الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الاثنين، 14 مارس، 2011

قراءة لروايتي: كلّ الحقّ ع فرنسا بقلم جوزف باسيل/ النهار







كتاب

"كل الحق ع فرنسا" لماري القصيفي
مأساة عائلة لبنانية في القرن العشرين


"كل الحق ع فرنسا" لماري القصيفي، حكايا عائلة لبنانية تجمعت في رواية، تحكي قصة وردة – روز التي أمتحنتها الحياة صبية فظلمتها، لكنها تجاوزت ظلمها وعبرت الى قصة حب لا مثيل لها شكّلت العمود الفقري للرواية التي تتحدث عن عائلة لبنانية عاشت بشخصياتها في القرن العشرين وما زالت امتداداتها في لبنان والاغتراب.
احدى الحفيدات تحاول أن تجمع خيوط العائلة المشتتة في بلدان الاغتراب التقليدية للبنانيين، من خلال نسج علاقة الحب المثالية، كالتي نقرأ عنها في الروايات الرومنطيقية، والدوائر التي تكوّنت حولها منذ قذف أول حجر في بحيرة وردة الراكدة، لكن تياراتها تتحرك في قعرها.
"كل الحق ع فرنسا" لازمة يرددها الابناء والاحفاد، نقلاً عن جدتهم نجلا التي دفعت بابنتها الصبية وردة الى أحضان الكولونيل الفرنسي في زمن الانتداب بغية اقتناص هدفين: أولهما ترتيب زيجة "غير شكل" لابنتها، فوقعت في معضلة "غير شكل" عندما انتهت خدمة الكولونيل بعد 6 أشهر فعاد الى بلاده وزوجته متخلياً عن وردة، وثانيهما، الافادة من نفوذ الكولونيل في سهل البقاع لإخراج حبيب ابن نجلا وأخي وردة من السجن بتهمة تهريب المخدرات مع سامي خوري الشهير وتغطيته في أعماله التي اتخذها نهج حياة وباركته فيها أمه رغبة في الغنى.
لكن عندما امتهنت روز أقدم مهنة في التاريخ صارت أكثر ألقاً من أخيها حبيب وسيدة على العائلة كلها، بكرمها الذي يكفي الجميع حاجاتهم، وإن كان هو يكسب المال الوفير، فإنه يمضي معظم أيامه في السجن.
في هذه الرواية زيجات مختلطة تعبّر عن واقع الحال في لبنان، فملفينا المارونية تزوجت بأحمد السنّي الفلسطيني، وكان زواجهما ناجحاً بمقاييس الترابط العائلي، لكن مصير أولادهما لم يكن كذلك، إذ تشتت ثلاثة أولاد بين السعودية وأميركا، حيث قتل أحدهم، واختفى الرابع في لبنان، والخطف جزء من سيرة الحرب في لبنان الى جانب القصف والقنص والقتل. وما دام جزء من أحداث الرواية جرى في أثناء هذه الحرب، فلا بد أن يتعرض أحد ابناء عائلة كبيرة لتبعات الحرب وتداعياتها.
لكن الدين لا يؤثر في الحياة، إذا كانت بين شريكين مختلفين في الطائفة، إلاّ في حالتين، عند الزواج والموت، حين يكون تدخل رجال الدين حتمياً ما عدا ذلك فلا تأثير له، ولا يشعر الزوجان بأي فارق في نمط الحياة واسلوبها سوى عند المتطرفين. وقد أوردت نموذجين هما ملفينا وأحمد السنّي الفلسطيني، وجانيت ورياض الدرزي.
يربط العماد كطقس مسيحي ضروري العلاقة بين المسيح جوهر المسيحية ويوحنا المعمدان الشهيد الاول للمسيحية، ويرمز الى العلاقة بين الماء والروح. فمن تعمّد صار مسيحياً بـ"القوة"، وفق المفهوم الفلسفي، أي الروح بحسب المفهوم الديني، وإن لم يمارس مسيحيته بـ"الفعل"، بحسب المفهومين معاً. وهذه القوة بين الماء والروح بالمفهوم الديني دفعت بأمّ انطوان الى ان تقول لجارتها أم حسين: “عمّدي الصبي كي يشفى من أمراضه". وتعلق المؤلفة: "في ذلك الزمن لم تزعل أم حسين من جارتها، لو حصل ذلك اليوم لصار الدم للركب"، فهل نحن نتجه الى تخلف، أم الى عصفورية؟
أعجبني الفصل عن العصفورية منذ بنائها حتى هرب المقيمين فيها بداية الحرب، المجانين الذين تصبح فيهم كل الاخبار التي تروى عنهم او يتهمون فيها.
كذلك كان ثمة شعور فائض في تعبير شادي المخطوف عن أحاسيسه في سجنه، وعن مرارة النسيان والتخلي.
ثمة معضلة تتكشف جذورها في علاقة أوديب، إذ تتواطأ الأم مع أحد أبنائها، بذريعة حبها له، على بقية الابناء، لأسباب شعورية أكثر منها موضوعية، فنجلا تميز حبيب على رغم أنه مهرّب، قد يكون السبب انه في التاسعة كسب مالاً وأعطاها إياه. وحنة تميّز ابنها عيد المجنون وتتواطأ معه في جنونه فتمنع عنه الدواء بداعي حبه، حتى انها أوهمته بأن زوجته تريد قتله! وحلّت محلّها في احتضانه!
هل أخرجت القصيفي روز من مأساة الانتحار لأسباب روائية، بعدما كان هو عقدة الرواية، أم لأن الانتحار يشكل معضلة في نظرة الدين والمجتمع الى المنتحر وأهله. فيما جاءت شبهة انتحار نور عرضية إذ ثبت ان زوجها أطلق عليها النار، فيما كان الخوف أن ينتقل الجنون والرغبة في الانتحار بالوراثة.
من دون ادراك أو وعي يندفع اللبنانيون الى الهجرة "إن كان هناك من أمل لبسام وأختيه في حياة آمنة وجميلة، فلن تكون هنا"، لذلك فقدت الارض قيمتها لدى المسيحيين المعاصرين، بعدما دفع آباؤهم وأجدادهم دماً ثمنها، على رغم ارتفاع اسعارها الى ارقام قياسية لم تعد في متناول المقيمين منهم، "فحليت في عين الغرباء".
ترى الراوية الصورة من زاوية ما، فتظهر وجهة نظر معينة، ثم تخرج من السرد لتقتطع مساحة من المونولوغ تعبّر فيه كل شخصية عن ذاتها ومكوّناتها ومواقفها. أسلوب جديد لم يقطع السرد، بل أوضح وشرح نقاطاً لم توضحها الراوية في سياق السرد، لأن عناصر روايتها لم تكن اكتملت بعد، وبذلك تكشف الشخصية عن وجهة نظر مغايرة ومختلفة ومكملة، يحتاج القارئ الى وجهتي النظر كي يفهم مجريات الاحداث، ويتم ذلك في نهايتها حين حلّت عقدة موت روز، أخطأ أم انتحاراً.
تستعمل المؤلفة العبارات كما ترد على ألسنة الناس "الجثة للنساء"، أي حيث موضع الجثة يكون العزاء للنساء.
تقارب عواطف الناس ومشاعرهم، بل عواطفنا ومشاعرنا مقاربة تجعلنا في قلب الرواية، نتحسس واقعهم ومآسيهم، كأنها تصيبنا. ونتخيل اننا نعيش بينهم، كل شخصية تمثل قريباً أو صديقاً، وهذا ما يأسرنا في سطور السرد.
علاقات الرجال بنسائهم تختزن عنفاً وشراسة، ربما تثبت مقولة هنري كيسنجر في ان من يبقى من اللبنانيين "سيجنّ"، ونور ابنة حبيب نموذجاً، إذ تقول "يومها اختفيت أسابيع كي تختفي آثار الضرب والصفع والركل. أصلاً لن يسأل عني أحد إلاّ ليلى وعليا وحالهما مع زوجيهما ليست أفضل من حالي مع زوجي، جمعتنا البهدلة والحظ السيئ أكثر مما جمعتنا الاخوة، وحين نجتمع نبكي ونشم ونضحك ونشرب".
هل ثمة رسالة سياسية في عنوان الرواية "كل الحق ع فرنسا"؟ يتبدى ذلك في قول سامي: "أليست هذه حال اللبنانيين عموماً؟ يحاولون التذاكي على الجميع فيغدر بهم الجميع. ربما الحق ع فرنسا، لأنها تركت لبنان، وهو لا يزال قاصراً عن تدبير شؤونه، ضائعاً في تجديد هويته، عاجزاً عن فرض نفسه دولة قادرة على تقرير شؤونها بنفسها، تسرّع لبنان في رأيي في نيل استقلاله".
ويعزو اللبنانيون المساوئ التي يتخبطون فيها الى عدم نضجهم السياسي حتى ان بعض المارقين في الدول الكبرى يفترضون دوماً وجوب ابقاء لبنان تحت الوصاية.
وفي رأيي أسوأ مساوئ اللبنانيين تعميم الخاص واسقاطه على الطائفة أو الجماعة أو القرية أو المنطقة، فيصير الكلام التالي جزءاً من ذهنية الجماعة التي لا تعبّر عن وعي أو إدراك. هكذا اتهم شادي ابن ملفينا المارونية وأحمد الفلسطيني بالتجسس لمصلحة الاسرائيليين "كما قال جيرانه أهل الضاحية، لأن أمه مسيحية وهو راضع حليبها". قد يكون التعميم آفة الاقليات، فيما التخصيص آفة الاكثريات، التي تفترض ان كل شيء مخصص لها، وخاص بها، فتسقط في التخصيص وتفقد سيطرتها.
حكاية عائلة لبنانية ومآسيها في حوالى قرن من الزمن تعكس حكايا الكثير من العائلات، خصوصاً ان الحرب التي عبرت وما زالت تجرّنا بذيولها، قرّبت في المآسي بقدر ما باعدت في المواقف.
جوزف باسيل - النهار - 14 آذار 2011

هناك 5 تعليقات:

olga يقول...

bien dit M. BASSIL ....bien sur vous n avez pas besoin de mon éloge quand ,dès la lecture des premières pages de cette oeuvre ,on se sent emporté vers une époque vécue ,attiré par tous les détails aussi petits soient ils...MARIE ...en te lisant, on a l impression d'être un personnage de ton livre ....splendide!!!!!!!!!!

وادي المعرفة يقول...

مَن أحبه ربه رزقه بإمرأةٍ خلفيتها الكتاب ــ وخير جليس ..

ماري القصيفي يقول...

شكرًا لأولغا العزيزة
وادي المعرفة/ وهل من جليس سواه في أزمنة الجهل والغدر؟

غير معرف يقول...

une grande diversite de sujets "tabous", histoire infiniment attirante. Well done!

ماري القصيفي يقول...

شكرًا لغير المعرّف على القراءة والتعليق