الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الاثنين، 20 يونيو 2011

العرب بين التغيير والتقليد


Robert Smith
ما أن يتفوّه عربيّ بكلمة أو يرفع شعارًا أو يطلق تعليقًا حتّى تشيع الكلمة وينتشر الشعار ويتحوّل التعليق مادة لمختلف أنواع الفنون الهزليّة والجديّة والدراسات الأدبيّة وشبه "العلميّة". ونحن اليوم في مرحلة الدوران في فلك كلمة واحدة هي التغيير. قد لا نعرف من صاحب أو صاحبة عبارة "الشعب يريد تغيير النظام"، ففي هذه الحال لا يعود لحقوق المؤلّف/ة أيّ قيمة، غير أنّ وقتًا طويلًا سيمضي قبل أن تتفتّق قريحة أحدهم عن عبارة أخرى نهرع للقياس عليها وتقليد إيقاعها حتّى تمجّها النفس وتعافها الأذن. وقبل أن تصدر العبارة الجديدة لتصير شعار المرحلة المقبلة قد يبدو من المفيد التذكير بأنّ العرب كما يتبيّن من تاريخهم وحاضرهم لا يحبّون التغيير، فـ"لشو التغيير؟" يقول "شربل روحانا" في أغنيته التي استبقت الحركات "التغييريّة" إذ صدرت عام 2005، وحاولتْ في ختامها أن تشيع بعض التفاؤل في الأجيال الجديدة.
انتظر العرب أكثر من مئة عام قبل أن يتجرّأوا على التخلّي عن المطلع الطللي في قصائدهم، ومع ذلك عجزوا عن محوه من لاوعيهم، فبقي يتسلّل إلى المعاني والصور فارضًا ما يشبه الطقس المقدّس، يجدون في استعادته فردوسهم المفقود ولو كان من رمل وجفاف. فبين امرئ القيس ورفيقيه الواقفَين في "سقط اللوى"، وسخرية أبي نواس الداعي إلى الجلوس عند الطلل الدارس، كان العربيّ المندفع بحرارة من صحرائه لمواجهة حضارتين عظيمتين، بيزنطيّة وفارسيّة، يعاني صعوبة في "تغيير" عادة التذكّر والبكاء. وفي الأندلس بكى عند وصوله حنينًا إلى شرقه البعيد ثمّ بكى كالنساء عندما خسر ملكًا لم يحافظ عليه كالرجال. وعهدَ تدهورت به الأمور إلى الانحطاط في عصر اتّسم بالاجترار استعاد تراث الحنين والدمع كأنّي به يردّد مع فريد الأطرش، بل قبله: إلّا قديمك ما يفيدك، ولو كان القديم باليًا مهترئًا.
ولكن متى اتّخذ أحدهم شعار التغيير في لحظة مصيريّة معيّنة، لحق الجميع به، ليحوّلوا التغيير "ثابتًا" جديدًا ترتكز إليه حياتهم ويتعلّق به وجودهم، ومن دونه يتيهون. فيبدو الأمر أقرب إلى الموضة، تجتاح المجتمع كلّه من دون أن تخضع لنقد أو تحليل، ما يجعلها في طبيعة الحال دخيلة وغير ملائمة. ونحن لم ننس بعد كيف تحوّلت الشعارات اليساريّة قوتًا يوميًّا يعِد بالشبع، ثمّ تبيّن أنّ التخمة الوحيدة التي تحقّقت هي كتب صغيرة في المكتبات وشعارات كبيرة على الحيطان.
أناشيد الثورة الفلسطينيّة، أغنيات الجنوب اللبنانيّ المحتلّ، روايات الحريّة الجنسيّة، أنظمة القمع، الإمبرياليّة والصهيونيّة العالميّة، المؤامرة، الطابور الخامس، الوحدة العربيّة، من المحيط إلى الخليج، قضيّة المرأة العربيّة، المقاومة، عمليّات التجميل، الحرب اللبنانيّة، وكثير من شبيهات هذه العبارات كوّن معجمًا تتّكئ إليه لغتنا وبئرًا نستقي منه كلّنا كما لو كنّا في جاهليّة فكريّة عاجزة عن استمطار الأفكار، مع بعض الفوارق البسيطة التي تناسب كلّ دولة عربيّة تبعًا لوضعها ومشاكلها الخاصّة. أكثر الأمور عندنا يدخل في باب التقاليد فلا يسهل إقناع الناس بأنّ التغيّر من سنّة الحياة، ولعلّ هذا ما جعل العالم ينظر بفضول إلى ما يجري في الساحات العربيّة على اعتبار أنّ "تغييرًا" ما طرأ فجأة وهذا ليس من طبيعة هذه الشعوب التي تحتاج إلى وقت طويل كي تستكين وإلى وقت أطول كي تتحرّك. لذلك نفهم الجمهور اللبنانيّ، أكثره على الأرجح، حين وجد صعوبة في "هضم" أغنيات "فيروز" في مرحلة زياد الرحباني كما حصل يوم كتب عاصي ومنصور كلمات ووضعا ألحانًا لا تشبه ما أتى به معاصروهما وسابقوهما، أو أن يتقبّل مقالات "أنسي الحاج" و"شوقي أبي شقرا" خارج صحيفة "النهار" أو أن يعترض يساريّ على النظام السوريّ. فإذا كانت هذه حال الشعب اللبنانيّ، وهو أكثر شعوب المنطقة قابليّة للتغيّر والتغيير، فماذا نقول عن غيره؟ وفي ذلك يتساءل أحد الخبثاء: هل تتخيّلون "مارسيل خليفة" يغنّي الآن للبنان أو أن ترنّم "صباح" ترنيمة آلام السيّد المسيح "أنا الأم الحزينة"؟
أمام شاشة التلفزيون يسهل إيجاد الأمثلة التي تؤكّد على هذا الاجترار العقيم. ففي وقتِ نظنّ أنّنا "نغيّر" المحطّات، نفاجأ أنّنا أمام نسخ باهتة لأفكار وتصرّفات لا تختلف إلّا في أسماء من يقدّمها. ولكن ما أن يتجرّأ أحدهم على طرح شيء مغاير (غالبًا ما يكون منسوخًا عن عمل أجنبيّ) حتّى يسرع الآخرون إلى تقليده. وينسحب ذلك على الرواية والقصيدة والمقالة والأغنية والمسرح والسينما والمهرجان، فما من خطوة رائدة أو سبّاقة تعيد خلط الأوراق وتوقظ العقل من سبات طال الاستسلام له. ولن يتحقّق ذلك ما لم تؤسّس النخبة المفكّرة، لا الشعب، مدرسة نقديّة تنتج ما هو أهمّ من شعار رنّان أو تيّار عابر أو ثورة هائمة بين المحيط والخليج بلا مجذاف أو شراع، تصلّي كي يوصلها مزاج الريح الدوليّة إلى شاطئ الأمان.


هناك تعليقان (2):

وادي المعرفة يقول...

الله يا مريم كم ميسمك حامي والجرح مفتوح. أخشى أن يكون الأمر كما قال ميشال مرقس قبلاً مسألة برمجة إلهية ـــ حتى الضحكة تطلع مُرّة. ربنا يحميك حتى من جيران السوء لتنعمي بلحظات هدوء تنتج لنا هكذا نصوص تؤسس للشفاء ــ بالكي

ماري القصيفي يقول...

في حالنا كان يجب أن يكون الدواء الأول هو الكيّ. ولكن هل لجرح بميت إيلام؟