الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الثلاثاء، 1 مارس، 2011

كلّ الحقّ ع فرنسا: عنوان روايتي الصادرة حديثًا


Suzanne Clairac 1911- 2005
الجنون والحكمة

جولييت لم تصدّقني حين وصفت لها حالة زوجها من دون أن أراه أو أعرفه أو أسمعه. أخبرتها عن حالات مشابهة كنت أراقبها في (العصفوريّة). صحيح أنّني كنت حارسًا لا ممرّضًا. ولكن في تلك الأيّام كان تمريض المجانين مجرّد حراسة تتطلّب ساعدين قويّين وقلبًا شجاعًا، بل تتطلّب أن تكون فقيرًا وتحتاج إلى عمل. وبعد ذلك يمرّن الواحد منّا قلبه وساعديه، خصوصًا متى كان عمله في الليل. ولكن ذلك لا يعني أنّنا لم نتعلّم حقن المرضى بالأدوية المهدّئة حين تنتابهم الحالات العصبيّة القويّة. كان يكفي أن يمسك بالمريض اثنان من الحرّاس ليضرب الثالث الحقنة في أيّ مكان يمكن الوصول إليه من الجسم الهائج، أو يتعاون الجميع لإدخال المريض الثائر في القميص ذي الأحزمة. المرّات الأولى تكون صعبة، بعد ذلك، تعتاد يدنا استعمال الحقنة كما تعتاد آذاننا سماع كلماتهم طوال الليل.
الليل عالم آخر في مستشفى المجانين.
حين باشروا بناء العصفوريّة أسرعنا كلّنا من المنطقة والجوار للعمل فيها، أوّلاً في حفر الأساسات وحمل الأتربة على ظهور الحمير والبغال، وبعد ذلك في البناء، حمّالين ومعلّمي باطون ونجارة وتبليط. لم نكن معلّمين، تعلّمنا هناك. بعدما انتهت هذه المرحلة ودشّنوا المبنى الأوّل صرنا ممرّضين وحرّاسًا وطبّاخين. النساء انضممن إلينا للخدمة في الأبنية الثلاثة المخصّصة للنساء أو لغسل ثياب المرضى وأغطية الأسرّة وملابس الممرّضين والممرّضات في المبنى الذي صار اسمه بيت الغسيل. عشرات الأوعية المصفوفة إلى جانب بعضها وعشرات النساء يدعكن الثياب القذرة وينقلنها من طشت إلى طشت، ومن يد امرأة إلى يد امرأة كي تصل نظيفة مغسولة بالمياه الساخنة والصابون البلديّ. عشرات النساء للغسيل وعشرات النساء لتفويح الغسيل ونشره. وعند الغروب، كانت الطريق الخارجة من (العصفوريّة) والتي تصبّ في الشوارع المجاورة تزدحم بالرجال والنساء وهم يحملون أكياسًا من الورق الأسمر، خالية من الفتات، ترجع معهم إلى البيوت ليحملوا فيها عند الفجر زوّادة يومهم من البطاطا المسلوقة والبندورة والزيتون وعرائس التين المطبوخ. لولا الفقراء لما وجد المجانين من يخدمهم.
بعد نقطة الدرك، ندخل إلى منطقة العصفوريّة من بوابّة كبيرة يقيم إلى جانبها الحارس في غرفة سمّيناها غرفة الموتى. إذ كانت جثث الموتى من المجانين توضع فيها في انتظار أن يأتي أهلهم. وما بين موت أحدهم ووصول أهله كان الحارس يسرق أسنان الذهب وأطقم الأسنان الاصطناعيّة من أفواه المجانين. ومن الأموال التي جمعها الحرّاس الذين تناوبوا على المركز وتوارثوا أسرار المهنة ارتفعت بيوت كبيرة في المنطقة، بيوت كبيرة وجميلة يتباهى بها اليوم ساكنوها. بعد البحث ليس كلّ ما يخرج من أفواه المجانين لا قيمة له في سوق العقلاء. وحين يأتي الأهل ليتسلّموا الجثّة، إن أتوا شخصيًّا، لن يسألوا عمّا كان في فمها واختفى. فالمجنون هو من كسر أسنانه في نوبة غضب، والمجنون هو من رمى طقم أسنانه حين لم يعجبه الطعام.
كلّ الأخبار تصحّ على هؤلاء الناس.
العصفوريّة مدينة ساهم في تأسيسها أكثر من دولة، سبعة أبنية لسبع دول. أنا كنت في المبنى البريطاني الذي كناّ نسمّيه روبرت هاوس، أخي كان في مبنى أميركا، والأبنية الموزّعة حول الباحة التي تتوسّط المكان الشاسع كلّها من الحجر المصقول وسقوفها من القرميد الأحمر، ثلاثة منها للنساء. في وسط الباحة بناء مدوّر للحرّاس له باب وسبع نوافذ عليها مشبّكات من الحديد المشغول، كأنّ الحرّاس يحتمون خلفها من نوبات جنون جماعيّة قد تصيب مئات من سكّان العصفوريّة دفعة واحدة.
***
من روايتي الصادرة حديثًا لدى دار "سائر المشرق"

هناك تعليقان (2):

Ramy يقول...

باين عاليها شيقه

بجد انا بحب النوع ده من القصص

بتحكى عن شيىء بتحكى عن البشر عن طبيعتهم بدون تزيف بدون تجميل بدون تشويه

بس هل ليها أصدار فى القاهرة

لو فى تبع اى دار نشر

ماري القصيفي يقول...

أشكرك يا رامي، مع الأسف لا يوجد لها إصدار في مصر حتى الآن