الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الثلاثاء، 22 يونيو 2010

ماريو! معلّموك يساوون ربعًا



"ماريو ما سقط!"

معلّموه هم الذين سقطوا، والمناهج التعليميّة هي التي سقطت، وطموح الشباب هو الذي سقط!

فكيف يعقل أن يرسب شاب يعزف الموسيقى على البيانو ببراعة وإحساس، ويؤلّف معزوفات آتية من عالم جميل لا علاقة له بعالمنا، ومسؤولٌ ثقة في الحركة الكشفيّة، بفارق ربع علامة كان ينقصه لينجح في امتحاناته؟

وكيف تريدون أن نصدّق أنّ ماريو، التلميذ الذي ساعد زملاءه في الصفوف الثانويّة الأولى في الرياضيّات، وتعامل مع الكومبيوتر كلعبة يفكّك أوصالها ويعيد تركيبها وهو مغمض العينين، لا يستطيع أن يعود إلى البيت بشهادة نجح في الحصول عليها كثيرون لا يملكون قدرات ذهنيّة وفنيّة وأخلاقيّة ورياضيّة كالتي يملكها؟

غير أنّ مشكلة ماريو في مكان آخر، فهو تلميذ تعلّم على نفسه، واستطاع أن يحصل بجهده الخاصّ على العلامات التي نالها وكان على معلّميه أن يؤمنّوا له ربع علامة فقط ولكنّهم لم يفعلوا... فهذا التلميذ كان يزعجهم في الصفّ لأنّه كان يسأل كثيرًا! كان تلميذًا من صنف غريب، مختلفًا عن الآخرين، بعيدًا عنهم وقريبًا منهم في الوقت نفسه. والمؤسف أنّنا حين نقول ذلك يذهب تفكيرنا مباشرة إلى اختلاف مرضيّ ينمّ عن عجز أو إعاقة.

لا. ماريو كان مختلفًا لأنّه كان يريد أن يفهم أكثر، أن يسأل أكثر، أن يجيبه المعلّمون عن أسئلته من دون سخرية أو تأنيب ومن دون أن يدّعوا أنّهم لم يروا يده المرفوعة أو لم يسمعوا سؤاله. لا بل إنّ مشكلة ماريو الأساسيّة إيمانه بأنّ المدرسة وجدت لذلك، لأمثاله من الذين يسألون ليفهموا لماذا وكيف ومتى وما الهدف. ولكنّ المعلّمين الذين وقع بين أيديهم كانوا دائمًا مستعجلين ويريدون إنهاء البرنامج "قبل ما يصير شي" و"قبل ما تشوّب الدني". ولذلك كان هذا التلميذ مزعجًا بالنسبة إليهم، فلا هو يقتنع بسرعة بما يقال له كسائر المجتهدين، ولا هو "يطنّش" أو ينام كالكسالى، لذلك صاروا يقولون عنه: متفلسف، مغرور، مستواه ضعيف، ينقصه الكثير من المعلومات، مشكلته نفسيّة. إذًا كيف وصل هذا الشابّ إلى الصفّ النهائيّ واختار العلوم العامّة حيث الرياضيّات والفيزياء والكيمياء هي الموادّ الأساسيّة ذات العلامات العالية، وأصرّ فضلاً عن ذلك على تقديم الشهادتين اللبنانيّة والفرنسيّة؟

أين الخطأ؟ هل هو في المناهج التربويّة أم في المدارس نفسها؟ هل هو في المعلّمين أم الأهل أم التلميذ؟ وأين الخلل حتّى أنّ تلميذًا ذكيًّا واجتماعيًّا ولا يعاني من أيّة مشكلة صحيّة أو نفسيّة أو عائليّة أو ماديّة، وأثبت نجاحه في كلّ المجالات التي شارك فيها، يرسب في امتحان البكالوريا الفرنسيّة بفارق ربع علامة؟ ولنفرض أنّ هذا الشابّ يعاني صعوبات في اكتساب المعلومات بالسرعة المطلوبة، فماذا فعل المسؤولون عنه لتذليل هذه الصعوبات؟ وما هي الوسائل المساعِدة والتوضيحيّة التي اعتمدتها المدرسة لإيصال أمثاله إلى النجاح في اطمئنان وأمان؟ وهل تلحظ المؤسسّات التربويّة عندنا أساليب علميّة لمساعدتهم في حلّ مشكلتهم إن صحّ أنّ ما هم فيه مشكلة؟ وكيف نريد من ماريو بعد اليوم أن يبقى على ثقته بنفسه حين يعزف على البيانو (كم عزف في حفلات المدرسة وكم حصد التصفيق!)، أو حين يتحمّل مسؤوليّة الأولاد الذين يرافقهم في الرحلات الكشفيّة، أو حين يطلب منه أحد الأصدقاء أن يصلح له جهاز الكومبيوتر؟ ومتى ستجرؤ المؤسّسات التربويّة على الاعتذار من الأهالي حين يرسب أولادهم قائلة: نأسف لأنّنا فشلنا في إيصال أولادكم إلى النجاح الذي يستحقّونه؟ ومتّى سيكفّ المعلّمون عن الخوف من عدد الدروس لا على منهجيّة التعلّم والاكتساب؟ ومتى سنتوقّف عن النظر إلى التلامذة، كلّ التلامذة، على أنّهم فئران في مختبر أساليبنا التربويّة المستوردة مرّة من فرنسا، ومرّة من إنكلترا، ومرّة من الولايات المتحدّة الأميركيّة، ومرّة من كندا، ومرّة من مجموع هذه البلدان، وسواها، دفعة واحدة، أو على التوالي حتّى يحار التلميذ كيف يحكم على نفسه أو كيف يتصرّف؟ وأين دور التوجيه الدراسيّ والمهنيّ الخبير والمتخصّص في رصد توجّهات التلامذة وإرشادهم إلى حيث ينجحون ويحقّقون أنفسهم؟
ماريو! أو أيًّا يكن اسمك! مبروك عليك النجاح، لقد استطعت بجهدك الشخصيّ أن تحصّل العلامات التي نلتها، أمّا ربع العلامة الناقص فهو مجموع ما تساويه دروس معلّميك خلال مرحلة دراستك، وخلال الأعوام الطويلة التي أمضوها في التعليم!

* جريدة النهار - الثلثاء 22 حزيران 2010

هناك 6 تعليقات:

أفلاطون يقول...

شغلتني هذه المسألة كثيرا، هل رسب هذا الشاب في الإمتحانات الرسمية في الدولة، أم من الامتحانات الرسمية في المدرسة?? أي مكمن الخلل? إذا كان في البرامج التعلمية فلماذا لم ينطبق ذلك على رفاقه? هل كان عنده تقصير ما في مادة ما? هل من أيضاح. عناني الأمير كثيرا واقلقني!

ماري القصيفي يقول...

هذا الشابّ ليس حالة فريدة من نوعها/ ففي مدارسنا أعداد كبيرة من التلاميذ تحتاج إلى مناهج تعليميّة تتأقلم مع ميولهم ومواهبهم. هذه القصّة لم تحدث هذه السنة، والشاب رسب في البكالوريا الفرنسيّة ونجح في الللبنانيّة وهو الآن يدرس الموسيقى التي يعشقها. لكنّ مشكلته إذا أردت أن نسمّيها مشكلة هي أنّه كان يريد الذهاب إلى الموسيقى من الاختصاص العلميّ/ كان يريد مثلاً أن يفهم كيف يصل الصوت فيزيائيًّا إلى الجمهور/ أن يعرف لماذا هذه المعادلة نتيجتها هكذا. كان يريد أن يعرف أسرار المعادلات وكيف تمّ التوصّل إليها. وعتبي على معلّميه أنّهم قرّروا أنّه يضيّع الوقت ولا مستقبل له. فأفقدوه ثقته بنفسه وبموهبته، فأخذ يدرس وحده ومن دون أن يتفاعل في الصفّ، بعدما يئس من الحصول على الأجوبة من معلّميه فأخذ يبحث عن المعلومات بنفسه ويضعها كلّها في خدمة الموسيقى.
المشكلة في أنّ الانكباب على إنهاء البرنامج الدراسيّ بحسب المقرّر ينسي المعلّمين وإدارات المدارس أنّ كلّ تلميذ حالة خاصّة تحتاج إلى طريقة ملائمة للوصول إليها وفهمها وإعطائها المعلومات. قسوتي في الكلام على معلّمي هذا الشاب هي القسوة على كلّ الشأن التربويّ الذي يتعامل مع التلاميذ كزبائن أو عابري صفوف لا كعقول موهوبة ونفوس متوثّبة وعواطف جيّاشة ومواهب متنوّعة.
أمثال هذا الشاب كثيرون ولقد راسلني بعضهم وأخبروني كيف عوملوا في مدارسهم وكيف تفوّقوا في الجامعات والعمل والحياة. ماريو نموذج وليس حالة فريدة من نوعها.

أفلاطون يقول...

مشكلة التربية في لبنان مشكلة كبيرة، تحتاج لتطوير كبير وهذه المشكلة مرتبطة بوزارة التربية، ولا أدري ما هي أولوياتها اليوم?
إذا كان الشاب يريد معرفة تأثير الصوت على الجمهور عليه أن يأخذ الفرع الأدبي لا الفرع العلمي، ورسوبه في هذا الاتجاه دليل على ضعف كبير في مواده ما يجعله متعثرا فيه. ليدرس علم النفس، فهذه معادلة نفسية أدبية وليست معادلة فيزيائية. ماجدة الرومي لم تدرس الرياضيات، بل ارسلها والدها لتنال إجازة في الأدب العربي، ولم يكن مخطئا.
وقد نجحت نجاحا باهرا.

ماري القصيفي يقول...

الموسيقيّ المتخصّص يختلف عن المطرب، وفي دروس الموسيقى التي تعطى في الجامعات مناهج كاملة عن توزيع الصوت بحسب المكان وتأثير الطقس والرطوبة والحرارة وما إلى ذلك. لم يعد الفنّ يكتفي بالموهبة مع التطوّر ودخول الآلات الإلكترونيّة بعد الكهربائيّة على الفرق الموسيقيّة والاستديوهات. بات العلم ضروريًّا ليواكب الموهبة. وماجدة الرومي ساعدها تخصّصها في الأدب العربيّ على تذوّق الشعر في أغنياتها وعلى تأليف أغنيات خاصة بها.

افلاطون يقول...

معك حق في هذا الإختلاف، والموسيقي المتخصص يجب أن يتخصص في الموسيقى وليس في الفيزياء أوالكيمياء، وما حدث مع "ماريو" يقع الحق عليه وليس على المدرسة أوالمناهج، وهو مَن يتحمل المسؤولية، إلا إذا كان الحالة عامة في صفه.
يدرس الموسيقى المتخصص في فرع الموسيقى علم النوتة والسلم الموسيقي، والإيقاع، والنغم، والالات الموسيقية، والموسيقى الكلاسيكسة،والمقامات وغيرها، ولا علاقة للفزياء ومواضيعها في هذا الأختصاص. ويحسن أن يدرس الأدب العربي حتى لا يقع فيما يقع فيه يوري مرقدي، حيق ينصب الفاعل ويجر المفعول به.

أفلاطون يقول...

تعليق أخير في هذا الموضوع الهام جدا جداً.
يجب على من مناهج التعليم في لبنان أن تنتقل من طريقة بعض الحفظ الغيبي إلى طريقة التحليل والمنطق.
الانتقال من طريقة الحشو الممل في تواريخ الشعوب إلى منهجية مدروسة وخاصة في زمن الانترنت وخاصة ال (Wi- Fi) أو ما يعرف Wireless.
تربية العقل على النقد البناء ليستخلص الجيد من السيء من كم المعلومات المتاحة والسريعة.
وهذه مسؤولية وزارة التربية وليست مسؤولية المعلمين أو إدارات المدارس (إلا إذا كان مع الرأي العلمي أو الدراسة والخبرة)، فالموضوع خطير أمام تبدل القيم في العالم الجديد ويحتاج إلى متخصصين.
هل لديك مؤلفات أو دراسات في هذا الشأن? هل لحظت فيها عالم الأنترنت والتبدل في سلم القيم، وربما نشوء خلقية جديدة? يهمني الموضوع كثيراً...