الجمعة، 4 سبتمبر 2009

مطر يغسل الدماء والدموع


بدر شاكر السيّاب صاحب أشهر قصيدة في اللغة العربيّة عن المطر

هل تعرفون قصّة رجل الدين الذي دعا الناس إلى صلاة الاستسقاء؟ تقول القصّة إنّ الناس الذين لبّوا دعوة رجل الدين فوجئوا وهم يسمعونه يبدأ خطبته بلهجة غاضبة مؤنّبة وهو يقول لهم: يا قليلي الإيمان! يا كافرين! كيف تريدون من الله أن يستجيب طلبتكم وينزل عليكم مطر السماء رحمة وأنتم بعيدون عن الإيمان بُعد الأرض عن النجوم والمجرّات والكواكب.
سرت بين الناس همهمات ووشوشات وصلت معانيها إلى رجل الدين وكلّها تساؤل عن سبب هذه النقمة عليهم، فأهل القرية كلّهم هنا، ولم يتخلّف منهم عن المجيء إلاّ العجوز العاجز أو الطفل المريض، أمّا الآخرون فكلّهم هنا يرغبون في بدء الصلاة لعلّ الله يرفع غضبه عنهم ويبعد الجفاف والقحط.
وبعدما وجد رجل الدين أنّ كلماته فعلت فعلها وجذبت اهتمام جمهور المصلّين، خاطبهم في هدوء وقال لهم: كيف تريدون من الله أن يعطف عليكم وأنتم لا تثقون برحمته ومحبّته وقدرته على تحقيق ما تطلبونه منه، فهل بينكم شخص واحد يحمل مظلّة يتّقي بها المطر عند هطوله؟
الدعوة التي وجّهتها إدارة الأوقاف السنيّة في مملكة البحرين لإقامة صلاة الاستسقاء يوم السبت 24 كانون الثاني 2009، تتطلّب الإيمان أوّلاً، ومن الواضح أنّنا بتنا اليوم لا نؤمن الإيمان الذي يقول لهذا الجبل انتقل فينتقل. أنا لا أريد الدخول هنا في حديث دينيّ غير أنّني أشير إلى فقدان الإيمان على مختلف المستويات في الأمّة العربيّة. فتاريخ المجتمعات يؤكّد أنّ الإنسان في حاجة إلى التمسّك بمعتقد ما يكون بمثابة خشبة خلاص تنقذه من التخبّط في أمواج أهوائه ورغباته ومشاكل الحياة وتغيّرات الطبيعة. فهناك من يؤمن بنفسه ويثق بقدراته الشخصيّة ومن هذين الإيمان والثقة ينطلق ليحقّق أسمى الغايات، وهناك من يؤمن بزعيم أو ملهم أو صاحب قضيّة فيتبعه وقد يضحّي بنفسه من أجله، وهناك من يؤمن بعقيدة دينيّة أو فلسفيّة أو سياسيّة معتبرًا أنّ في الالتزام بتحقيق أهدافها خلاصًا للبشريّة، وهناك من يؤمن بإله واحد، وهناك من يؤمن بآلهة تتوزّع بينها المهمّات، وهناك من يؤمن بالعلم وسيلة خلاص وحيدة مردّدًا العبارة التي صارت سائدة بين الناس: العلم يحقّق المعجزات.
في مدارسنا وبيوتنا نحطّم ثقة الطفل بنفسه والشاب بمواهبه والفتاة بذكائها، والزعماء يخذلوننا الواحد بعد الآخر، والقضايا صارت مطيّة للربح والتجارة ومواضيع للشعر، والدين صار على مقياس رجاله ودعاته والمبشّرين به، وبدل أن يكون الواحد منّا على صورة الله صار الله على صورة أحزابنا وطوائفنا ومذاهبنا، أمّا العلم فحدّث ولا حرج: المنطق معطّل، والإنسان عبد الآلة وأسير أنظمتها وتطوّرها، والعلوم تقيّد بالتقاليد البالية والممارسات السطحيّة، نستورد كلّ شيء: الأفكار والشعارات والملابس والآلات والنساء والمأكولات، ثمّ نحاول أن نعرّبها فنضع لها عقالاً هنا وطربوشًا هناك لتصير عربيّة من بنات أفكارنا وقيمنا.
نعم، نحن في حاجة إلى مطر يغسل الدماء عن أرض العراق وفلسطين ولبنان، إلى مطر نقيّ نغسل به وجوهنا من خطوط الدمع التي شقّت أخاديد عميقة عمق حزننا ومأساتنا، إلى مطر يمحو عار صمتنا ويوقظنا من سباتنا العميق، إلى مطر يغرق الأرض في طوفان لعلّنا بعده نكون شعبًا جديدًا، إلى مطر يسقي الأرض وينبت الزرع ويروي العطش، إلى مطر يطّهر الدنس والرجس، إلى مطر ينزل سيولاً تجرف كلّ ما لم نتعب في زرعه وجنيه وحصده وصنعه وتأليفه واكتشافه. نعم نحن في حاجة إلى أمطار وعواصف ورعود وبروق تذكّرنا بالحياة بكلّ ما فيها من عطاء وغضب وحنان وشدّة وعنف ولين. لقد صار أمر هذه الأمّة في أدنى دركات الانحطاط ولن ينقذها إلاّ صلاة نابعة من عمق الوجدان. فهل نحمل المظلاّت لنحتمي من حبال المطر أم نهرع لملاقاة الخير النازل من السماء برؤوس مرفوعة وأعين لا تخشى النظر؟

في مختبر المسرح التجريبيّ



يخضعنا أسياد المسرح التجريبيّ وسيّداته لاختبارات قاسية نتحوّل فيها ضحايا وعوض عن أن نخرج من المسرح وقد ازددنا علمًا نخرج ونحن نجرّ أذيال الخيبة بعدما ازددنا همًّا، فكأن لا يكفينا المعاناة التي نحن أبطالها في الحياة، حتّى تأتي المسرحيّات لتنقل إلينا هذه المعاناة وتعرضها أمام أعيننا لا بل تدعونا إلى التفاعل معها، وتعتب علينا إن لم نفعل. هذا إن كنّا نشاهد فعلاً، ولا نتفرّج!
يحاول المسرحيّون اللبنانيّون، وغيرهم من الذين ينتمون إلى مدارس التجريب والتغريب في المسرح، أن ينقلوا إلينا تجارب في التأليف والتمثيل والإخراج نالت حصّتها من النجاح (على ذمّة الرواة) حيث عرضت. ويغيب عن بال هؤلاء المسرحيين أنّنا نعيش في أجواء أقلّ ما يقال عنها أنّها متوتّرة قلقة، وبالتالي لا يجوز تعريضنا لمثل هذا العنف المسرحيّ الذي يستمتع به الغربيّ لأنّه في قرارة نفسه يعرف أنّه مطمئنّ إلى غده، وأنّ ما يراه هو تمثيل وفنّ، بينما نشعر نحن بالاختناق كلّما فكّرنا في مواكبة الثقافة ومشاهدة عرض مسرحيّ جدّيّ. حصل لي مثل ذلك في مسرح دوّار الشمس الذي يشرف عليه المخرج روجيه عسّاف. كان العمل بتوقيع مخرجة لبنانيّة تقيم في فرنسا، وفي مسرحيّتها المستوحاة من عمل عالميّ، قصف ورعب وجثّة ملتصقة بالممثّلة الوحيدة التي تؤدّي العرض في مونولوغ صاخب محاط بالظلمة ومخترق بأصوات القذائف والصراخ والموسيقى الجنائزيّة أو العنيفة. لم أصمد أكثر من بضع دقائق، غادرت بعدها المسرح وأنا أتلمّس خطواتي في الظلام الدامس وإذ بمجموعة من المشاهدين تلحق بي بعد أن شجّعها إقدامي على خرق حرمة المسرح المهيب. وفي الخارج، كانت الممثّلة المسرحيّة السيّدة حنان الحاج عليّ، زوجة عسّاف، تنظر إلينا وتبتسم وتطمئننا إلى أنّنا لسنا وحدنا من فعل ذلك، ففي كلّ ليلة من ليالي العرض "يهرب" من لم يستطع أن يحتمل فكرة الحرب بما فيها من القتل والتعذيب والخطف وهي تستعاد أمامه. أذكر هذه الحادثة لأشير إلى مسرحيّة "حمّام بغداديّ" للمخرج العراقيّ جواد الأسديّ، التي بدئ عرضها على خشبة مسرح "بابل"، وهي من بطولة الممثّلين السورييّن "نضال سيجري" و"فايز قزق"، اللذين نالا جائزة التمثيل عن دوريهما في هذه المسرحيّة، في مهرجان القاهرة الدوليّ الثامن عشر للمسرح التجريبيّ عام 2008. والمسرحيّة التي تعود إلى بيروت بعد عرض سابق منذ عامين، وتستمرّ لغاية 14 شباط 2009، تدور في حمّام شعبيّ في العراق بين شقيقين، أحدهما يعمل مع الأميركيّين والآخر ضدّهم. والمقصود بالحمّام هنا الفسحة الخاصّة حيث يختلط الحميميّ بالمعلن، وتتعرّى شخصيّة الإنسان كما يتعرّى جسمه. ومن الطبيعيّ أن يكون الحوار في هذه الحالة جارحًا وصاخبًا وعبثيًّا، كيف لا والعمل يستعاد لأنّ الأوضاع في العراق لم تتغيّر وبالتالي لا تزال المسرحيّة بعنفها وقسوتها صالحة للعرض ولم تنته بعد مدّة وظيفتها. السؤال الذي يحيّرني في كلّ مرّة أخوض فيها مغامرةَ مشاهدةِ عرض كهذا: ما المطلوب من المشاهد في هذه الحالة؟
حين أرى إلى جماعة المشاهدين، وهي من النخبة المثقّفة في هذا الحال، أكتشف أنّهم لا يزالون كما هم ولم يتغيّر فيهم شيء. لا يزالون يضحكون، ويثرثرون عن الناحية الفنيّة للعمل في لغة هي مزيج من فرنسيّة راقية وإنكليزيّة "كول"، يتبادلون الرأي في قضيّة اختيار المطعم الذي سينهون سهرتهم فيه، يتساءلون عن مشاريع الغد، ويتفرّق الجميع، بعيدًا عن مسرح "الجريمة". فهل هذا هو المطلوب من هذا الجمهور المختار؟ وهل هذا هو الجمهور المطلوب لهذا المسرح؟ ولماذا قلّة من الحاضرين تجد نفسها متورّطة في العمل؟

في مختبر المسرح التجريبيّ

روجيه عسّاف وحنان الحاج علي

من مسرحية حمّام بغدادي لجواد الأسدي

  (4 أيلول 2009)
      يُخضعنا أسياد المسرح التجريبيّ وسيّداته لاختبارات قاسية نتحوّل فيها ضحايا وعوض عن أن نخرج من المسرح وقد ازددنا علمًا نخرج ونحن نجرّ أذيال الخيبة بعدما ازددنا همًّا، فكأن لا يكفينا المعاناة التي نحن أبطالها في الحياة، حتّى تأتي المسرحيّات لتنقل إلينا هذه المعاناة وتعرضها أمام أعيننا لا بل تدعونا إلى التفاعل معها، وتعتب علينا إن لم نفعل. هذا إن كنّا نشاهد فعلاً، ولا نتفرّج!
     يحاول المسرحيّون اللبنانيّون، وغيرهم من الذين ينتمون إلى مدارس التجريب والتغريب في المسرح، أن ينقلوا إلينا تجارب في التأليف والتمثيل والإخراج نالت حصّتها من النجاح (على ذمّة الرواة) حيث عرضت. ويغيب عن بال هؤلاء المسرحيين أنّنا نعيش في أجواء أقلّ ما يقال عنها أنّها متوتّرة قلقة، وبالتالي لا يجوز تعريضنا لمثل هذا العنف المسرحيّ الذي يستمتع به الغربيّ لأنّه في قرارة نفسه يعرف أنّه مطمئنّ إلى غده، وأنّ ما يراه هو تمثيل وفنّ، بينما نشعر نحن بالاختناق كلّما فكّرنا في مواكبة الثقافة ومشاهدة عرض مسرحيّ جدّيّ.
     حصل لي مثل ذلك في مسرح "دوّار الشمس" الذي يشرف عليه المخرج روجيه عسّاف. كان العمل بتوقيع مخرجة لبنانيّة تقيم في فرنسا، وفي مسرحيّتها المستوحاة من عمل عالميّ، قصف ورعب وجثّة ملتصقة بالممثّلة الوحيدة التي تؤدّي العرض في مونولوغ صاخب محاط بالظلمة ومخترق بأصوات القذائف والصراخ والموسيقى الجنائزيّة أو العنيفة.

     لم أصمد أكثر من بضع دقائق، غادرت بعدها المسرح وأنا أتلمّس خطواتي في الظلام الدامس وإذ بمجموعة من المشاهدين تلحق بي بعد أن شجّعها إقدامي على خرق حرمة المسرح المهيب. وفي الخارج، كانت الممثّلة المسرحيّة السيّدةحنان الحاج عليّ، زوجة عسّاف، تنظر إلينا وتبتسم وتطمئننا إلى أنّنا لسنا وحدنا من فعل ذلك، ففي كلّ ليلة من ليالي العرض "يهرب" من لم يستطع أن يحتمل فكرة الحرب بما فيها من القتل والتعذيب والخطف وهي تستعاد أمامه. أذكر هذه الحادثة لأشير إلى مسرحيّة "حمّام بغداديّ" للمخرج العراقيّ جواد الأسديّ، التي بدئ عرضها على خشبة مسرح "بابل"، وهي من بطولة الممثّلين السورييّن "نضال سيجري" و"فايز قزق"، اللذين نالا جائزة التمثيل عن دوريهما في هذه المسرحيّة، في مهرجان القاهرة الدوليّ الثامن عشر للمسرح التجريبيّ عام 2008. والمسرحيّة التي تعود إلى بيروت بعد عرض سابق منذ عامين، وتستمرّ لغاية 14 شباط 2009، تدور في حمّام شعبيّ في العراق بين شقيقين، أحدهما يعمل مع الأميركيّين والآخر ضدّهم. والمقصود بالحمّام هنا الفسحة الخاصّة حيث يختلط الحميميّ بالمعلن، وتتعرّى شخصيّة الإنسان كما يتعرّى جسمه. ومن الطبيعيّ أن يكون الحوار في هذه الحالة جارحًا وصاخبًا وعبثيًّا، كيف لا والعمل يستعاد لأنّ الأوضاع في العراق لم تتغيّر وبالتالي لا تزال المسرحيّة بعنفها وقسوتها صالحة للعرض ولم تنته بعد مدّة وظيفتها. السؤال الذي يحيّرني في كلّ مرّة أخوض فيها مغامرةَ مشاهدةِ عرض كهذا: ما المطلوب من المُشاهِد في هذه الحالة؟
     حين أرى إلى جماعة المشاهدين، وهي من النخبة المثقّفة في هذا الحال، أكتشف أنّهم لا يزالون كما هم ولم يتغيّر فيهم شيء. لا يزالون يضحكون، ويثرثرون عن الناحية الفنيّة للعمل في لغة هي مزيج من فرنسيّة راقية وإنكليزيّة "كول"، يتبادلون الرأي في قضيّة اختيار المطعم الذي سينهون سهرتهم فيه، يتساءلون عن مشاريع الغد، ويتفرّق الجميع، بعيدًا عن مسرح "الجريمة".
     فهل هذا هو المطلوب من هذا الجمهور المختار؟ وهل هذا هو الجمهور المطلوب لهذا المسرح؟ ولماذا قلّة من الحاضرين تجد نفسها متورّطة في العمل؟

الخميس، 3 سبتمبر 2009

رحمة بأولادكم



تقع قضيّة اختيار الاسم في أعلى قائمة الاستعدادات لاستقبال طفل جديد، وكم وقعت مشاحنات ومشاجرات بين أفراد العائلة بسبب هذا الموضوع أدّى كثير منها إلى خصومة لم يخفّف من حدتها الفرح بالمولود الذي سيحمل اسمًا لا رأي له فيه.
يخضع اختيار الاسم لمعايير تختلف باختلاف البيئة الاجتماعيّة والدينيّة والفكريّة التي تنتمي إليها الأسرة. ففي بعض العائلات يفرض الانتماء الدينيّ نفسه فيطلق على الأبناء والبنات أسماء الأنبياء والقدّيسات والشفعاء، وفي سواها تفضح الأسماء المعطاة للأولاد المنحى السياسيّ الذي اختاره الوالدان، أو الوالد على الأقلّ. ثمّ هناك عامل الإرث كأن يحمل الأحفاد أسماء الأجداد أو الآباء. وثمّة أمور طريفة في هذا المجال، لا بأس إن أشرنا إلى بعضها لما لها من دلالات: في عائلة أعرفها يحمل ثلاثة أخوة أسماء قياديّة تاريخيّة هي: نابوليون وونستون وهتلر، وفي عائلة أخرى يحمل الأخوة أسماء الحيوانات ومرادفاتها التالية: سبع وديب وأسد ونمر وضرغام، وفي غيرها نجد أسماء القديّسين اللبنانيّين الثلاثة: شربل ونعمة الله ورفقا، وفي سواها فتيات ثلاث يحملن أسماء فاكهة: تفّاحة وخرمة وموزة، وثمّة عائلة أطلقت على أبنائها أسماء: سعدالله، نصرالله، نعمةالله، فضل الله. ويتأثّر اختيار أسماء الفتيات أحيانًا بالبرامج التلفزيونيّة بعدما خفّ وهج الروايات العاطفيّة، إذ تعجب الأمّهات الحوامل بالشخصيّات الرومنطقيّة التي يرينها على الشاشة. ولذلك اختيرت في مرحلة سابقة الأسماء التي حملتها الممثلتان هند أبي اللمع ونهى الخطيب سعادة في مسلسلاتهما، ثمّ أتى دور المسلسلات المكسيكيّة فانتشر اسم "راكيل" انتشارًا واسعًا، قبل أن تُنسى بطلة المسلسل وتترك المكان لسواها، وها نحن اليوم في عصر المسلسلات التركية ومن الطبيعيّ أن يحتلّ الصدارة اسم "نور". ولعلّ أسوأ ما سمعته من الأسماء هو اسم سيّدة من عائلة "مرعب" أصرّ والدها على تحميلها إيّاه عقابًا على كونها ليست ذكرًا فكان اسمها: منظر...
ولا يغيب الجانب السياسيّ عندنا عن هذا المشهد، فيأتي اختيار اسم المولود للدلالة على الإعجاب بشخصيّة قياديّة معيّنة، ولا نستغرب أن يختار أب من التيّار العوني لابنته (لا لابنه) اسم "ميشال" تيّمنًا بالجنرال ميشال عون ونكاية بحماته "القوّاتيّة"، أو أن تكون نسبة الذكور الذين يحملون اسم "بشير" مرتفعة جدًّا عند المسيحيّين الذين ولدوا في العام الذي اغتيل فيه بشير الجميّل، وكذلك الأمر عند المؤيدين لحزب الله حين قتل هادي نصرالله نجل السيّد حسن نصرالله.
ومن أغرب ما صادفته في هذا المجال نعي قرأته في الصحيفة وفيه لاحظت أنّ أولاد المتوفّى وهم سبعة شبّان يحملون الأسماء نفسها التي لأعمامهم السبعة العازبين، كأنّ الرجل أراد أن يخلّد إخوته بهذه الطريقة كونهم لم يتزوّجوا ولم ينجبوا. ولولا أنّ ما قرأته كان نعيًا في صحيفة لاعتبرت الأمر مزحة ثقيلة. ولكن أسوأ ما في مصادفات أمور كهذه أن تعرف أنّ فلانة سمّاها والدها "غادة" لإعجابه الشديد بالأديبة غادة السمّان، غير أنّ ابنته كبرت بعيدة عن الأدب والمتأدّبين بُعد الثريّا عن الثرى، أو أن يحمل شاب اسم والده الذي هو اسم جدّه الذي هو كذلك اسم والد الجدّ، أو أن يحمل رجل اسمًا هو عكس شخصيّته تمامًا كأن يكون بخيلاً ويحمل اسم "كريم" أو منحطّ الأخلاق ويحمل اسم "نبيل" أو "سامي" أو قبيح الصورة ويعرفه الناس باسم "جميل".
لا شكّ في أنّ حامل الاسم هو الذي يشرّف اسمه ويرفع قدره، ولن يعيبه أن يحمل الاسم نفسه من ليس أهلاً له ولكن رحمة بأولادكم لا تحمّلوهم أسماء يخجلون بها أو يتعبون من حمل مسؤوليّتها الأدبيّة، والأهمّ ألاّ تطلقوا عليهم أسماء تضاف إلى أسمائكم لترضي أنانيتكم كأنّ يطلق على صبيّ اسم "مجد" كي يأتي بعده اسما الأب والعائلة فيكون "مجد فلان الفلانيّ" على كلّ شفة ولسان، في حين أنّ كلّ مجد في الأرض باطل.

إلى الطفل في داخل كلّ إنسان

الدكتورة هيام كوزما خلال توقيع كتابها

عندما عاد أفراد العائلة والمدعوون من الكنيسة بعد حفل العماد، كان الطفل يغفو في سكينة بين يدي أمّه، وهو غارق في ثوبه الأبيض الحريريّ الذي خيط خصيصًا للمناسبة. أضجعته الأمّ في سريره الصغير المتنقّل، فحمله والده إلى السيّارة، ثمّ إلى المطعم حيث وليمة الغداء التي دعي إليها جمع كبير من الناس للاحتفال بالطفل المعمّد.
مرّت الجدّة قرب سرير الطفل الذي وضع على طاولة جانبيّة، وألقت نظرة على حفيدها النائم لتطمئنّ إلى أنّ ضجيج الناس حوله لم يقلق غفوته. ثمّ خلعت معطفها الفرو وغطّت القسم الأسفل من السرير خوفًا على الطفل من البرد، وداعبت وجهه بأناملها رغبة منها في التأكّد من أنّه ينعم بالدفء المطلوب، ثمّ ابتعدت لتنخرط مع الجموع المحتفلة. كان الطعام شهيًّا، والجوّ مفعمًا بالفرح والضحك، وأصوات الأغنيات تصدح داعية الراغبين في الرقص إلى الإسراع إلى الحلبة. ولم ينتبه أحد إلى عشرات المعاطف المتراكمة عفوًا فوق معطف الجدّة، خانقة الطفل، صاحب العيد والاحتفال، تحت ثقلها وحرارتها المرتفعة.
لا أعرف إن كانت هذه الحادثة وقعت فعلاً أم هي مجموعة تفاصيل جمعَتها ذاكرتي من حكايات مختلفة سمعتها ممّن حولي ومن مشاهد عالقة في البال عن الحفلات التي ننسى فيها سبب الدعوة وصاحب العيد، ثمّ حبكتُها في حكاية هي أقرب إلى الجريمة غير المتعمّدة. ولكن إذا كانت هذه الحادثة حكاية ألّفتها أو حفظتها، وإذا كان موت الطفل حادثة مؤسفة لا ذنب فعليًّا لأحد فيها، فكم من الحوادث تقع ويقتل فيها الأطفال عمدًا ومع سابق الإصرار والتصميم! ولعلّ أخطرها وأكثرها غموضًا وقسوة تلك التي يقتل فيها كلّ واحد منّا الطفل الذي فيه. ولذلك جاء كتاب الدكتورة هيام قزما: إلى الطفل في داخل كلّ إنسان، الصادر في لبنان حديثًا في اللغتين العربيّة والفرنسيّة، ليعرّفنا على هذا الطفل النائم في سلام في قلب كلّ منّا، فنوقظه في هدوء ونترك له المجال كي يتنفّس ويعيش، ولا نخنقه تحت طبقات متراكمة من أنواع الكبت والذنب ارتفعت فوقه بسبب الجهل وعلى عجل ومن غير انتباه غالبًا، وفي قصد وتعمّد أحيانًا.
والدكتورة هيام قزما طبيبة لبنانيّة، تقيم في فرنسا، حيث درست الطبّ الغربيّ ثمّ أضافت إليه علومًا متخصّصة في الطبّ الشرقيّ (الوخز بالإبر)، وفي علوم النفس والتواصل واللغة، فكانت النتيجة ثقافة جامعة تهدف إلى معالجة النفس والجسد، لا بل الأهمّ الوقاية من الأمراض التي قد تصيب النفس والجسد. ولا شكّ في أنّ المكتبة العربيّة في أمسّ الحاجة إلى مثل هذا النوع من الكتب، فضلاً عن الحاجة الملحّة إلى مثل هذا النوع من العلاج. فالكتب الحديثة التي تعالج هذه المواضيع محصورة في اللغات الأجنبيّة، وعندما كانت تنال شهرة واسعة وتصل إلينا (وأحيانًا متأخّرة جدًّا)، كانت تترجم إلى لغتنا بكلمات لا تحترم المفاهيم الطبيّة العلميّة لأنّ المترجمين في طبيعة الحال من غير الأخصائيّين في هذا المجال. ولذلك كان القارئ العربيّ محرومًا من الاستفادة من هذه الكتب العلميّة الجديّة، لا بل محرومًا ممّن يعالج مشاكله الصحيّة في وجهيها النفسيّ والجسديّ (وكلّ منهما وجه للآخر) انطلاقًا من شخصيّة الإنسان العربيّ بخصوصيّته وبيئته ولغته وتقاليده. فجاء هذا الكتاب ليبدأ بسدّ هذا الفراغ وهو باكورة إنتاج علميّ/ أدبيّ لطبيبة لبنانيّة شديدة الالتصاق بوطنها العربيّ وإن كانت تقيم بحكم العمل والتزامات العائلة في الخارج، غير أنّها تعوّض عن هذا البعد بمحاضرات وندوات ودورات تدريبيّة تدعو إليها وتحييها في لبنان وسواه.
لقد أتيح المجال لهذه السيّدة اللبنانية/الفرنسيّة، الشرقيّة/الغربيّة، الأمّ/ الطبيبة، أن تبرهن على قدرة الإنسان – المرأة خصوصًا - على الجمع بين ثقافات مختلفة، وحضارات قديمة وحديثة، وواجبات مهنيّة وعائليّة، وتصغير العالم إلى قرية كونيّة، لا كما فعلت العولمة في محاولتها إلغاء خصوصيّات الحضارات والقوميّات والثقافات، بل في احترام كلّ جانب من شخصيّة الإنسان، وإبداع المجتمع، وتاريخ الحضارة، لتؤكّد أنّ الحضارات لا تتصارع عند من يعقلون بل تتحاور وتتكامل. وما كتابها هذا سوى الدليل على أنّها تحترم كلّ فرد من البشر، لا بل تحترم الطفل الذي فيه، الطفل الذي أهمله الكبير وصفعه وأنّبه وقلّل من احترامه وأساء إليه وأسكته حين تكلّم، وأزعجه حين تعب ونام. وإلى هذا الطفل تهدي الدكتورة قزما الكتاب، فتقول له: إلى الطفل الذي التقيته في كلّ شخص، في كلّ حين، وكلّ مكان، إنّه غذّى مشاعري ووسّع أفكاري وعمّق خبرتي. هذا الطفل هو دائمًا معي وأمامي، في كلّ حركة وكلّ حرف. وراء كلّ كلمة هناك وجه يخاطبني، ووراء كلّ جملة إشعاع ينير طريقي.قد لا نستطيع أن نحلّ جميع مشاكلنا، ولكن لا شكّ في أنّ نظرتنا إلى شؤون هذا العالم وشجونه وتعاملنا معها سوف يتغيّران ويثمران إن نحن أحببنا أوّلاً الطفل في داخل كلّ منّا. وهذا الكتاب هو دليلنا إلى ذلك.

الأربعاء، 2 سبتمبر 2009

حزنك رماد الغيم


حزنك رماد الغيمْ
الطالع على بالو
ينزل بعبّ الميْ
تيغسّل خيالو
ومن دون ما يحكي
رح يهرب من الضوّ
ويفوت ع حالو

في دمعتين زغار
تخبّوا سوا وراحوا
عم يكبروا بالسرّ
لا ارتحت، لا ارتاحوا
طَير الوجع تخمين
تتصير متلو تطير
أدّملك جناحو

شو بخاف من أيلول
شهر السفر جايي
في طيور بدها تفلّ
وحزنك لوحدو يضلّ
يشهد عالحكاية
إلّي شو لازم أُول
إلّي مـَرَأ أيلول

الثلاثاء، 1 سبتمبر 2009

بعد الصيف والكَيف خريف ومدارس وإنفلونزا


التلامذة يكرهون الخريف لأنّه ينذرهم ببدء العام الدراسيّ، ولكنّهم، هذه السنة، كانوا سيحبّونه لأنّه "يبشّرهم" بإنلفونزاH1N1 التي يعرفها الناس بإنفلونزا الخنازير، وباحتمال أن تقفل المدارس أبوابها وأن تمتدّ العطلة أطول مدة ممكنة. ولكنّ قرار وزيري التربية والصحّة القاضي بفتح المدارس قضى على أحلام التلاميذ وجعلهم يحوّلون كرههم في اتجاه الوزيرين "المتواطئين" ضدّهم بغطاء من الأهالي وإدارات المدارس.
لا شكّ في أنّ المنطق يفرض عدم تعطيل الدراسة، ولكن ما يجري في كواليس المدارس وخصوصًا ذات الإمكانات الماديّة المحدودة، يقضي بضرورة أخذ الحيطة والحذر، وألاّ نبقى مقتنعين بأنّنا محصنون ضدّ كل أنواع الأوبئة والأمراض، وبأنّ العناية الإلهيّة لن تتخلّى عنّا، وبأنّنا لن نصاب إلاّ بما كتب الله لنا.
ولذلك لا بدّ من طرح التساؤلات الآتية في مرحلة انتقاليّة ضبابيّة بين حكومتين: هل تعي المؤسّسات التربويّة وحضانات الأطفال احتمال العدوى فيها مع هذه الأعداد الكبيرة من الأولاد والمعلّمات الحوامل؟ وهل وضعت خطة بديلة في حال اضطرّ التلاميذ المصابون إلى التغيّب عن الصفوف، أو عند منع المعلّمات الحوامل من الوجود في صفوف سجّلت فيها إصابات بالمرض؟ وهل رصدت فرق عمل للتنظيف المتواصل وتعقيم الأمكنة التي يتشارك فيها الجميع كالحمّامات والنوادي وغرف تبديل الملابس قبل الرياضة وبعدها، فضلاً عن مقاعد الدراسة؟ (ملاحظتان: هل تعلمون أنّ التلميذ عندما يدهمه السعال أو العطاس يضع أمام وجهه تلقائيًّا ورقة الامتحان ثمّ يقدّمها لمعلّمه؟ وهل تعلمون أنّ أكثر المدارس لا تضع الصابون في الحمّامات؟) وفي حال الاضطرار إلى قفل حضانات الأطفال والروضات حيث الخطورة الكبرى، هل ثمّة خطّة لتعويض غياب الأمّهات الموظّفات والعاملات عن مراكز العمل، ونحن نعلم بأنّ نسبة النساء مرتفعة في المؤسّسات الرسميّة والخاصّة؟ وهل هناك من يراقب الأوضاع الصحيّة للعمّال الأجانب واحتمال أن ينقلوا المرض إلى حيث يعملون إن في المستشفيات أو المدارس والجامعات وحتّى في ورش البناء حيث تغيب أبسط وسائل النظافة؟ وهل رصدت وزارة الصحّة ميزانيّة لتأمين الأقنعة والعلاجات والأسرّة في المستشفيات لو انتشر المرض كما تتوقّع الدراسات؟ في غياب الدولة، اعتاد اللبنانيّون تأمين الكهرباء والماء والأمن، وها هم اليوم مجبرون على التفكير في مقاومة من نوع جديد، وعليهم أن يستعيدوا شعار "كلّ مواطن خفير" ولكن على صحّته وصحّة أولاده وأهله، خصوصا أنّ العائدين من السفر والسياحة قد يحملون معهم الإنفلونزا.
فالبلديّات مدعوّة إذًا (وهي على أبواب الانتخابات) إلى تأسيس فرق من المتطوّعين تضمّ كلّ من له علاقة بالشأن الصحيّ في البلدات، وذلك للتوجيه والمراقبة ورصد الحالات وإحصاء العجزة والأطفال والمرضى والحوامل، وإلى وضع خطّة عمل بالتعاون مع المستشفيات والمستوصفات والصيدليّات ومراكز الصليب الأحمر والهلال الأحمر وكلّ الجمعيّات الخيريّة التي تقع في النطاق البلديّ. والمدارس مدعوّة إلى التنسيق مع لجان الأهل ولجان الطلاّب لتأمين الدروس والفروض عبر شبكة الإنترنت، والسعي الى الافادة من وسائل الإعلام المرئيّة والمسموعة لتقديم برامج تثقيفيّة تعليميّة تبقي التلاميذ والطلاّب في أجواء الدراسة والتحصيل العلميّ.
ومن الملحّ أن تخصّص الأيّام التي تسبق بدء العامّ الدراسيّ لتعريف المعلّمين بكيفيّة رصد الحالات وسبل الوقاية، وأن يكون اليوم الدراسيّ الأوّل مخصّصًا لتعليم التلامذة أساليب النظافة والحقائق الطبيّة عن هذا المرض، بعيدًا عن المبالغة: إن في الخوف أو في الاستخفاف.
وفي المناسبة، لن يسيء إلى سمعتنا في المحبّة والودّ أن نمتنع عن تبادل القبلات في الأعراس والمآتم والمناسبات واللقاءات العامّة، وأن نخفّف قدر الإمكان من اندلاق كميّة العواطف التي ثبت بعد البحث والتحرّي أنّها عند الحاجة لا تشبع ولا تداوي. صحيح أنّنا أكثر من يستعمل عبارة: صافحه بحرارة وعانقه بحرارة، ولكن لا شيء يدعونا إلى تحويل الصورة المجازيّة حقيقة طبيّة، فنطبع على وجوه الآخرين قبلات حارّة بفعل المرض لا المحبّة.
*صحيفة النهار - الثلاثاء 1 أيلول 2009

الاثنين، 31 أغسطس 2009

هل تثبت الخلجنة أمام التحديّات؟


من المنطقيّ أن تضع الأزمة الاقتصاديّة الخليج العربيّ أمام تساؤلات جديّة عن قدرته على مواجهة التحديّات على مختلف مستوياتها، فإذا القينا نظرة إلى المستقبل القريب ووجدنا العالم قد وضع يده على مصادر جديدة للطاقة، لا بدّ من التساؤل: هل سيبقى الخليج مقصدًا للتجارة والإعلام؟
أطرح هذا السؤال وفي بالي الهجمة اللبنانيّة، على سبيل المثال، على الخليج، وتحديدًا على جانب واحد على الأقلّ من جوانب الخلجنة، وهو الأغنية. فبعد تسابق محموم للغناء باللهجة الخليجيّة وصولاً إلى أكثرها محليّة، يبدو السؤال مشروعًا إن كانت هذه الفورة تهدف فعلاً إلى البحث عن أساليب فنيّة جديدة ولغة جديدة وإيقاع جديد أم هو مجرّد بحث عن مموّل ومنتج وسوق ومستمع يملك القدرة الشرائيّة.
لقد بدا الأمر في مرحلة الفورة الاقتصاديّة كأنّ كلّ ما يصدر في الخليج جميل ورائع ويستحقّ الاهتمام والتبنّي، من الصحافة إلى الرواية إلى المسلسل التلفزيونيّ إلى الأغنية إلى أنواع الطعام إلى العطر إلى ما كلّ ما يتّصل بخصوصيّة هذه المملكة أو تلك الإمارة. ولم يكن ثمّة مجال للغربلة في ظلّ الثروة الاقتصاديّة وحاجة سائر شعوب المنطقة إلى أسواق. أمّا الآن فيبدو الأمر كلّه أمام استحقاقات مهمّة ودقيقة، لا أعرف فعلاً إلى أيّ حدّ يعيها الخليجيّون ويرسمون الخطط لمواجهتها. فمع تداعيات الأزمة الاقتصاديّة العالميّة ووصولها إلى دول الخليج، وبدء ترحيل العمّال والموظّفين غير الخليجيّين بعد الاستغناء عن خدماتهم، وهو أمر مفهوم ومتوقّع، لا بدّ من ترقّب ما ستؤول إليه الأمور وكيف ستستطيع "الخلجنة" أن تقاوم انفكاك الناس عنها. إذ لا يغيب عن بال المفكّرين الخليّجيّين أنّ الحركة العمرانيّة والمؤسّساتيّة والخدماتيّة قامت على تضافر جهود كثيرين من خارج أبناء الخليج، وتطبّعت بطبعهم وتبنّت أساليبهم من دون أن يترافق ذلك مع فكر خليجيّ واضح يحدّد الأطر العامّة لهذه الإنجازات أو يضع بصمته عليها، فأتت هجينة من كلّ لغة ولون ولم تصبّ في بوتقة واحدة.
وقد يكون من الأهميّة بمكان أن نسأل إن كان هناك هويّة خليجيّة واحدة جامعة يصحّ أن يحملها كلّ أبناء الخليج أيًّا تكن دولهم وممالكهم وإماراتهم. وإن كانت الخلجنة السعوديّة هي نفسها الكويتيّة أو الإماراتيّة أو البحرينيّة أو القطريّة؟
في بالي وأنا أطرح هذه التساؤلات ما كنت أسمعه من اللبنانيّين قبل الأزمة وما صرت أسمعه بعده. وحين أقول اللبنانيّين لا أقصد أن أحصر الأمر بهم بقدر ما أنقل ما أنا شاهدة عليه كوني لبنانيّة، وأكاد أجزم أنّ الأمر يصح على غيرهم ممّن استفاد من البحبوحة الخليجيّة وممّن بدأ يخشى على مصيره بعد الأزمة العالميّة.
فقبل أشهر كانت العبارة الأكثر تداولاً: لقد حوّل العرب الصحراء جنّة. اليوم صارت: إمبراطوريّة قامت على رمل لا على صخر. وأنا حين أسمع ذلك من مدراء أو موظّفين أو عمّال أعطي الأمر أهميّة لأنّ ما يقوله الناس عفو الخاطر ومن دون دراسات وإحصاءات مؤشّر معبّر لا يجوز التغاضي عنه. ولعلّ الفضائح التي بدأت تنتشر في وسائل الإعلام الغربيّة والعربيّة عن ممارسات شاذّة في أكثر من عائلة حاكمة دليل على تغيّر ما لا بدّ من ترقّب نتائجه.
خلال الحكم العثمانيّ، توجّه الناس إلى مصر بحثًا عن الحريّة والعمل، وبقي من آثار تلك المرحلة صحف ودواوين وأفلام وأقلام ومسرح. وحين ازدهر لبنان قبل الحرب توجّه المضطهدون في بلدانهم إليه طمعًا بالحريّة والعمل، وكانت النتيجة حركة ثقافيّة أنتجت عقائد ومهرجانات ومسرحيّات وأغنيات ودور نشر. وقبل وقت تحوّل الناس إلى الخليج بحثًا عن الأمن والعمل، والسؤال الآن هل ستكون النتيجة مجرّد أبراج تلعب فيها الرياح أم ثمّة ما سيبقى للمستقبل عن مرحلة ازدهار لا بدّ من أن تنتقل إلى مكان آخر انصياعًا لحركة التاريخ وتغيّرات الأزمنة وتحوّل المصالح؟

الأربعاء، 26 أغسطس 2009

حقيبة هيفا والحقيبة المدرسيّة (2009)





من يقنع "يارا" بعد اليوم بأن ترتدي زيّها المدرسيّ الرماديّ الذي يحزن نفسها، وبأن تحمل حقيبتها المدرسيّة الثقيلة التي أحنت ظهرها، بعدما شاهدت في الصحيفة صورة "هيفا" وهي ترتدي معطف الفرو الثمين وتحمل حقيبة يد نادرة، ثمنها 150 ألف يورو.
أنا، بداية، أوافق "يارا" رأيها في أنّ "هيفا" امرأة رائعة الجمال وخفيفة الظلّ، ولا أجد أيّ مشكلة في عملها الفنيّ ما دام محصورًا ضمن هاتين الصفتين أيّ الجمال وخفّة الظلّ. أمّا في ما عدا ذلك، فلا أعتقد أنّ "يارا" أو "هيفا" ترضيان بأنّ أعطي تلك المرأة الجميلة صفات ليست من حقّها. لا بل أجزم بأنّ "هيفا" نفسها تعرف قبل سواها قيمة خامتها الصوتيّة ومستوى أدائها التمثيليّ، وهي لم تدّع، بحسب أقوالها في المرّات التي سمعتها فيها تتكلّم عن هذا الموضوع، بأنّها أكثر من امرأة جميلة تحبّ الغناء والتمثيل والحياة. ومع ذلك لا أحد يستطيع أن ينكر أنّ "هيفا" ظاهرة خاصّة استحوذت عند انطلاقتها، ولا تزال، على اهتمام الصحافة أجديّةً كانت تلك الصحافة صارمةً حازمة أم لاهية متواطئة مشجّعة.
ولكنّ هذه الظاهرة نفسها هي التي تجعل الواحد منّا يتساءل، عند رؤية صورها في أسبوع الموضة في باريس، عمّا يخطر على بال المراهقات وهنّ ينظرن إلى هذه المرأة الجميلة التي لم تحمل حقيبة مدرسيّة تقطع الظهر ومع ذلك صارت تحمل أغلى حقيبة يد في العالم. والجواب البديهيّ هو أنّ كلّ فتاة تتمتّع بقسط من الجمال ستقول في نفسها: ولماذا التعب والدرس ما دام جمالي قادرًا على تحقيق هذه المكاسب؟ أمّا الفتاة التي تعتبر نفسها دون مستوى الجمال المطلوب فستفكّر: ولماذا الدرس والتعب ما دام شكلي سيعيقني عن تحقيق هذه المكاسب؟ وفي الحالين، سنجد أنفسنا أمام تداعيات هذه الظاهرة الجميلة التي تنشر حولها، عن قصد أو عن غير قصد، مفاهيم استرخاص الفنّ والطموح لأنّ صاحبة هذه الظاهرة، وكثيرات سواها، استطعن الدخول إلى عالم الشهرة ببطاقة سحريّة اسمها الجمال ولونها الدلال وأرقامها السريّة تفتح المجال لتحصيل المال.
قد يحلو للمدافعين عن هذا النمط النسائيّ أن يروا في "هيفا" الفتاة الفقيرة المعذبة التي ابتسمت لها الحياة أخيرًا وأتى أمير الأحلام لينقذها من براثن العوز فأهداها معطفًا نادرًا من فرو الشانشيلاّ الثمين، وحقيبة يد من جلد تمساح نادر يعيش في المياه المالحة. وأنا لا أستطيع أن أخالفهم الرأي علمًا أنّ ثمن ذلك هو قتل حيوانات بريئة واستخدام فروها وجلدها زينة، فضلاً عن تعذيب فتيات مراهقات بأحلام الثراء السريع، فمن حقّ الفقراء أن يتمتّعوا بما يمكن المال أن يشتريه، ومن حقّ الناس أن تكون لهم أذواقهم الخاصّة في الفنّ والأناقة، ولكن ما لا يمكن أن يقبل به عاقل هو أن ترجح دفّة هذا النوع من الفنّ وهذا النوع من الأناقة على حساب العِلم والبيئة ومشاعر الناس. فأبسط شروط الفنّ مراعاة الظروف الحياتيّة والاقتصاديّة للناس والإحساس معهم بأزمة اقتصاديّة تهدّد الدول والبيوت، خصوصًا إذا كان هذا الفنّان عرف الفقر وعانى الحرمان.
وبالعودة إلى "يارا" المجتهدة والذكيّة والتي كانت تجد لكلّ وسيلة إقناع نقدّمها لها جوابًا منطقيًّا لاذعًا تكاد تقنعنا فيه بأنّ الحقيبة المدرسيّة الثقيلة القبيحة لن تؤمّن لها في السهولة نفسها حقيبة يد لها قفل ماسيّ من العيار الثقيل ولا يوجد منها إلاّ ثلاث في العالم، فقد ختمت النقاش الساخن ببراءة طفلة حالمة حين سألتني: هل تعلمين ما هي الحقيبة التي لا يوجد مثلها في العالم وأرغب في الحصول عليها؟ وأمام صمتي وجهلي أوضحت وهي تبتسم: حقيبة "ماري بوبنز".
و"ماري بوبنز"، لمن لا يعلم، هي المربيّة التي تحمل حقيبة سحريّة في فيلم موسيقيّ يحمل الاسم نفسه وهو من بطولة الممثّلة جولي أندروز.
شاهدوه مع أولادكم لتستعيدوا طفولة بدأت تفتك بها صور ممثّلات لم يتصالحن مع طفولتهنّ بعد.


الاثنين، 24 أغسطس 2009

ألف نسخة من كتاب في ألف سنة



منذ نحو أسبوعين صدرت في باريس الترجمة الفرنسيّة لرواية الكاتب الأمريكيّ بول أوستر الجديدة "وحيدًا في العتمة". ومع نهاية الأسبوعين كانت النسخ كلّها قد نفدت، وتعمل دار "آكت سود" التي نشرت الرواية المترجمة على إصدار نسخة جديدة. أمّا الخبر الأهمّ في هذا الموضوع فهو أنّ عدد النسخ التي نفدت هو 80 ألف نسخة!
لا أعرف كم بلغ عدد النسخ التي بيعت في الولايات المتحدّة من الكتاب نفسه، وفي الحقيقة، لا أرغب في معرفة ذلك، على الرغم من أنّ الأمر لا يكلّف أكثر من كبسة زر على لوحة مفاتيح "اللابتوب"، ولكن يكفي أن أتذكّر أنّ من يطبع ألف نسخة من كتابه في لبنان سينتظر ألف سنة من الجهل قبل أن تنفد كتبه من السوق، وعندها سيعذرني القارئ إن لم أرغب في معرفة كم باع السيّد أوستر من روايته الجديدة في بلاده قبل أن تصل أصداؤها إلى فرنسا حيث تهافت الناس على شرائها.
"لنعدْ إلى الأرقام. يقول «التقرير العربيّ الأولُ للتنمية الثقافيّة لعام 2007» (صدر عن مؤسّسة الفكر العربيّ) إنّ 27،8% من العرب لا يقرأون ولا يكتبون، وإنّ الأمّيّة الثقافيّة (وهي في خطورة الأمّيّة الأولى) إلى ازدياد بسبب انحسار القراءة والمتابعة العلميّة. ويذْكر التقرير أنّ 27 ألف كتاب فقط صدر في الوطن العربيّ عام 2007، أي ما يعادل كتاباً لكلّ 12 ألف مواطن عربيّ، وهي نسبة مريعة إنْ علِمْنا أنّ النسبة في إنكلترا هي كتاب لكلّ 500 مواطن، وأنّها في إسبانيا كتاب لكلّ 700 مواطن. وإذا كان معدّلُ طبع أيّ كتاب عربيّ هو 3000 نسخة، وكان عددُ العرب 332 مليوناً، فذلك يعني أنّ هناك نسخةً واحدةً فقط لكلّ 110 آلاف عربيّ، أيْ إنّ النسبة، ويا للكارثة، هي 0،0009%."
هذه الأرقام وردت حرفيًّا في كلمة للدكتور سماح ادريس رئيس تحرير مجلّة الآداب ألقاها في ندوة «المجلات الثقافيّة في الوطن العربيّ» على هامش معرض الكتاب العربيّ في الدار البيضاء في المغرب، ونشرت في صحيفة "الأخبار" البيروتيّة، وعنوانها "معوّقات المجلّة الثقافيّة العربيّة المستقلّة". والأرقام المخيفة التي نقلها صاحب دار نشر عربيّة عريقة عن تقرير عربيّ - أي لا صهيونيّة فيه ولا أمبرياليّة ولا استعمار – يجب أن تجعلنا في مواجهة مع أنفسنا كقرّاء وككتّاب وخصوصًا أنّنا في بيروت نحتفل هذه السنة بالكتاب وفي القدس بالثقافة.
يقول بعض الدارسين في معرض الردّ على هذه الأرقام إنّ العرب يقرأون ولكنّهم لا يشترون الكتب بل يتبادلونها بحيث أنّ كتابًا واحدًا يتنقّل من يد إلى يد وبالتالي قد يقرّأه عشرات الأشخاص، أي، يضيف هؤلاء المدافعون عن صورتنا العربيّة الثقافيّة، إنّ هذه الأرقام غير معبّرة ونحن شعب يهوى المطالعة ولا يترك الكتاب من يده. لا أعرف إلى أيّ حد يقتنع هؤلاء بصحّة دفاعهم، وإذا كان هذا التبرير صحيحًا في القرى النائية، أو كان يصحّ حين كانت المواصلات صعبة ووسائل الاتصالات غير موجودة، فلا أدري إن كان يصحّ اليوم في عصر المكتبات والإنترنت وانخفاض سعر الكتاب مقارنة مع أسعار باقي الكماليّات والضروريّات. ولكي نفهم بالمقارنة عدم الدقّة في الحديث عن عجز العرب عن شراء الكتب فيستعيرونها، يكفي أن نتذكّر أنّ اللبنانيّين مثلاً يستوردون أكثر من 500 طن من الشوكولا سنويًّا، وأنّ معدّل ما تصرفه عائلة مكوّنة من أربعة أشخاص أسبوعيًّا يتراوح بين دولار وثلاثة دولارات (يمكن شراء كتاب بهذا السعر)، وأنّ بعض أصناف الشوكولا يصل سعر الكيلوغرام منها إلى مئة دولار، وأنّ شركة لبنانيّة واحدة تصدّر إلى الدول العربيّة ما يقدّر بـ2500 طن من الشوكولا الصناعيّ. هذا فضلاً عن أنّنا نحصر هدايانا بالمجوهرات والملابس والعطور والأزهار وعلب الحلويات ونادرًا جدًّا ما يفكّر أحدنا في تقديم كتاب هديّة. ومع ذلك ما زلنا نجد في السيرة الذاتيّة لمن يتقدّم للعمل كلمة المطالعة في خانة الهوايات.
وأكثر ما يؤسف له أن ينظر الناس إلى من يطالع بشغف نظرات سخرية واستخفاف، وخصوصًا بين تلاميذ المدارس وطلاّب الجامعات، إذ يُعامل هؤلاء "المثقّفون" معاملة قاسية ويُنبذون وتطلق عليهم تسميات جارحة تجعلهم أمام خيارين إمّا المطالعة سرًّا كأنّهم يرتكبون خطيئة وإمّا القبول بالانعزال مع ما يفرضه ذلك من توتّر نفسيّ غير مسموح به في مثل هذه الأعمار. وقد واجهت خلال عملي التربويّ الكثير من هذه الحالات في شكليها المتطرّفَين، ولكن مع الوقت انحسرت موجة المطالعة تدريجيًّا ولم يعد أحد من التلاميذ يرغب في أن يكون "خارج العصر"، أو من الـ"neards" بحسب اللقب السائد حاليًّا بين المراهقين ويطلقه الكسالى على المجتهدين للحطّ من شأنهم وإذلالهم، ما يدفع هؤلاء المرذولين إلى الكذب على زملائهم وادّعاء الكسل والتظاهر بعدم الجديّة وإهمال الواجبات المدرسيّة كي لا يصاب الواحد منهم بلعنة الاضطهاد ويبقى "وحيدًا في العتمة" بحسب عنوان رواية بول أوستر.
* صحيفة البلاد البحرينيّة - الأربعاء 11 آذار 2009

كيف تسرق في المدارس حقوق الأدباء والشعراء؟



لا شكّ في أنّ حلم كلّ كاتب أو شاعر أن يكون مادة للدراسة في المناهج التربويّة، يتعرّف التلاميذ إلى كتاباته ويحلّلون إنتاجاته ويحاولون الوصول إلى عمق أفكاره وخفايا شخصيّته وفرادة أسلوبه. وإذا كان شعراء العصور الغابرة وأدباؤها لن يطالبوا بحقوقهم الفكريّة بعدما سقطت هذه الحقوق بمرور الزمن، فمن أبسط قواعد اللياقة والاحترام أن ينال مبدعو هذه الأيّام ما يستحقّونه عملاً بالقوانين العالميّة وخصوصًا أنّ الكتاب المدرسيّ، لمن لا يعلم، وحيث لا كتاب موحّدًا أو رقابة كما في لبنان، مزراب ذهب.
أوّلاً، من المهمّ أن يعرف المعنيّون بأنّ دور النشر لا تستشير الكتّاب عند اختيار نصوصهم، ولا تسألهم رأيهم في تقرير أيّ منها يصلح للدراسة ولا كيف يجب أن تدرّس ولا في أيّ عمر أو صفّ أو مرحلة، ولا يعنيها أن تتعاون معهم، وهم أحياء يرزقون، في ما يجب أن يكتب في النبذة عن حياتهم، أو في ما يقصد بذلك البيت أو تلك العبارة أو ما هي مناسبة كتابة النصّ وظروف وضعه. ولقد سبق للشاعر أنسي الحاج أن نشر في صحيفة "النهار" مقالة في هذا الخصوص اعترض فيها على طريقة تحليل نصّ له اختير في كتاب مدرسيّ، وأكّد أنّه لا يوافق على أن يتمّ كلّ ذلك من غير موافقته أو علمه، واعتبر أنّ في الأمر إساءة لحقوق المؤلّفين وطالب من الدولة آنذاك أن تتدخّل لوضع قوانين تحمي الأدب والأدباء من سطو واضعي الكتب المدرسيّة على نصوصهم. وثمّة تجارب أخرى وقعت مع كتّاب وصحافيّين آخرين، إذ تمّ اختيار مقالاتهم المنشورة في الصحف، وتمّ التصرّف فيها لتلائم المحور المطلوب درسه أو الهدف الذي اختيرت لأجله من دون استئذان المؤلّفين أو دفع بدل ماديّ في مقابل ذلك. ومن يعرف نسبة الأرباح التي تحقّقها دور النشر من الكتاب العربيّ المدرسيّ يفهم لماذا يحقّ للمؤلّفين أن يطالبوا باحترام حقوقهم الماديّة والمعنويّة. أمّا من أين تأتي هذه الأرباح فإليكم تفصيل ذلك:
في أكثر المدارس يختار المنسّقون عن مادة اللغة العربيّة الكتاب المطلوب بعد نيل حصّة محترمة من الأرباح التي تحقّقها الدار من هذه المدرسة أو تلك، وذلك بحسب عدد التلاميذ وعدد الشُعب، وبالتالي بحسب عدد النسخ المباعة، وثمّة أسلوب آخر يقوم على إغراء المنسّق بضمّ اسمه إلى أسماء مولّفي الكتاب. وأحيانًا، تتدخّل المصالح الخاصّة والعلاقات الاجتماعيّة لتفرض على المدرسة كتابًا آخر في السنة التي تلي، فترمى كلّ النسخ السابقة ويستعاض عنها بالجديدة مع ما يفرضه ذلك من أعباء ماديّة تلقى على كاهل الأهل إذ لا يستطيع الأخ الأصغر أن يأخذ كتاب أخيه المترفّع صفًّا، فضلاً عن تغيير الأسلوب وطريقة مقاربة النصوص بين كتاب وآخر ما يعرّض التلاميذ للضياع والتشتّت وكره اللغة العربيّة. يضاف إلى ذلك أنّ دور النشر تعمل على إصدار طبعة جديدة كلّ سنة بحجّة التصحيح والتعديل والتنقيح، وتفرض على المدرسة ألاّ تقبل إلاّ بها، وعند التحقيق في النسخ الجديدة، يتبيّن أنّ التغيير طال بعض المفردات والصور أو تكبير الخطّ، ما يجعل ترقيم الصفحات يختلف بين نسخة وأخرى وبالتالي يعجز المعلّم عن ضبط إيقاع الصفّ عندما يقول: النصّ صفحة كذا، إذ تقوم القيامة بين التلاميذ الذين يملكون نسخًا قديمة وجديدة ولا يجدون النصّ المطلوب. إنّنا نتكلّم في هذا المجال عن أعداد هائلة من الكتب التي تتلف، الأمر الذي يوقع خسائر بيئيّة جسيمة بسبب أطنان الورق المهدورة، ناهيكم عمّا يدفعه الأهالي من أموال وعمّا يواجهه التلاميذ والمعلّمون من تباين في طرائق العمل والمنهجيّات. أمّا أصحاب النصوص فخاسرون ماديًّا إذ لا ينالون ثمن نصوصهم ولن يجدوا في التلاميذ زبائن محتملين يهرعون إلى المكتبات لشراء مؤلّفاتهم، ومعنويًّا إذ يكرههم التلاميذ ويكرهون الساعة التي يدرسون فيها الأدب العربيّ.
عند نهاية العام الفائت، علمت بالصدفة أنّ نصًّا كتبته في صحيفة "النهار" عنوانه: "عولمة الأمراض"، وضع على لائحة النصوص المعتمدة للتلاميذ الذين يتقدّمون لامتحان الشهادة الفرنسيّة الرسميّة، وقبل ذلك، وبالصدفة كذلك، وصلتني ورقة امتحان من مدرسة رسميّة تمتحن التلاميذ في نصّ آخر لي، وفي إحدى الجامعات، فرع الترجمة، نقل الطلاّب نصًّا آخر من نصوصي إلى لغة أجنبيّة، فتلقّيت التهنئة على اعتبار أنّني حقّقت إنجازًا أدبيًّا محترمًا. ولم يعلم أحد أنّ عشائي في تلك الأيّام كان "الخبّيزة". و"الخبّيزة"، لمن يرغب في مزيد من المعلومات، نوع من النبات ينمو بين شقوق الأرض وينتشر كيفما كان وأينما كان ولا يحتاج رعاية أو عناية، والفقراء يصنعون منه أنواعًا مختلفة من وجبات الطعام لتوفّره في كثرة وسهولة. ثمّ دخلت هذه النبتة في قاموس أمثالنا الشعبيّة، فصرنا نقول ساخرين لمن يتبجّح بالشهرة والمجد طوال اليوم وهو فقير معدم إنّ عشاءه لن يكون إلاّ "خبّيزة"، إذ إنّ الليل ستّار العيوب والفضائح والمستويات. ونقول في المقابل عمّن يملك مالاً كثيرًا ولا يسأل كيف ينفقه: "اللي معو بهار بيرشّ عالخبّيزة". وأنا طبعًا ممّن يصحّ عليهم المثل الأوّل، ولله الحمد.
* صحيفة البلاد البحرينييّة - الجمعة 27 شباط 2009

مشاركة مميزة

فتاة تدخل ومعها تفاصيل حين نهتمّ بها، حياتنا أجمل - 5 تشرين الأوّل 1993

فتاة تدخل ومعها تفاصيل حين نهتمّ بها، حياتنا أجمل حضرة الأستاذ زاهي وهبي في الرّسالة الأولى، أردت أن ألفت انتباهك إلى بعض الأم...

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.