الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الثلاثاء، 22 فبراير 2011

أبعدوا كأس التاريخ عن تلامذة لبنان



نخدع أنفسنا إن بقينا مصرّين على أنّنا شعب واحد. وربما من المنطقيّ أن نعترف فعلاً لا قولاً بالتعدّديّة التي تَغَنَّيْنا بها شعرًا ورفضناها ممارسة عمليّةً، ما أوصلَنا إلى الصراعات الطائفيّة والمذهبيّة. وبناء على هذا الواقع، الذي لا يمكن عاقلاً أن ينفي حقيقته، نريد أن نضع تاريخًا واحدًا للبنان، وأن نفرض على تلامذة المدارس أن يقتنعوا به ويحفظوه غيباً.

لا يكفي يا سادة يا كرام أن تقرّر الدولة – وهي على صورة من يسيطر عليها – أن تضع كتابًا للتاريخ (فالأمر ليس كحكايات الزير سالم وعنترة)، إذ ثمّة اعتبارات كثيرة يصعب تجاهلها في بلد لا ينجو من مرحلة مصيريّة خطيرة حتّى يدخل في مرحلة مصيريّة أخطر. ويكفي أن نعرف أنّ هذا الكتاب لا يمكن أن يصدر ما لم تتّفق عليه الزعامات السياسيّة الفاعلة، ما يعني أنّ قاعدة "مرّقلي ت مرّقلك" هي الحقيقة الوحيدة التي يمكن الركون إليها عند قراءة تاريخنا الصادر بمثل تلك الصياغة التوافقيّة.

وهنا نسأل: هل للسريان والأرمن فصول في هذا الكتاب الموحّد؟ هل فيه ذكر للأكراد والعلويّين والمجنّسين؟ هل فيه فصل عن دور المغتربين عدا تلك العبارة التقليديّة عن أموالهم التي تدعم الاقتصاد؟ هل فيه التأثيرات الخارجيّة المكوّنة المجتمعَ الحديث، من الاحتلال التركي إلى الانتداب الفرنسيّ فالثورة الشيوعيّة فالتأثير الأميركيّ، وأخيراً وليس آخرًا الثورة الإيرانيّة، هذا كي لا نعود كثيرًا إلى ما هو أقدم عهدًا؟ ونسأل استطرادًا: كيف تتأكّد الدولة من أنّ المنهاج سيصل كما وُضع، إذ لا يخفى أنّ ما يجري حاليًّا في القطاع التربويّ الموزّع ما بين الخاصّ والعامّ يندرج تحت عنوان عريض هو: كلٌّ يدرّس على هواه ويفهم على هواه؟ فللأهل آراء، ولرؤساء المدارس حسابات، ولمنسّقي المادّة التزامات، وللمعلّمين الموزّعين على الصفوف انتماءات. وكلّهم في نهاية الأمر سيقولون للتلامذة: اكتبوا في الامتحان كما في الكتاب لكي تضمنوا النجاح لكن لا تصدّقوه.


كتاب التاريخ لن يعلّم تلامذتنا بطولات وعِبر، بل سيزرع في عقولهم الخبث والكذب، ويثير حساسيّات لا داعي لها ما بين أولاد ومراهقين يتشاجرون حول أمور لم يتّفق عليها المسؤولون في البلد. فتخيّلوا معي درس تاريخ عن العلاقة مع سوريا في صفّ معلّمه من القوّات اللبنانيّة، ودرس تاريخ آخر آخر عن رياض الصلح أو بشير الجميّل يشرحه أستاذ من السوريّين القوميّين، وثالث عن القضيّة الفلسطينيّة يعطيه مدرّس من القوميين اللبنانيّين، ودرس رابع عن حرب الجبل يشرحه معلّم مهجّر من الجبل، ودرس خامس عن اجتياح اسرائيل بيروت يحوّله المربّي الفاضل ندوة للدفاع عن سلاح المقاومة. وينسحب التحليل نفسه على الماضي الأبعد حين نصل مثلاً إلى الأمير بشير الشهابيّ مع أستاذ درزيّ من سلالة بشير جنبلاط، وتاريخ الموارنة مع أستاذ يضع اللوم على المارونيّة السياسيّة في ما حلّ بالوطن، ولبنان الكنعانيّ مع مدرّس مسلم متزمّت. أكتب هذا وفي بالي ذكريات من عالم التربية الذي اختبرته تعليمًا وتنشيطًا للعمل الثقافيّ، فكنت شاهدة على انقسامات طاولت المعلّمين والتلامذة بسبب انتماءات لا قاسم مشتركًا بينها إلاّ العناد والتشبّث والتبعيّة.
الأمير فخر الدين

لن يجمع تاريخُ لبنان السياسيّ تلامذةَ لبنان، لأنّه لم يجمع قبل ذلك أبناءه وزعماءه إلاّ على المصالح والنزعات الفرديّة. ومن الأصحّ، قلناها سابقًا ونكرّر، تعليم تاريخ لبنان العلميّ والأدبيّ والفنيّ والرياضيّ، إذ لا يمكن أن يختلف اثنان يتمتّعان بحدّ أدنى من المعرفة على أهميّة الاختراعات العلميّة لحسن كامل الصبّاح أو الدور الرياديّ للرابطة القلميّة ومجلّة شعر والفخامة اللغويّة في قصائد سعيد عقل والجماليّة اللبنانيّة في أعمال الأخوين رحباني والإنجازات الرياضيّة لمكسيم شعيا. وإن اختلفا فلن يتقاتلا، وإن تقاتلا فلا كانا ولا كان هذا البلد. وإذا كان التاريخ عِلمًا تحكمه الموضوعيّة، فلا أعتقد أنّ زعماء الطوائف هم المؤهّلون لمباركته، وإن كان مادة يكتبها المنتصر، فمن هو الذي يستطيع أن يدّعي أنّه انتصر في لبنان؟ 
***
صحيفة النهار - 22 شباط 2011



ليست هناك تعليقات: