنهم أنّ أكثر المسلسلات السوريّة تاريخيّ الطابع وبالتالي لا يمكن أن تشبه ما نحن عليه الآن. استعدت خلال متابعتي هذه النقاشات العلنيّة تعليقًا لم أعد أذكر من قاله عن أنّنا معجبون بمسلسلات تركيّة بأصوات سوريّة والدولتان كانتا "تحتلاّن" لبنان. وأضيف: وفرنسا كذلك.
***
المشهد التالي لم يعد غريبًا عن حياتنا اليوميّة:
المناسبة: مأتم
الزمان: الصيف (أي حين يكون المغتربون في لبنان)
المكان: صالة تابعة للكنيسة
الحاضرات من النساء: كنّة إسبانيّة، كنّة نمسويّة يهوديّة، كنّة فليبينيّة تزوّج منها أحد أفراد الأسرة من دون أن يضطرّ إلى الهجرة للاقتران بأجنبيّة، برتغاليّة من أمّ هنديّة، جارة أوكرانيّة. فضلاً عن عاملات أسيويّات وأفريقيّات، ومجموعة أولاد يتكلّمون بلغات أمّهاتهم أو مربيّاتهم أو خادماتهم.
***
مشهد آخر ولكن من بلاد الاغتراب
رجل لبنانيّ متقاعد، أي لم يعد العمل هاجسًا ينسيه غربته. طلع على باله صحن تبّولة. زوجته الهولنديّة لا تجيد تحضير أيّ صنف من المأكولات اللبنانيّة، وأولاده موزّعون في بقاع الأرض. بكى الرجل وهو يفرم البقدونس (لم ينتظر فرم البصل) ويستمع إلى صباح تغنّي: سفّرني معك على هالطرقات.

وللكلام تتمّة...

الاثنين، 7 مارس، 2011

من مهرجان أنطلياس للكتاب - التوقيع



وقعت الكاتبة ماري القصيفي روايتها "كل الحق ع فرنسا". حاولت القصيفي كما قالت أن "تلقي الضوء من خلال حادث فردي عاشته عائلة لبنانية خلال الانتداب على الانعكاسات التي طبعت أفرادها منذ تلك الفترة حتى تاريخنا هذا.
ورات أن كل عائلة في لبنان تستحق ان تكتب عنها رواية"
- صحيفة النهار -
الاثنين 7 آذار 2011 

الثلاثاء، 1 مارس، 2011

كتاب بسعر نَفَس أركيلة






لن ينجو لبنان من الدرك الذي انحدر إليه إلاّ متى أزيلت عنه لعنات ثلاث: لعنة الأشجار ولعنة الكتب ولعنة التاريخ.


فالأشجار المقطوعة والمحروقة لن تغفر للبنانيّين ما فعلوه بها بعدما رسموها رمزًا في وسط علمهم. وما لم يستعد لبنان اخضرار سفوحه، وبياض قممه، وتماسك تربته، فلن يعرف أهله راحة البال ولا هناءة العيش. والكتب المكسوّة غبارًا فوق رفوف المكتبات لن تسامح اللبنانيّين، أحفاد الكنعانيّين، على إهمالهم إيّاها بعدما اخترعوا حروفها ونشروها في العالم. والتاريخ المملوء شهداء وضحايا لن يصفح عن شعب يمجّد الموت ويستهتر بالحياة، يرضخ ولا يقاوم، يموت جوعًا ولا يثور.


وإن كانت الأشجار تجد من يدافع عنها بين أنصار البيئة وحماتها، والتاريخ لن يُعدم من يحسّن صورته ويجمّل عيوبه، فإنّ الكتب لا تجد لها نصيرًا وعنها مدافعًا. فمن سخرية الأمور أنّ اللبنانيّين يجدون سعر الكتاب باهظًا مهما كان زهيدًا، ولا يقرأونه ولو قدّمته لهم مجّانًا. ومع ذلك يجد الكاتب دائمًا من يقول له: كتابك غالي الثمن لذلك لم نشتره. لكنّ مقارنة سعر الكتاب بأسعار بعض البضائع والحاجيّات يبيّن كم تبدو هذه الحجج سخيفة. وهذه بعض الأمثلة الوسطيّة التقريبيّة بالليرة اللبنانيّة: كيلو من الصنوبر (60000)
كيلو من الشوكولا (40000)
مسحوق غسيل (20000)
صفيحة البنزين (32000)
غالون الزيت (40000)
غالون عرق بلدي (60000) 
لن نأتي على ذكر النبيذ  والويسكي
مرطبان عسل (30000)
صباغ الشعر وتسريحه (40000)
قارورة الغاز (20000)
صفيحة المازوت (26000)
كيلو من السمك (30000)
كيلو من لحم البقر (20000)
كيلو من لحم الغنم (33000)
كيلو من الجبنة العاديّة (20000)
أمّا إذا كان سعر الكتاب 20000 ليرة فلن يشتريه أحد.
وإن أردنا الانحدار إلى فئة المشتريات التي تقلّ عن ذلك أي ما يعادل 15000، نجد بطاقة السينما، والأركيلة، وفنجان قهوة مع قنينة مياه، ومسحوق لتنظيف الحمّام. وكتاب بهذا السعر لن يجد أيضًا من يشتريه من تلقاء نفسه، ما يجعل الكاتب يرضخ لشرط دار النشر ويقيم حفلة توقيع تخفّف عنه قليلاً  كلفة الكتاب.

فعلى الراغبين في بيع كتبهم ألّا يتخطّوا ثمن الأركيلة، فاللبنانيّ النرفوز ليس مضطرًا إلى الاستعاضة عن نَفَس من التنبك العجمي يهدّئ الأعصاب بكتاب يدفعه إلى التفكير والتحليل. وإن لم يعجبكم الأمر، حضرات الأدباء والشعراء، فهنالك مهن كثيرة تؤمّن لكم دخلاً محترمًا وكان عليكم أن تختاروها، فمعاينة مريض مردودها 15000 ليرة لبنانيّة، وتغيير زيت لسيّارة رباعيّة الدفع يقارب الـ50000 ليرة، فتخيّلوا في يوم واحد عدد المرضى في عيادة طبيب مشهور وعدد السيّارات عند ميكانيكيّ بسيط، واجروا عمليّة حسابيّة بسيطة، وتأكّدوا من أنّكم اخترتم النصيب الأسوأ.


من طرائف (مآسي) عملي في الشأن التربويّ ما اختبرته شخصيًّا في موضوع العلاقة بين المعلّم والكتاب. فعلى الأرجح إنّ المعلّمين هم أسوأ الزبائن في هذا المجال. وليس الأمر ماديًّا كما قد يتبادر إلى الذهن، وإن كان هو الحجّة المقدّمة. ولكن بعيدًا عن علاقة المعلّم اللبنانيّ الفرديّة بالكتاب، اكتشفت أنّ المدرسة في شكل عامّ ليست مجتمعًا تتفاعل فيه الآداب وتتلاقح وتنتج. على عكس ما يحدث في الأفراح والليالي الملاح، فروابط المعلّمين مثلاً تصرّ على تقديم هدية فاخرة لزميل عريس ولا يعنيها أن تشتري كتابًا (سعره أقلّ من سعر الهديّة) أصدره زميل آخر. حتّى المآتم لا تتساهل هذه الروابط في شأنها وترسل أكاليل زهر لافتة (ثمن الواحد منها أغلى من ثمن كتاب)، في حين يبدو تشجيع معلّم أصدر ديوان شعر أمرًا ثانويًّا لا يستحقّ الالتفات إليه. أما حفلات التكريم التي تدعو إليها إدارات المدارس في شهر آذار لمناسبة عيد المعلّم فلن تكون إلى مهرجان للكتاب وإلاّ شعر المعلّم بأنّه يُعاقب، بل إلى مسرحيّة هزليّة تتلاعب على المعاني الجنسيّة والسياسيّة. ومن طلب العلى سهر الليالي ولا يهمّ أين يكون ذلك.



كلّ الحقّ ع فرنسا: عنوان روايتي الصادرة حديثًا


Suzanne Clairac 1911- 2005
الجنون والحكمة

جولييت لم تصدّقني حين وصفت لها حالة زوجها من دون أن أراه أو أعرفه أو أسمعه. أخبرتها عن حالات مشابهة كنت أراقبها في (العصفوريّة). صحيح أنّني كنت حارسًا لا ممرّضًا. ولكن في تلك الأيّام كان تمريض المجانين مجرّد حراسة تتطلّب ساعدين قويّين وقلبًا شجاعًا، بل تتطلّب أن تكون فقيرًا وتحتاج إلى عمل. وبعد ذلك يمرّن الواحد منّا قلبه وساعديه، خصوصًا متى كان عمله في الليل. ولكن ذلك لا يعني أنّنا لم نتعلّم حقن المرضى بالأدوية المهدّئة حين تنتابهم الحالات العصبيّة القويّة. كان يكفي أن يمسك بالمريض اثنان من الحرّاس ليضرب الثالث الحقنة في أيّ مكان يمكن الوصول إليه من الجسم الهائج، أو يتعاون الجميع لإدخال المريض الثائر في القميص ذي الأحزمة. المرّات الأولى تكون صعبة، بعد ذلك، تعتاد يدنا استعمال الحقنة كما تعتاد آذاننا سماع كلماتهم طوال الليل.
الليل عالم آخر في مستشفى المجانين.
حين باشروا بناء العصفوريّة أسرعنا كلّنا من المنطقة والجوار للعمل فيها، أوّلاً في حفر الأساسات وحمل الأتربة على ظهور الحمير والبغال، وبعد ذلك في البناء، حمّالين ومعلّمي باطون ونجارة وتبليط. لم نكن معلّمين، تعلّمنا هناك. بعدما انتهت هذه المرحلة ودشّنوا المبنى الأوّل صرنا ممرّضين وحرّاسًا وطبّاخين. النساء انضممن إلينا للخدمة في الأبنية الثلاثة المخصّصة للنساء أو لغسل ثياب المرضى وأغطية الأسرّة وملابس الممرّضين والممرّضات في المبنى الذي صار اسمه بيت الغسيل. عشرات الأوعية المصفوفة إلى جانب بعضها وعشرات النساء يدعكن الثياب القذرة وينقلنها من طشت إلى طشت، ومن يد امرأة إلى يد امرأة كي تصل نظيفة مغسولة بالمياه الساخنة والصابون البلديّ. عشرات النساء للغسيل وعشرات النساء لتفويح الغسيل ونشره. وعند الغروب، كانت الطريق الخارجة من (العصفوريّة) والتي تصبّ في الشوارع المجاورة تزدحم بالرجال والنساء وهم يحملون أكياسًا من الورق الأسمر، خالية من الفتات، ترجع معهم إلى البيوت ليحملوا فيها عند الفجر زوّادة يومهم من البطاطا المسلوقة والبندورة والزيتون وعرائس التين المطبوخ. لولا الفقراء لما وجد المجانين من يخدمهم.
بعد نقطة الدرك، ندخل إلى منطقة العصفوريّة من بوابّة كبيرة يقيم إلى جانبها الحارس في غرفة سمّيناها غرفة الموتى. إذ كانت جثث الموتى من المجانين توضع فيها في انتظار أن يأتي أهلهم. وما بين موت أحدهم ووصول أهله كان الحارس يسرق أسنان الذهب وأطقم الأسنان الاصطناعيّة من أفواه المجانين. ومن الأموال التي جمعها الحرّاس الذين تناوبوا على المركز وتوارثوا أسرار المهنة ارتفعت بيوت كبيرة في المنطقة، بيوت كبيرة وجميلة يتباهى بها اليوم ساكنوها. بعد البحث ليس كلّ ما يخرج من أفواه المجانين لا قيمة له في سوق العقلاء. وحين يأتي الأهل ليتسلّموا الجثّة، إن أتوا شخصيًّا، لن يسألوا عمّا كان في فمها واختفى. فالمجنون هو من كسر أسنانه في نوبة غضب، والمجنون هو من رمى طقم أسنانه حين لم يعجبه الطعام.
كلّ الأخبار تصحّ على هؤلاء الناس.
العصفوريّة مدينة ساهم في تأسيسها أكثر من دولة، سبعة أبنية لسبع دول. أنا كنت في المبنى البريطاني الذي كناّ نسمّيه روبرت هاوس، أخي كان في مبنى أميركا، والأبنية الموزّعة حول الباحة التي تتوسّط المكان الشاسع كلّها من الحجر المصقول وسقوفها من القرميد الأحمر، ثلاثة منها للنساء. في وسط الباحة بناء مدوّر للحرّاس له باب وسبع نوافذ عليها مشبّكات من الحديد المشغول، كأنّ الحرّاس يحتمون خلفها من نوبات جنون جماعيّة قد تصيب مئات من سكّان العصفوريّة دفعة واحدة.
***
من روايتي الصادرة حديثًا لدى دار "سائر المشرق"